"شعرت بالإحباط ثم نهضت مجدداً".. حكايات من مستشفى بهية لسرطان الثدي في مصر

الثلاثاء 3 نوفمبر 202001:16 م
ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهها جعلتني أقترب منها أكثر. هذه الابتسامة المليئة بالأمل والتي تعلن عن شعور بالانتصار والإيمان أو تعكس إرادة قوية، ربما تخفي خلفها قصة يجب أن تروى. وقبل خطوات من الوصول إليها سمعت أصواتاً تناديها "ماما راوية" وكأن الجميع بمستشفى بهية لعلاج سرطان الثدي يعرفونها.

السيدة راوية علي، واحدة من محاربات السرطان اللواتي يتلقين العلاج المجاني في هذا المستشفى، أخبرتني أنها قضت عامين ونصف العام من العلاج الهرموني وأن تحتاج إلى مدة مماثلة لاستكمال فترة علاجها بعد عملية استئصال الثدي.

السيدة الستينية توضح لرصيف22 أنها مرت بمراحل كثيرة حتى وصلت لمرحلة الهدوء النفسي وتقبل الأمر الواقع. لم تكن تتوقع أنها مصابة بالسرطان واعتقدت بدايةً أن الأمر بسيط ومجرد غدد لبنية ليس أكثر، لكن الصدمة كانت شديدة وانهارت تماماً فور معرفة نتيجة التحاليل، قائلة "اعتقدت أن النهاية اقتربت".

حكايات أمل وألم تغص بها أروقة مستشفى بهية لعلاج سرطان الثدي في القاهرة

في اللحظة التي انهارت فيها راوية التفّت المريضات والعاملات حولها وسط سيل من القبلات والأحضان، وكان الدعم النفسي من قبل المرضى والأطباء والعاملين بالمستشفى وراء تمسك راوية باستكمال علاجها وإجراء الجراحة رغم إلحاح أبنائها على الذهاب إلى كبار الجراحين لضمان نجاح العملية، إلا أن الراحة النفسية بالنسبة لراوية كانت الأهم، وبالفعل نجحت الجراحة.

اكتشفت راوية إصابتها بسرطان الثدي بعد بلوغ سن الستين وخروجها على المعاش، عندما اصطدمت بكتلة صلبة في ثديها، وبعد إجراء الفحوص تأكدت إصابتها وبدأت رحلة العلاج، وقررت السير على خطى عدد من المرضى بتقديم الدعم النفسي والإنساني للمريضات الجدد، إذ تطوعت في وحدة الدعم النفسي ببهية لمساندة المرضى وإقامة حفلات وندوات توعية إيماناً منها برد الجميل.

وسرطان الثدي ثاني أكثر السرطانات انتشاراً في مصر، إذ يمثل 19.29% من حالات السرطان التي تصيب الرجال والنساء وفق إحصاءات المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي، وهو أكثر السرطانات انتشاراً بين الإناث إذ يمثل 30% من الأنواع التي تصيبهن.

بهية وهبي مؤسسة المستشفى بعد وفاتها

لم تعرف بهية وهبي، التي راحت ضحية لسرطان الثدي عام 1996، أن المعاناة التي عاشتها ستكون السبب في فتح باب الأمل والشفاء لمئات المصابات بهذا المرض، وذلك عندما تحولت أرض فيلتها في شارع الهرم بالعاصمة المصرية إلى أول صرح طبي مجاني لعلاج سرطان الثدي على مستوى الوطن العربي عام 2015، بعد قرار أولادها التبرع بالأرض لمساعدة مرضى السرطان كنوع من الصدقة الجارية على روح والدتهم.

كانت بهية تتمنى توفر جهاز إشعاع متقدم للمرضى، وهو لم يكن موجوداً سوى في الولايات المتحدة، إلا أنه الآن متوافر في المركز الذي يحمل اسمها، ويضم أحدث الأجهزة والعديد من الاختصاصيين، اعتماداً على التبرعات والمساهمات، وتديره جمعية "رسالة"، وهو يستهدف في المقام الأول التوعية بأهمية الكشف المبكر عن المرض لتحقيق أعلى نسب الشفاء، إلى جانب تقديم العلاج مجاناً للمصابات.

واستقبل المستشفى منذ افتتاحه أكثر من 133 ألف سيدة بين فحص مبكر وأشعة وكشف أورام، وأجرى نحو 7037 عملية جراحية، وعالج 45 ألف سيدة بالعلاج الكيماوي وحوالى 128 ألفاً بالعلاج الإشعاعي.

رحلة شاقة مليئة بالدعم

برفقة ابنتها جاءت ميرفت محمود إلى مستشفى بهية للحصول على جرعة الكيماوي التي تستغرق عدة ساعات.

في هذا الصرح الطبي المبني على مساحة 10 آلاف متر مربع، والمكون من ستة طوابق، تبدأ الرحلة بانتظار الكشف في الدور الأول ثم إجراء الأشعة والتحاليل في الدور الثالث والحصول على جرعات الكيماوي في الدور الثاني.

لم تعرف بهية وهبي، التي راحت ضحية لسرطان الثدي عام 1996، أن المعاناة التي عاشتها ستكون السبب في فتح باب الأمل والشفاء لمئات المصابات بهذا المرض، وذلك عندما تحولت أرض فيلتها في شارع الهرم بالعاصمة المصرية إلى أول صرح طبي مجاني لعلاج سرطان الثدي على مستوى الوطن العربي عام 2015

في بدء معرفتها بالإصابة عام 2016 كانت ميرفت ترفض فكرة العلاج بسبب شعورها بالإحباط، إلا أن بناتها كان لهن دور كبير في مساندتها وإقناعها بأهمية العلاج وفرص الشفاء، خاصة أن الحالة لم تكن خطيرة، وبالفعل استؤصل الورم وبدأت مرحلة العلاج الكيماوي.

تقول ميرفت لرصيف22 إنها قررت الاستمرار في العلاج بعد مساندة قوية من المحيطين بها خاصة بناتها، وسهولة توفر العلاج بمختلف أنواعه. وبسبب معاناتها مع المرض قررت اللجوء لنظام المعاش المبكر، بعدما كانت تعمل موظفة حسابات بإحدى الشركات، لكنها لم تقوَ على تحمل ضغوط العمل خلال فترة العلاج.

وتشير صفاء جوهر الابنة الكبرى لميرفت إلى الدور الذي يقع على عاتق المحيطين بالمريض، وأهمية مساندته ودعمه نفسياً حتى تتحسن حالته ويؤتي العلاج ثماره، مؤكدة أنها تشاركها معظم الجلسات ولا تتركها مطلقاً، خاصة أن جلسات الكيماوي لها أعراض جانبية تستدعي وجود شخص مقرب بجوار المريض. تقول إن مرافقتها لوالدتها في رحلة علاجها أثرت كثيراً في شخصيتها، إذ جعلتها ترى عالماً آخر لم تكن تعرفه من قبل بعد التعرف على قصص أخريات يخضعن للعلاج، كما جعلها ذلك أكثر وعياً بالمرض وأعراضه ومخاطره وكيفية الوقاية منه.

خط ساخن

عانت السيدة الأربعينية منى نور الدين من التشخيص المخطىء في البداية وظلت لأشهر طويلة تتردد إلى الأطباء لأنها شعرت بأمر غير طبيعي في ثديها، ثم قررت الاتصال بالخط الساخن لمستشفى بهية، وهو الوسيلة الوحيدة للحجز، وقالت إن الورم ليس حميداً كما أخبرها الأطباء، وهو ما تأكد لدى ظهور نتيجة الماموغرام في المستشفى.

وأشارت منى في حديثها لرصيف22 إلى أن الميزة الموجودة في مستشفى بهية هي الأجهزة الحديثة وفريق العمل المتكامل وعدم وجود سقف للعلاج المجاني الذي يحتاج عادة مبالغ طائلة.

وعاشت منى معاناة كبيرة خلال فترة العلاج الكيماوي، لكنها لم تتحمل النظر في المرآة بعد سقوط شعرها فانهارت تماماً. لم تتجاوز هذه الفترة بسهولة لولا مساندة زوجها وتشجيعها على الاستمرار وإخبارها أنها ما زالت جميلة ولا ينقصها شيء، مؤكدة على أهمية دور المحيطين بالمريض أثناء علاجه.

ولم تجد منى الدعم من أسرتها فقط إنما كانت تحرص على مقابلة المريضات من خلال حفلات وندوات مستشفى بهية المخصصة للتوعية بالمرض وتقديم الدعم النفسي.

أخبرتنا منى أنها شفيت بعد استئصال الورم لكنها تحرص على إجراء الفحوص الطبية مرة كل ستة أشهر للتأكد من خلوها من السرطان.

في بدء معرفتها بالإصابة كانت ميرفت ترفض فكرة العلاج بسبب شعورها بالإحباط، إلا أن بناتها كان لهن دور كبير في مساندتها وإقناعها بأهمية العلاج وفرص الشفاء، فقررت الاستمرار بعد مساندة قوية من المحيطين بها، وسهولة توفر العلاج بمختلف أنواعه داخل مستشفى بهية

تجارب إنسانية

مواقف إنسانية كثيرة يمر بها أطباء وجراحو مستشفى بهية، منهم الطبيب عبد الرحمن خليفة، الذي تحدث عن أكثر المواقف شيوعاً في صفوف مريضات السرطان وهو اختفاء الزوج بعد الزيارة الأولى أو الثانية من رحلة العلاج.

"في الغالب يكون الزوج قد ترك زوجته المريضة أو طلقها أو أهملها، وبالتالي نتعامل معها برفق شديد، فهي في حاجة لدعم نفسي ممن حولها خاصة بعد الجراحة أو جلسات الكيماوي"، يقول خليفة لرصيف22. وهو يعلم جيداً أن استخدام كلمة "السرطان" يترك أثراً نفسياً سيئاً على المريضات، لذلك يلجأ هو وزملاؤه لمصطلحات بديلة مثل "ورم غير حميد" أو "خلايا نشطة" أو "خلايا مريضة" للتخفيف من وطأة الألم النفسي والقلق الذي يشعر به المرضى.

ويضيف: "أحياناً تكون لدى المريضات الرغبة في "الفضفضة" عن ظروف شخصية، مثل مريضة لم تأتِ في موعد الجراحة بسبب ظروف شخصية"، موضحاً أن الضغوط النفسية تؤثر على فرص العلاج "فما علينا إلا تقدير ظروفهن وسماع قصصهن".

مريضة أخرى قبل الجراحة بدقائق قالت له "اعتقني لوجه الله" وكانت تعيش حالة توتر شديدة. يقول خليفة: "لحسن الحظ كان هناك بديل لحالتها وقررت اللجنة الطبية استبدال الجراحة بالعلاج نظراً لرفض المريضة". ويضيف أن هناك حالات لا يمكن فيها اللجوء لبدائل الجراحة، لذلك تكون ضرورية ويجب إقناع المريضة بأنها السبيل للشفاء.

وعن المفارقات التي قابلت خليفة خلال عمله يتحدث عن إصابة نساء الأسرة الواحدة بسرطان الثدي في الوقت نفسه أو في أوقات متلاحقة، مع ما يخلّفه ذلك من أعباء نفسية على العائلة: "ذات مرة جاءت الأم وبعد شهور التحقت بناتها بالمستشفى، وفي إحدى المرات جاءت ثلاث أخوات وأجرينا لهنّ الجراحة"، وهو أمر ليس نادر الحدوث بسبب تشارك الجينات ذاتها.

وتحدث الطبيب ماهر حسن، رئيس قسم الجراحة في مستشفى بهية، عن صعوبة نشر الوعي بأهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي.

"خلي الصندوق مقفول" هذه المقولة الشائعة بين المصريين تلخص طريقة تعامل الغالبية العظمى مع الفحوص الطبية الدورية، فيكون الحل تجاهلها خوفاً من اكتشاف مرض قد يكون مميتاً أو يحتاج لعلاج طويل ومبالغ باهظة.

ويوضح حسن أن الكشف المبكر هو الضمان الأول للشفاء من الأورام السرطانية، ويختم: "وبالتالي علينا إقناع المرضى أن سرطان الثدي قابل للشفاء، وكلما كان العلاج أسرع كان ذلك أفضل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard