"مستحيل أوافق على فعل زي ده"... كيف ينظر مصريون/ ات إلى زواج المحلل الشرعي؟

الثلاثاء 12 أكتوبر 202104:03 م

تطلقت كاملة .ز. عام 2016، وتعيش اليوم في القاهرة مع ولديها، وتعمل موظفة في إحدى الجهات الحكومية.

تثير فكرة "المحلل الشرعي" للزواج، التي أخذت حيزاً من النقاش في الأيام الأخيرة على مواقع التواصل المصرية والعربية، سخرية كاملة، وانزعاجها أيضاً. تقول إنها ضد هذه الفكرة تماماً، حتى وإن كانت في يوم من الأيام الحل الوحيد أمامها، لإعادة تكوين أسرة مع زوجها السابق.

"كيف يمكن أن أشعر بأن زوجي الذي طلقني ثلاث مرات، مستنفداً احتمالات عودتنا معاً كلها، بكل تهور، قادر على أن يكون مسؤولاً عن أسرة كاملة؟ هو في الأحوال كلها متهور في كل شيء في حياته"، تقول، وتضيف أن "الرجال غير المسؤولين، سواء داخل مصر أو خارجها، لا يستحقون من المرأة أن تخطو خطوة الزواج من المحلل الشرعي، كي تعود المياه إلى مجاريها".

وترى السيدة أن المحلل الشرعي ما هو إلا أكذوبة للتحايل على الدين، "والسيدة التي تقبل موقف المحلل على نفسها، وأن تتزوج زواجاً كامل الأركان، لكن بشكل مؤقت، تحتاج إلى إعادة النظر في مفاهيمها للحياة. أن تكسب المرأة نفسها، أفضل من أن تكسب رجلاً استغنى عنها ثلاث مرات".

"زوج تحت الطلب"

هو رأي من آراء كثيرة استطلعها رصيف22، في الأيام الفائتة، عقب الجدل التي أثير في مصر، مع استضافة حلقة من البرنامج الحواري التلفزيوني "يحدث في مصر"، رجلاً يُدعى "محمد ملاح"، تزوج ثلاثاً وثلاثين سيدةً خلال عام، بالطريقة التي تُعرف باسم "زواج المحلل".

وهذا الزواج، يحدث بين رجل وامرأة طلّقها زوجها السابق ثلاث مرات متتالية، وهي بذلك لا تتمكن من الرجوع إليه، إلا بعد الزواج من رجل آخر، وذلك وفق المذهب السني في الدين الإسلامي. وقال ملاح في الحلقة المذكورة، إنه قرر أن يعمل محللاً شرعياً للنساء القريبات منه، أو الشخصيات التي يعرفها جيداً، فيتزوج زواجاً شرعياً مكتمل الأركان، و"يدخل" بالزوجة الجديدة، ثم يطلّقها متيحاً لها العودة إلى زوجها السابق، مؤكداً أنه يقوم بالأمر من دون مقابل، و"لوجه الله".

ومع حديث البعض بأن هذا اللقاء ذكّرهم بفيلم "زوج تحت الطلب"، المنتَج عام 1985، لعادل إمام، وليلى علوي، وفؤاد المهندس، ما كان لهذه الحادثة أن تمر من دون جدل عاصف، حول شرعية هذا النوع من الزواج، وقانونيته، بل وتتحول إلى قضية رأي عام، حتى أن أحد أعضاء مجلس النواب المصري تقدم ببلاغ للنائب العام ضد محمد ملاح، الذي يعمل على هدم قيم المجتمع، حسب وصف كثيرين.

هل يقود الحب إلى المحلل الشرعي؟

تعيش وفاء (37 عاماً)، في القاهرة، مع ولديها، وتعمل في مجال التدريس الجامعي، وقد انفصلت عن زوجها قبل عام. لم تقرر بعد الرجوع إليه من عدمه، ولكنها تقول إنه منذ أن أثيرت قضية المحلل الشرعي على مواقع التواصل، وهي تسأل نفسها كل يوم: "هل يمكن أن أقبل بهذه الطريقة حتى أعود إلى زوجي السابق؟".

تجيب وفاء عن سؤالها هذا، قائلةً إنه لو أتيحت لها الفرصة بالرجوع إلى زوجها، ولها منه ولدان، ولم تجد طريقاً غير المحلل الشرعي، فسوف تسلكه: "لو أنا بحبّه أوي، وحاسة إنه اتسرّع وندمان، هوافق".

"كيف يمكن أن أشعر بأن زوجي الذي طلقني ثلاث مرات بكل تهور، قادر على أن يكون مسؤولاً عن أسرة كاملة؟"

أضافت السيدة التي فضلت الحديث لرصيف22، باسمها الأول فحسب، أنها متزوجة منذ 15 عاماً، ولديها طفلان، وحدث الانفصال وفق رأيها، نتيجة "ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة"، وتابعت بأنها متأكدة من أن "السيدات اللواتي يوافقن على موضوع المحلل، حتى وإن كان حراماً شرعاً، فإن الحب والحفاظ على الأسرة هو ما يقودهن إلى الموافقة عليه، للنجاة من وصمة الطلاق التي تلاحق نساء كثيرات في مصر"، من دون أن ترى في الأمر انتهاكاً لأي من حقوقها، بل مجرد فعل يتيح إعادة بناء الأسرة من جديد.

"الطلاق ثلاث مرات يعني أن الحياة بيننا مستحيلة"

يقول مصطفى س.، وهو يبلغ من العمر 34 عاماً، ويعيش في القاهرة، إنه إذا طلّق زوجته ثلاث مرات، فهذا يعني أن الحياة بينهما مستحيلة، مضيفاً في حديثه لرصيف22: "إزاي أوافق على فعل زي ده؟ إن مراتي تتجوز راجل تاني، وأرجع أتجوزها؟ مستحيل".

يرى مصطفى أن الطلاق الثالث تحديداً، لا يقع كزلة لسان، أو بسبب استفزاز أو تهور، لكنه لا بد وأن يحدث بعد أن تصل الخلافات بين الزوجين إلى حد غير قابل للإصلاح. "إذا حدث الطلاق ثلاث مرات، فالزوجان يعلمان بأنه لا رجوع بعد ذلك، ولا أعتقد بأن معظم الأزواج في مصر يمكن أن يقبلوا باللجوء إلى المحلل الشرعي، حتى لو كانوا بالفعل يرغبون في العودة إلى حياتهم الأسرية".

يتفق معه في الرأي سيد ط. وهو من محافظة سوهاج، ويقول لرصيف22، إنه يرفض موضوع المحلل الشرعي رفضاً تاماً. "الزواج من المحلل زنا واضح، لأن للزواج شروط أساسها الإشهار، ويحكمه مبدأ الاستمرارية، لا أن يكون مجرد عقد مؤقت".

ولدى الرجل الأربعيني قناعة راسخة بأن الزوج إذا طلّق زوجته ثلاث مرات، عليه أن ينسى فكرة رجوعهما معاً بشكل تام، "فكيف له أن يرضى بهذا الرجوع المشروط بأن تتزوج هي من رجل آخر، وتقيم معه علاقة كاملة؟".

الطلاق الثالث تحديداً، لا يقع كزلة لسان، أو بسبب استفزاز أو تهور، لكنه لا بد وأن يحدث بعد أن تصل الخلافات بين الزوجين إلى حد غير قابل للإصلاح. إذا حدث، فالزوجان يعلمان بأنه لا رجوع بعد ذلك، ولا أعتقد بأن معظم الأزواج يمكن أن يقبلوا باللجوء إلى المحلل الشرعي

"إجراء قانوني وليس شرعياً"

عقب الجدل الذي أثير حول فكرة زواج المحلل، أصدرت دار الإفتاء المصرية بياناً صحافياً تقول فيه إن زواج "المطلقة ثلاثاً، لكي تحل للزوج الأول، وهو ما يُعْرَف بالزواج بشرط التحليل، حرام شرعاً باتفاق الفقهاء".

يقول أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، عبد الوارث عثمان، إنه لا يوجد شيء في الإسلام يُسمّى "المحلل الشرعي"، وأضاف أن هذا المحلل نتج قانونياً نتيجة تطليق الزوج لزوجته ثلاث مرات، ولا تحل له بعدها حتى تتزوج رجلاً غيره، مؤكداً أنه إجراء قانوني، وليس شرعياً، وهو لا يجوز من الأساس. "يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلِّل، والمحلَّل له".

ويشير عثمان في حديث لرصيف22، إلى أن عدم الزواج، أو الرجوع إلى الزوجة بعد طلاقها ثلاث مرات، جاء تأديباً للرجل الذي يتهاون في تكوين منزل أسري مستقر، مؤكداً أن الحياة الزوجية المستقرة السليمة شيء لا يُعوَّض.

ويرى المتحدث أن الحل الوحيد في هذه الحالة، هو أن يتابع الرجل والمرأة حياتهما بعيداً عن بعضهما، وقد تتزوج المرأة مرة أخرى، لكن ليس بنية التحليل الشرعي، "وإذا كان لها نصيب، تكمل في زواجها الجديد، أما لو تطلقت من زوجها الثاني، فيحق لها حينها الرجوع إلى زوجها الأول". ووصف الرجال الذين يعملون "محللين شرعيين"، ويتخذون الأمر مهنة، بأنهم "ينتهكون الحرمات".

وضمن السياق نفسه، يحذر المحامي أيمن محفوظ، في حديثه لرصيف22، من "تجارة المحلل الشرعي" التي بدأت فعلاً بالانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يعرض رجال خدمة زواج المحلل، لقاء مقابل مادي، وتلجأ سيدات إلى الأمر معتقدات بأنهن تحافظن بذلك على أسرهن، إلا أن الأمر لا يعدو كونه "اتّجاراً بالبشر".

"عودة أي زوجين إلى بعضهما، بعد الطلاق ثلاث مرات، وزواج المحلل، ستكون محكومة بالفشل"

أما عن قانونية هذا الزواج، فيقول المحامي إن الشرع والقانون، من حيث المبدأ، لا ينظران إلا لتوافر الشروط الشكلية والشرعية لعقد الزواج، وطالما ليس هناك اعتراف، أو دليل يقيني على أنه "محلل"، فيُعدّ قانونياً، إلا إذا وُجد دليل يقيني على أن هناك مخالفة صريحة للعقد.

ويتابع بأن الذي أدلى به المحلل على التلفزيون، يقلب الأمر برمّته، ويضع المتفقين على زواج المحلل، ضمن خانة "المزوّرين"، لأنهم سجلوا واقعة مزيفة في شكل واقعة حقيقية، ويمكن لأي صاحب مصلحة أن يرفع دعوى قضائية لإبطال هذا الزواج شرعاً وقانوناً. "الزواج قانوني طالما ليس هناك اعتراف، أو دليل يقيني على أنه محلل، أما إذا اعترف الشخص بنيته بذلك، فهو جريمة، ولا بد من إيقاع أقصى العقوبات على من يمتهن مهنة المحلل الشرعي"، يضيف موضحاً.

"رخصة قيادة أسرية"

"إذا حدث الطلاق ثلاث مرات متتالية، فهذا يعني أن الذي بين الزوجين مكسور تماماً، ويستحيل أن تعود الحياة بينهما إلى شكلها الطبيعي مرة أخرى". بهذه الكلمات بدأت استشارية العلاقات الأسرية، الدكتورة آمال إبراهيم، حديثها مع رصيف22، قائلةً إن الزواج المشروط، خاصةً المشروط بتوقيت، والزواج من أجل الطلاق، حرام شرعاً.

وأشارت إبراهيم إلى أن السيدات اللواتي يلجأن إلى المحلل الشرعي، يعيشن أسوء أيام حياتهن، لأنهن غير واعيات بصحيح الدين، وتأثير الأمر عليهن، وعلى أولادهن، سيكون سيئاً للغاية.

وتعمل الاستشارية، بالتزامن مع الجدل الأخير، وأيضاً ارتفاع نسب الطلاق في مصر، لإطلاق مبادرة بعنوان "رخصة القيادة الأسرية"، بالتعاون مع وزارة التضامن المصرية، لوضع شرط في عقد الزواج يتمثل في حصول الزوج والزوجة على "رخصة قيادة أسرية"، للتأكد من قدرتهما فعلاً على إدارة الحياة الأسرية، والخلافات بينهما. "مثلها مثل رخصة القيادة، إذ لا يمكن لأحد أن يعقد زواجه/ ا، من دون أن يكون فعلاً مؤهلاً لتحمل المسؤوليات الزوجية كلها".

وترى الخبيرة التربوية في العلاقات الأسرية أميرة الفيشاوي، أن عودة أي زوجين إلى بعضهما، بعد الطلاق ثلاث مرات، وزواج المحلل، ستكون محكومة بالفشل، لأن أي علاقة زوجية ناجحة لا بد وأن تكون مبنية على توافق نفسي، وعاطفي، واجتماعي.

الشرع والقانون، من حيث المبدأ، لا ينظران إلا لتوافر الشروط الشكلية والشرعية لعقد الزواج، وطالما ليس هناك اعتراف، أو دليل يقيني على أنه "محلل"، فيُعدّ قانونياً، إلا إذا وُجد دليل يقيني على أن هناك مخالفة صريحة للعقد

وتضيف الفيشاوي في لقاء لها مع رصيف22، حول ضرورة التجديد في الحياة الزوجية، لئلا تصل إلى هذا المصير المتأزم: "تفكير الإنسان وشخصيته يتغيران كل خمس سنوات، فأنا وزوجي قبل عشر سنوات مختلفان عما نحن عليه اليوم. وما يبحث عنه الأزواج في العلاقة، والطرف الآخر، يتغير يوماً بعد يوم، فلا بد من تطوير المشاعر والشخصية لدى الطرفين، وبشكل مستمر لتبقى العلاقة ناجحة".

وترى الخبيرة أن الزواج لو وصل إلى أن ينتهي بالطلاق ثلاث مرات، فهذا يعني أن الحياة باتت مستحيلة، ومن الأفضل أن يفترق الزوجان باحترام، "فالله حلل الطلاق بالمعروف، فيأخذ كل ذي حق حقه، وتنتهي الزيجة من دون محاكم، أو مشاجرات".

وتنوّه في ختام حديثها بخطورة انتشار الجريمة الأسرية في مصر مؤخراً، مع تكرار حوادث القتل، والعنف الأسري، "وأحد أهم أسبابهما هو إجبار الزوجين على الحياة معاً، سواء نتيجة الظروف الاقتصادية، أو بغرض الحفاظ على الأطفال، وهذا خطأ كبير. إذا وصلت الزيجة بأحد الأشخاص إلى التفكير في القتل، أو الانتحار، فعليه التخلص منها، وسلوك طريق الطلاق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard