"خطيبي سابني بعد مرض أمي"... "السرطان" يحكم زواج فتيات في الصعيد

الثلاثاء 31 أغسطس 202105:40 م

فجيعة الموت لم تكن المأساة الوحيدة التي عاشتها آيات، والتي وجدت نفسها فجأة تدفع ثمن وفاة والدتها بمرض السرطان، وتحاكم من قبل المجتمع على انتمائها لعائلة تحمل تاريخاً وراثياً لهذا المرض، لينفذ عليها حكم الحياة مع وقف التنفيذ.

"في عرف الصعيد البنت ممكن تترفض عشان عندها مرض"، جملة كشظايا البركان تقولها آيات محمد، اسم مستعار (26 عاماً)، من أسيوط، إحدى محافظات صعيد مصر.

أجد نفسي أمام نظرة اتهام بأنني جرثومة حاملة لمرض.

عندما بدأت حديثها عن مرارة العيش بعد وفاة والدتها بالسرطان، قائلة لرصيف22: "ورثت والدتي المرض عن جدتي، وظلت تعاني منه سنوات إلى أن توفاها الله، لأجد نفسي أمام نظرة اتهام بأنني جرثومة حاملة لمرض يمنعني من الزواج والحياة بشكل طبيعي، على الرغم من أنني بصحة جيدة، ولكن مررت بمواقف أصابتني بمرض نفسي أخطر من السرطان".

تسرد آيات ذات الصوت الهادئ، والوجه الساحر، أول هذه المواقف، متابعة: "أتت خطابة إلى بيتي، مرسلة من عريس للحصول على معلوماتي الشخصية، والتي ظننت بأنها التفاصيل المدرجة في أذهاننا جميعاً، كسني أو عملي أو حتى عدد أخواتي، ولكنها سألتني عن مرض والدتي، وإذا ما كنت أحمله لأنه وراثي، وهل أتابع مع طبيب بخصوص هذا الأمر أم لا، وأسئلة أخرى تنزف قلبي دماً"، منوهة بأنها نفت موضوع المتابعة، فذهبت السيدة ولم تعد مرة أخرى.

بناءً على المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي في مصر، فإن جميع السيدات معرضات لخطر الإصابة بسرطان الثدي، ولكن بعض السيدات لديهن نسبة أكبر للتعرض للإصابة بسبب العامل الأكثر خطورة وهو "التاريخ المرضي"، أي وجود عامل وراثي للمرض بين سيدات الأسرة الواحدة "الأم- الخالة- الجدة- الابنة"، خاصة إذا تعددت الإصابات، وحدثت في سن صغير.

ووفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية عام ،2018 يصاب قرابة 2,1 مليون امرأة في العالم سنوياً بسرطان الثدي، ويؤدي إلى وفاة ما يقارب من 627 ألف امرأة، أي بنسبة 15% من الوفيات الناجمة من الإصابة بأنواع السرطان المختلفة.

"ابتعد عن هذه العائلة"

قرر مصطفى، اسم مستعار (33 عاماً) العودة من القاهرة محل عمله إلى قريته بالمحافظة، في إجازة قصيرة ليعرض على أهله رغبته بالزواج من إحدى الفتيات التي رآها ذات مرة، ولفت انتباهه أخلاقها، وجمالها، وانتمائها لعائلة عريقة بالقرية.

يقول مصطفى لرصيف22: "بمجرد أن ذكرت اسم عائلة الفتاة، أصيب أبي بغضب عارم، وقال لي 'ابتعد عن هذه العائلة لأنها لديها مرض وراثي، ومؤكد مرض البنت في يوم من الأيام، ولن تكون صالحة للزواج، ومراعاة الأسرة'"، على حد وصفه.

"والدة العريس وأخواته البنات في صعيد مصر عليهن زيارة العروس قبل أن يراها هو شخصياً، لمعرفة تفاصيلها المختلفة، كشكلها وسنها وصحتها وعدد أخواتها، وإن كانت لديها أخت متزوجة فلا مانع من معرفة عدد ونوع الأبناء، لبيان حالتها في الإنجاب التي بالطبع تماثل أختها"

"الزواج بهذه المجتمعات يحدث عادة بعد فحص دقيق للزوجة وأسرتها، إذ أن والدة العريس وأخواته البنات عليهن زيارة العروس قبل أن يراها هو شخصياً، لمعرفة تفاصيلها المختلفة، كشكلها وسنها وصحتها وعدد أخواتها، وإن كانت لديها أخت متزوجة فلا مانع من معرفة عدد ونوع الأبناء، لبيان حالتها في الإنجاب التي بالطبع تماثل أختها"، هذا هو عرف الزواج السائد في العديد من محافظات الصعيد كما شرحه محمد.

"خاف من مرضي وسابني"

"خطيبي سابني بعد مرض أمي بسرطان الثدي"، تقول زينب محمد (37 عاماً) بعد أن تركها خطيبها بسبب ضغط أخواته البنات عليه، خوفاً من إصابتها بالمرض.

ينتمي خطيبها إلى محافظة الأقصر جنوب مصر، وبعد أن تمت الخطبة ظهر مرض والدتها، تقول: "في الأول كان بجواري، وداعماً لي حتى  تعافت والدتي، ثم طلب مني أن أجري كشفاً مبكراً، ولم أرفض ذلك، ظننت أن طلبه خوفاً على صحتي، ولكن الحقيقة أنه كان يبحث عن سبب قوي لفسخ الخطوبة".

تتابع بأنه بعد فترة من الغياب، أخبرها بأنه مجبور على فسخ الخطبة لأن العامل الوراثي للمرض سيظهر بعد الزواج فيها، "تركته فوراً، ولم أحزن، ولكني تعجبت وأنا أرى حولي الكثيرات، يحملن أزواجهن الرجال المرضى سنوات دون كلل أو ملل، فلماذا لا يحدث العكس إن حدث ومرضت المرأة؟".

"حوالي 10٪ من حالات سرطان الثدي ناتجة عن عوامل وراثية معروفة، فهو والقولون من أكثر الأمراض الوراثية في الأورام"، يوضح الدكتور خالد رزق، أستاذ ورئيس قسم جراحة الأورام.

وطبقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن هناك 125 ألف حالة جديدة مصابة بسرطان الثدي سنوياً، وهو أكثر أنواع الأورام شيوعاً في مصر، في حين أن ثلثي حالات الإصابة بسرطان الثدي بمصر تأتي من محافظات الصعيد.

بالنسبة إلى آيات، تعدت الإساءة فسخ الخطبة، فعائلة والدها منذ وفاة الأم يتجنبون الحديث معها، ويمنعونها من الكلام عادة قائلين: "لا نريد التجريح فيك، ولكن اعلمي بأنه لديك عامل وراثي قوي للإصابة بالسرطان، والناس تخاف من المرض".

زواج الأقارب والسرطان

عرف آخر في الزواج ضمن بعض مجتمعات الصعيد أشد خطورة، توضحه الدكتورة شهيرة توفيق، طبيبة نسائية، قائلة: "العامل الوراثي للمرض يظهر بنسبة أكبر في زواج الأقارب، وهو النوع الأكثر شيوعاً في الصعيد، وأثبتت الدراسات أن صلة القرابة من الدرجة الأولى تسمح للجينات أن تنتقل من الجدود إلى الأبناء، لنجد ما بين 8 إلى 10 أفراد في العائلة الواحدة مصابة بنفس المرض"، منوهة أنه بجانب السرطان "توجد أمراض وراثية أخرى كالسكر، وأمراض القلب الوراثية بنسبة 90%".

تنصح توفيق النساء بالبعد عن زواج الأقارب، والعمل على تقوية المناعة، والكشف الدوري، والذي يسمح بتخطي أي مرض قد تصاب به الفتيات في حالة الاكتشاف مبكراً.

وتوضح الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن فكرة زواج الأقارب تتم طمعاً في الإرث، وخوفاً من ضياع حصة الفتاة في الأرض، وهو ما يتسبب بانتشار الأمراض، ويخلق أجيالاً مشوهة بالكامل، وعليه أصبح الخوف معمماً من الفتاة التي تنتمي لعائلة ذات تاريخ مرضي.

تشير نصير إلى ضرورة التوعية في المساجد للشباب وزيادة الندوات الثقافية، لتغيير الفكر الوراثي الخاطئ عن مفهوم الزواج لدى عائلات صعيدية.

"فكرة زواج الأقارب في الصعيد تتم طمعاً في الإرث، وخوفاً من ضياع حصة الفتاة في الأرض، وهو ما يتسبب بانتشار الأمراض، ويخلق أجيالاً مشوهة بالكامل، وأصبح الخوف معمماً من الفتاة التي تنتمي لعائلة ذات تاريخ مرضي"

احتمالية توريث مرض السرطان للفتاة، يشكل هاجساً كبيراً لدى بعض العائلات في محافظات صعيد مصر، والتي ترفض أن تزوج ابنها لفتاة لديها تاريخ مرضي بشكل عام.

توضح عزيزة أحمد، مدير إدارة بمديرية التربية والتعليم بمحافظة المنيا، ما يتبادر في ذهن العائلات من فكرة العامل الوراثي للمرض لدى الفتيات، بأنهم يعتقدون أنها "ستصاب بالمرض، وسيأخذ العلاج الكيماوي من شكلها وصحتها، ويصرف الزوج الكثير".

ويتفق معها الدكتور محمد حسن، اسم مستعار، أستاذ مساعد بجامعة أسيوط، موضحاً لرصيف22 أن أغلب الشباب بالصعيد يبحثون عن مواصفات محددة بالفتاة، وعند علمهم بفكرة احتمالية مرضها للأسف سيصرفون النظر، معللًا "أن إصابتها بالمرض تحتاج إلى طاقة كبيرة من التحمل لا تتوافر عند الجميع، فالسرطان تحديداً يحتاج إلى قدرة مالية ونفسية كبيرة".

شائعات وخوف

تقول السفيرة ميرفت التلاوي، رئيس المجلس القومي للمرأة سابقاً، إن ثقافة المجتمع المصري لا تبنى على أساس طبي أو علمي سليم، وهو ما يفسر الضغط الهائل الذي تعيشه الفتاة، التي تنصب عليها كل المَورُوثات الثقافية الخاطئة، متابعة "مهما صدر من قوانين وتشريعات مساندة للمرأة، ما زال التنفيذ يتم بشكل عقيم".

أكدت السفيرة على دور الإعلام في تغير الثقافة المجتمعية، وتناولها لقضايا صعيد مصر بشكل يساعد على القضاء على الخرافات المتوارثة، والتفسيرات الخاطئة للدين والعلم.

الخوف من مثل هذه الشائعات دفع آيات منذ 4 أشهر، حين اكتشفت ظهور فص دهني لديها، وأكدت التحاليل بأنه حميد، لإجراء عملية لإزالته، وبالفعل تمت بسرية تامة، فحددت ميعادها ليلاً، وعادت إلى منزلها فجراً، وذهبت بعد يومي الجمعة والسبت الإجازة الرسمية إلى العمل مباشرة، ولم تستطع أن تأخذ "إجازة مرضي" لأنها لم ترد أن تخبرهم، كما قالت.

متابعة: "لن يصدق أحد أنه فص دهني حميد، والكل سيتحدث عني بأني مريضة مثل أمي، وفيما بعد لن يتقدم لي أحد، من سيتزوج امرأة أصيبت بسرطان؟!"، كما تقول.

تفاصيل مؤلمة مرت بها آيات، تختم حديثها قائلة: "المؤلم حقاً ليس أمر الزواج، ولكن ضغط حديث الناس الدائم عن مرضي الذي لم أصب به".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard