فقدتُ أختي بعد معاناة مع مرض السرطان… أسئلة عن ثقافة الموت وحق الوداع

الاثنين 28 ديسمبر 202009:57 ص

فقدت في الصيف الماضي أختي. بعد معاناة مع مرض السرطان انتهت الآلام وأغمضت أختي عينيها وطارت عن عالم الجسد. يضعنا الموت أمام الكثير من الأسئلة. من الأسئلة التي شغلت بالي، هل كان بالإمكان التعامل مع المرض العضال معنوياً وحياتياً بطريقة مختلفة؟

دفعتني هذه الأسئلة إلى البحث والقراءة. من بين ما أثّر بي وثائقي أنتجته قناة WDR الألمانية عن مريضَيْ سرطان غير قابلين للشفاء. عرض الوثائقي كيف قضى كلّ منهما الوقت من حياته بعد معرفة وضعه الصحي أو بالأحرى معرفة استعصاء الشفاء ومحدودية الوقت المتبقي له في الحياة.

في ألمانيا يُعلِم الطبيب المريض عن حالته بوضوح وجلاء، يشرح ما هي الحالة وما هي فرص النجاة. بعد ذلك يكون للمريض حق اختيار اتباع العلاجات المقترحة أو تركها. الحال مختلفٌ في بلادنا، في حالة الأمراض المستعصية يتم غالباً إخفاء حقيقة الحالة عن المريض تحت إدعاء حمايته من الصدمة ويتبع المريض بروتوكلات العلاج وكأنها قدرٌ نازلٌ على رأسه ولا خيار له فيه.

في الحالتين الّلتين عرضهما الوثائقي كان المريضان في مطلع الثلاثين ولكلٍّ منهما طفلٌ في عمر السّنتين. في كلتا الحالتين يعرف المريض حالته وأن الشفاء شبه مستحيل لا بل إن الوقت المتبقي لكلٍّ منهما محدود. اختار هذان المريضان استثمار الوقت المتبقي ليتركا أثراً للطفلين اللذين سوف يتركانهما باكراً.

يضعنا الموت أمام الكثير من الأسئلة. من الأسئلة التي شغلت بالي، هل كان بالإمكان التعامل مع المرض العضال معنوياً وحياتياً بطريقة مختلفة؟

اختار الأول أن يكتب لطفلته كتاباً يعبر لها فيه عن مشاعره تجاهها وعن حياته ومن هو، وماذا أحب وما أثار اهتمامه وسعادته. لحسن الحظ تمكن هذا الأب من إنهاء كتابة الكتاب وتم إرساله لدار النشر في بلده الأصلي إيطاليا. لا يمكن وصف سعادة المريض وسعادة زوجته وأمه عندما أتت صديقتهم من دار النشر حاملةً نسخةً مطبوعة من الكتاب مع ثلاثة اقتراحات للغلاف يمكن للأب الكاتب أن يختار أحبها إلى قلبه ليكون الغلاف المعتمد للنسخة التي ستطبع وتنشر.

العائلة والرجل يعرفان أنه راحلٌ قريبآً لكنهما لا يهربان من مواجهة هذه الحقيقة المرَّة بل يصنعان منها أفضل ما يمكن. ينشر كتاب الأب المريض ويباع بأعداد كبيرة ويدعى المؤلف إلى لقاء مع الجمهور في بلده الأم.

تقول الناشرة إن مثل هذا الكتاب مهمٌ جداً لكل العائلات التي واجهت أو قد تواجه تجربةً مشابهة، ومهم أيضاً للعامة بشكلٍ عام لفهم بعض مشاعر وأفكار الرّاحلين عن هذا العالم بهذه الطريقة.

هل من الحكمة إيهام المريض بإمكانية الشفاء إذا لم تكن هذه الإمكانية واقعيةً؟

رغم وهن الجسد الرازح تحت تطور المرض العضال تشكل تجربة الرحلة الأخيرة إلى الوطن وزيارة بيت العائلة ومن ثم القراءة لجمهور من القراء الذين جاءوا حاملين فيضاً من الحب والتقدير سعادةً غامرةً لهذا الأب الكاتب. بعد أيام قليلة يعود إلى ألمانيا مع زوجته ليغمض عينيه إلى الأبد تاركاً لطفلته كتاباً وتسع عشرة بطاقة عيد ميلاد ستفتحها الواحدة تلو الأخرى في أعياد ميلادها حتى تغدو شابةً في العشرين.

في الحالة الثانية التي عرضها الوثائقي، تختار الأم أن تسجل كتاباً صوتياً لطفلتها الصغيرة. تزور الأم المريضة سيدةً أطلقت مشروعاً لمنح الأشخاص المصابين بأمراض مستعصية فرصة تسجيل كتاب صوتي يتركونه أثراً لأحبائهم بعد الرحيل. للسيدة خبرةٌ في التعامل مع اللحظات الحساسة التي تمر بالمريض أثناء التّسجيل. فمثلاً في إحدى الجلسات تنهار الأم المريضة باكية وتعجز عن إكمال ما تريد قوله، تقوم السيدة باصطحابها في نزهة إلى الغابة القريبة حتى تهدأ ثم تعودان إلى جلسة التسجيل.

في النهاية تسجّل الأم ست ساعات ونصف الساعة لصغيرتها، تحدثها عن كل ما تريد أن تخبرها فيه عن نفسها وحياتها ومشاعرها. يلاحظ المشاهد عمق الراحة والطمأنينة على وجهها بعد أن أتمّت تسجيل الكتاب الصوتي لصغيرتها. بعد مغادرتها ستجد طفلتها أثراً منها تعود إليه كلّما أرادت.

بالإضافة إلى حالة أختي التي رحلت من دون أن تعرف بوضوح ما كانت الحالة التي عانتها وما هي نجاعة العلاجات الكيماوية والإشعاعية، ذكّرني الوثائقي بصديقةٍ رحلت في أواخر عام 2016 بعد معاناةٍ مع إصابة مستعصية بمرض السرطان تاركةً طفلين صغيرين دون الخامسة، تذكرت ما قاله لي زوجها إنها في رحلتها الأخيرة إلى المستشفى عبّرت له عن رغبتها بتسجيل رسالةٍ صوتية للأولاد تبقى لهم في حال لم تستطع رؤيتهم مرةً أخرى. وهو بحسن نيةٍ ثناها عن تحقيق رغبتها قائلاً لها إنها يجب أن تبقى إيجابيةً ومتمسكةً بأمل الشفاء.

مشاهدة هذا الوثائقي جعلتني مباشرةً أعقد مقارنةً بين كيفية تعامل العائلة والمجتمع في بلادنا في حالات الأمراض المستعصية مع المريض وحالته وبين ما رأيته في الوثائقي.

في الوثائقي مجتمعٌ يتعامل مع المرض المستعصي والموت بنضج ووعي يمنحان المريض فرصةً لا تقدر بثمن للتحضر للرحيل والوداع. أمّا مجتمعنا فيتعامل مع نفس الموقف بضبابيةٍ وبإنكار وتمسّكٍ غير ناضج بآمال قد تكون في بعض الحالات أقرب للأوهام.

هذه الضبابية تحرم المريض من حقه في تمضية الوقت المتاح له بالطريقة التي يحب ومع من يحب.

من حق المريض أن يختار ما إذا كان يودُّ فعلاً أن ينفق وقته المتاح وماله في علاجات مؤلمة وغير ناجعة أم يفضّل إنفاق موارده هذه من وقت ومال بطريقةٍ أخرى

الآن أسأل هل من الحكمة يا ترى التّمسك بأمل غير واقعي؟ هل من الحكمة إيهام المريض بإمكانية الشفاء إذا لم تكن هذه الإمكانية واقعيةً؟ هل من الحق إخفاء حقيقة الحالة عن المريض تحت ذريعة حمايته من الصدمة؟ أليس من حق كل إنسان أن يعرف ما هو حال جسده قبل أن تعرف العائلة والجيران والأقارب جميعاً؟ هل سيرحل المريض براحةٍ وطمأنينة أكبر لو أنه كان على معرفةٍ بقرب الرحيل وتحضر له معنوياً ولو أتيحت له فرصةٌ لوداع الأحبة قبل الرحيل بالكلمات والطريقة التي يختار ويحب؟

برأيي لا يزال مجتمعنا رغم كثرة الموت فيه يتعامل معه بطريقة تفتقر إلى النضج.

من واجب مجتمعنا العمل على تغيير موقفه وطريقة تعامله مع المرض العضال، ليتحوّل من الإخفاء والإنكار إلى الشفافية والوضوح ليعود للمريض حق الوداع وحق التهيؤ المعنوي للرحيل.

من حق المريض أن يختار ما إذا كان يودُّ فعلاً أن ينفق وقته المتاح وماله في علاجات مؤلمة وغير ناجعة أم يفضّل إنفاق موارده هذه من وقت ومال بطريقةٍ أخرى.

المعرفة حق والوداع حق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard