"أنهارُ من الطبطبة"... مجموعة مصرية لدعم مرضى/ مريضات السرطان

الجمعة 22 أكتوبر 202102:27 م

"تجربتي مع السرطان فتحت عيني أيضاً على المصطلحات المرتبطة به. كلمات مثل معركة، وقتال، وناجٍ، وفوز، وخسارة، ومحارب. بينما تهدف هذه المصطلحات إلى مساعدة المرضى، شعرت أنها تحفّز الشعور بالذنب، والفشل، في الحالات التي هي أبعد من قدرة المريض على السيطرة. أولئك الذين ماتوا بسبب السرطان، كانوا أقوياء أيضاً. القول بأنهم خسروا المعركة، يعني ضمنياً أنهم لم يقاتلوا بما يكفي من أجل مرض ربما لا يمكن علاجه بالدواء، أو حتى بالحظ".

هذا ما كتبته قبل عامين، ريما شيري، رحمها الله، الصحافية اللبنانية ذات الـ31 عاماً، والمراسلة السابقة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن مشاعرها تجاه سرطان الثدي الذي هجم عليها بغتةً، محولاً حياتها المنغمسة في تقديم العون إلى الغير، إلى نقيض صادم.

فجأةً، صار المرض والعلاج بطلَي حياتها، يتمحور تفكيرها حولهما، وتحاول استيعاب وضعها الجديد، وكيف سيتبدّل عالمها. مرحلة يتشاركها مرضى السرطان في بداية الرحلة، ويشعرون فيها بالتيه والخوف، ويحاولون جمع شتات أفكارهم، للإحاطة بحجم التغيير المقبل عليهم.

تأملات ريما قادتني إلى البحث عن مصدر أمل يملأ تلك الفجوة في حياة مريض/ ة السرطان، يعينه/ ا، في المسير والنجاة.

كنت أحتاج إلى الحصول على الدعم، وأيضاً إلى تقديمه. كنت أتوق لأناس يشبهونني، ويفهمونني وأفهمهم.

مجموعة داعمة

في تموز/ يوليو 2020، أسست نور علي شكري، الناجية من سرطان الثدي، مجتمعها الأول من نوعه في مصر، Together We CANcer Community، وهي مجموعة دعم لمرضى السرطان، بدأت بـ300 شخص، حتى وصلت إلى أكثر من أربعة آلاف عضو حالياً.

في وضع يفرض على هؤلاء المرضى الاكتئاب والوحدة، ويعزلهم عن مجتمعاتهم وأحبابهم، بسبب شعور عارم بالغربة، شعرت نور بحاجة ملحة إلى بدء مبادرة تلم شمل فرقتهم، وتكون ونساً لغربتهم، في مجتمع لا يزال يجهل كيفية التعامل مع أصحاب التجربة، من دون أن يؤذيهم نفسياً.

أجريت حواراً مع نور، لأسمع قصتها بشكل شخصي، وأفسح لها المجال لتخبرنا عن مجتمع Together We CANcer.

"شُخِّصت إصابتي يوم السادس من حزيران/ يونيو عام 2020. كنت قد وجدت ورماً في صدري، أجريت على إثره ‘ماموغرام’، لأكتشف أني مصابة بالسرطان. كانت الصدمة شديدةً، لأني كنت وحدي تماماً، ومن يومها بدأت رحلتي مع المرض.

لم يكن أهلي وأصحابي يعلمون في البداية، فلم أستطع أن أكتب، أو أنشر، في أي مكان، حتى دخلت على مجموعات دعم مرضى السرطان في أمريكا، وكانت تلك اللحظة التي حفّزتني لأفكّر: لمَ لا يوجد شيء شبيه في مصر؟ فأنشأت المجموعة قبل بداية العلاج الكيماوي بيومين، لأني كنت أحتاج إلى الحصول على الدعم، وأيضاً إلى تقديمه. كنت أتوق لأناس يشبهونني، ويفهمونني وأفهمهم. كانت أمي تخبرني أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكنني كنت أشعر بأنه ليس من حقها أن تعدني بشيء كهذا. احتجت إلى أشخاص يشاركونني التجربة، ليخبروني بهذا".

اجتماعات دورية

يجتمع أعضاء المجموعة في فعاليات ترفيهية، أو توعوية، يحضرونها هم وأهاليهم أحياناً، وتكون مجانيةً بالكامل، ومدعومةً من جهات داعمة، ومتطوعين.

تقول نور: "المجموعة صادقة، ومنفتحة على بعضها بشدة، وتتفاوت أعمار أعضائها بين الثانية والعشرين، والسبعين. نتشارك أنشطة كالحفلات والغناء والرقص. نجتمع بشكل شهري، ونقوم بأنشطة دعم نفسي وعاطفي للأعضاء، ونحاول أن نبثّ في أنفسنا طاقةً إيجابية تعيننا على متابعة العلاج، وتدفعنا لنبقى على حافة الاكتئاب، ولا نغوص فيه".

تطورت المجموعة سريعاً، ومع نموّها، ازداد حجم فعالياتها وتأثيرها، وصارت من أقوى مجموعات دعم مرضى السرطان في مصر. واختيرت المجموعة ضمن برنامج فيسبوك Facebook Community Accelerator، من ضمن أكثر المجتمعات تأثيراً في الشرق الأوسط لعام 2021، كما حصلت على دعم العديد من الفنانين المصريين.

"المجموعة منفتحة على بعضها بشدة، وتتفاوت أعمار أعضائها بين الثانية والعشرين، والسبعين. نتشارك أنشطة كالحفلات والغناء والرقص. نجتمع بشكل شهري، ونحاول أن نبثّ في أنفسنا طاقةً إيجابية تعيننا على متابعة العلاج، وتدفعنا لنبقى على حافة الاكتئاب، ولا نغوص فيه"

ملء الفجوة

للغوص في مجتمع Together We CANcer، التقيت أربع عضوات من أفراده الفاعلات. لمست فوراً مدى الحاجة التي كانت عند كل مريض في بداية تشخيصه، إلى مكان مثل هذا المجتمع، ووضعت يدي على تلك الفجوة التي ملأتها نور عندهم: تيه، وتخبّط، ورعب، بلا يد مألوفة تربت على الأكتاف، وضوء ينير.

عن بداية الرحلة، قالت ربة المنزل الأربعينية أسماء ماهر: "شُخِّص مرضي في نيسان/ أبريل 2019. صدمة مفجعة. بين يوم وليلة، صرتُ مريضة سرطان". وقالت مديرة اللوجستيات أسماء الخضري (37 عاماً): "شُخِّص مرضي في حزيران/ يونيو 2017. لم أكن مستوعبة. درت على الكثير من الأطباء محاولةً أن أفهم، ومترددةً، وخائفة: أأبدأ بالكيماوي، أم بالعملية؟".

وتحدثت الصيدلانية إيمان، (38 عاماً)، عن خوف شبيه: "صُدمت، وانهرت في البكاء، كنت أفكر في أولادي؛ كيف سأربّيهم؟ من لهم إن جرى لي شيء؟ كيف سأبلِّغ أمي؟". وهذه كانت صدمة ربة المنزل، مروة، (42 عاماً)، نفسها: "اكتشفت بالصدفة، وأنا أُجري فحوصاً دورية في سن الأربعين. لم يُصَب أحد من عائلتي بالسرطان من قبل. كنت الأولى. لم أكن خائفةً، لأني لم أكن مستوعبةً من الأساس. تيهٌ، وتخبّطٌ تام، لم أكن أدري أي شيء عن السرطان، سوى ما في إعلانات التلفاز".

كنت مهتماً بمعرفة الفارق الذي أحدثه مجتمع Together We CANcer في حياتهم، وكيف أخذ هذا الهلع والتخبط، وحوّله إلى مشاعر أكثر هدوءاً؟

المجموعات الأخرى بمعظمها، كانت إما تتفجر بالطاقة السلبية، أو متخصصة في المعلومات الطبية فحسب.

أخبرتني أسماء: "بحثت كثيراً عن مجموعات من أناس يشبهونني. كنت أحتاج إلى من أكلمهم وأسألهم، لكني لم أكن أرغب في ذلك المزاج الكئيب الحزين. المجموعات الأخرى بمعظمها، كانت إما تتفجر بالطاقة السلبية، أو متخصصة في المعلومات الطبية فحسب. مريض السرطان بطبعه حساس، ويتضاعف ذلك إن كان حساساً بالفعل، قبل المرض.

كنت أكتم ألمي، لئلا أسبّب لمن حولي أي إزعاج، لكني كنت في حاجة ماسة إلى الحديث. تعرّفت إلى نور من فيسبوك بالصدفة، وكنت من أول خمسين عضواً في المجموعة. شعرت بأن هذا هو ما كنت أتوق إليه: أناس يشبهون بعضهم، تجمعوا لا رغبةً في شفقة، ولا في تعاطف من أحد، ولكن لافتقادهم المشاركة، والكلام، والفضفضة".

وكررت إيمان عواطف شبيهة حد التطابق: "كانت المجموعة طاقةً من نور بالنسبة إلي، وحرفياً كانت مؤسِستها نور اسماً على مسمّى. أنشأت نور كياناً في قمة الجمال، لم أشعر بالأمان والراحة إلا فيه، كأني بين أهلي وأصحابي، ودوماً قريبون ونعرف بعضنا بالاسم. نتشارك كل شيء: لو شعر أحدنا باكتئاب وألم، يدخل ليُفرِغ مكنون صدره، فيجد أنهاراً من الدعم والطبطبة، لو ظهرت نتائج تحاليل أحدنا إيجابيةً، نحتفل. كان فارقاً كبيراً في حياتي، أن أعلم أن هناك من يشعر بي، ومن يتألم لألمي، ويفهمه، ثم يواسيني، ويداويه".

"كنا نفتقد البوح"

وعن أنشطة المجموعة، حكت أسماء ماهر: "من أعظم ما حققته نور، هو جمعنا في أنشطة على أرض الواقع. كان المرء يفتقد بشدة إلى الجلوس وسط مجموعة يستطيع فيها الكلام عن نفسه، والبوح بما يشعر. كل مرة نجتمع فيها، كنت أغادر شاعرةً براحة نفسية شديدة، وطاقة للمواصلة والسير، ولا أفوّت لقاءاتنا، لأني أعلم مدى السعادة التي ستملؤني بها".

وأبرزت مروة أهمية الجانب المعرفي والتوعوي في تلك الأنشطة: "تسعى نور إلى أن تقيم حدثاً شهرياً نجتمع فيه، ويحضره دائماً أطباء ومتخصصون واستشاريون يساعدوننا ويرشدوننا، ونذهب كلنا، مرضى ومانحي رعاية.

التيه الذي غرقت فيه في بداية رحلتي، بين الأطباء والأسئلة، لو كنت أعرف هذه المجموعة وقتها، لما كان قد حدث. أرى الأعضاء الجدد كيف يحصلون على سيل من المعلومات والإرشادات، عن أي الأطباء أفضل، وأكثر أماناً، وفي أي تخصص، سواء في الجراحة، أو الأورام، أو التغذية، في القاهرة أو المحافظات. تجمع عظيم يساعد مريض السرطان في إيجاد ما يحتاجه كله".

أسئلة مؤذية

تقول نور إن أكثر الأشياء المزعجة التي يحاول الناس مساعدة مريض/ ة السرطان بها، هي التعليقات من عيّنة "أنت قوي"، "أنت قدها"، "أنت مؤمن".

"يفرض الناس على المريض توقعاتٍ لا ينتظرها، ولا يريد احتمالها، ويظلون يخبرونني أني قوية، لكني لست دوماً قوية، ولا أرقى لتوقعاتهم؛ بت أشعر فوق هذا كله، بأني أخذل أولئك الذين ينتظرون مني إبداء القوة.

تعليق الناس على الإيمان يشعرك بالذنب؛ أسيغضب عليّ الله لأني حزينة؟ أنا إنسان في نهاية الأمر، وبالطبع أنا حزينة، ولا أحتمل دوماً. الأفضل أن تقرّ بمشاعر المريض، وتترك له المساحة ليحس بها، بدلاً من إجباره على كتمها. تشبيهات المعركة، والمكسب، والخسارة، ضاغطة، وتشعر المريض بأنه في معركة يجب أن ينتصر فيها، مدفوعاً بتوقعات الناس القاسية".

وتعلّق نور على الأسئلة الفضولية المؤذية التي يوجهها الناس إلى مريض السرطان: "أسئلة من نمط: شعرك وقع؟ هتشيلي حتة من صدرك، ولا صدرك كله؟ يزيد وزننا أحياناً لأن الكيماوي يرافقه علاج الكورتيزون، فنسمع تعليقات من قبيل: ايه ده... صحتك جاية ع الكيماوي! فضول مزعج للغاية".

تعليق الناس على الإيمان يشعرك بالذنب؛ أسيغضب عليّ الله لأني حزينة؟ الأفضل أن تقرّ بمشاعر المريض، وتترك له المساحة ليحس بها، بدلاً من إجباره على كتمها. تشبيهات المعركة والمكسب والخسارة ضاغطة، وتشعر المريض بأنه في معركة يجب أن ينتصر فيها"

وتضيف إيمان: "من الطبيعي أن أي مريض سرطان، تأتي عليه أوقات من الضعف والتعب، يحتاج فيها إلى دعم وتخفيف فحسب. ولكن يكون الشخص منا مكتئباً ومهموماً، فيأتي أحدهم ويخبره بقسوة أن يحمد الله، وينظر إلى حال غيره. أنا مؤمنة، وممتنة لنعم الله علي، لكني في بعض الأحيان أكون منهارةً نفسياً، ولا أحتاج إلا لكلمة طيّبة".

وتتابع أسماء بدورها: "لا يدرك الناس تأثير العلاج الكيماوي، والعملية، ويظنون أنك بمجرد إنهاء العملية، قد شُفيت. لكننا نحتاج إلى تفهم من حولنا، وتلبيتهم لرغباتنا: أن نمكث وحدنا أحياناً، وأن نجالس الناس في أحيان أخرى، وأن نخرج، أو أن نستريح في البيت. يحتاج المريض إلى تأهيل نفسي إضافي، ليستجمع شتاته، ويعيد بناء نفسه وجسمه."

وأكدت أسماء ذلك بعباراتها الخاصة: "لا تعاملوا المريض على أنه مسكين، ولا على أنه بطل خارق! أنا لا أطيق أن أُظهر تعبي أمام الناس، حتى لا أسمع تعليقات موجعة مثل ‘صحتك جت ع الكانسر’، أو ‘ما انتي زي الفل أهو’، كأن مريض السرطان يجب أن يعرج أمامهم، حتى يقتنعوا بمرضه".

وعن أذى نظرات الشفقة تقول مروة:" الشفقة والحزن المفرطان يذبحانني! تعليقات مثل: يا حرام! يا عيني!، مع نظرات الأسى والشفقة المستمرة، هي مصدر أذى رهيب. كنت أنعزل، ولا أرغب في الخروج من غرفتي بسببها، كنت أنظر في مرآتي، فلا أرثي لحالي، ولا أشعر بالوجع والأذى، كما الذي يملؤني بسبب نظرات الناس، وتعليقاتهم."

وأختم بقول نور: "أنا أكره وصف المحارب. ليس مطلوباً منا أن نكون محاربين. الحرب الوحيدة التي نخوضها، هي الحفاظ على صحتنا النفسية، وعلى عقولنا".

في شهر التوعية بسرطان الثدي، نتمنى عالماً أرحب، وأكثر دفئاً ودعماً لكل أولئك الذين يخوضون رحلة قاسية، لا نعلم عن حقيقة المرور بها شيئاً، وأن يجدوا في مسيرهم الحب والقوة الكافيَين لراحة القلب، والنفس، والروح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard