مجتبى خامنئي... هل يطيل

مجتبى خامنئي... هل يطيل "الأكثر تشدداً من أبيه" أمد الحرب؟

سياسة نحن والتطرف نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 9 مارس 20269 دقائق للقراءة

لم يكن انتخاب مجتبى خامنئي من مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية مرشداً أعلى لإيران في أعقاب اغتيال والده سهلاً، نظراً إلى صعوبة اجتماع المجلس المذكور، ومحاولة قصف موقع الاجتماع الأخير مسبقاً في ضربة إسرائيلية.

في أعقاب اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي، في 28 شباط/ فبراير 2026 ظهر اسم مجتبى على أنه المرشح الأقوى في وقت تتصاعد فيه الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وبرزت تحليلات حول تأثيره على الحرب والصراع في وقت وصفته بعض الصحف الإسرائيلية بأنه "أكثر تشدداً من أبيه". فمن هو؟ وبمَ يختلف عن والده؟ وهل سيغير وجوده من طبيعة الحرب؟

ترامب ونتنياهو حذرا منه

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن اسمه، علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن اختيار مجتبى "غير مقبول" وأن قرار إنهاء الحرب مع إيران يجب أن يكون مشتركاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في إشارة إلى استمرار تنسيق السياسات بين القوتين رغم اختلافاتهما المحتملة في بعض الجبهات.

وكان ترامب قد دعا سابقاً - قبيل إعلان الاسم - إلى ضرورة أن يحصل أي مرشد جديد على "موافقة واشنطن"، مما يعكس التصور الأمريكي لإعادة تشكيل النظام الإيراني من الأعلى أو على الأقل التأثير في خياراته الأساسية والشأن الداخلي الإيراني.

يرى مراقبون أن انتخاب مجتبى خامنئي مثّل انتصاراً للتيار المحافظ داخل النظام، وكرّس استمرارية النهج المتشدد في الحكم، رغم الجدل حول انتقال المنصب من الأب إلى الابن في نظام قامت ثورته أساساً على رفض الوراثة

بينما جاءت ردود الفعل الإسرائيلية غاضبة، واصفة الحدث بالتحدي، وهدد رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا، باغتياله حيث نشر صورة على منصة إكس يظهر فيها المرشد الراحل علي خامنئي إلى جانب قادة من حركة حماس و"حزب الله" اغتالتهم إسرائيل، وعلّق بالقول "من يسلك طريقهم سيسلك مصيرهم".

الانتخاب الذي جاء بأغلبية أعضاء مجلس خبراء القيادة أثار في الوقت نفسه سجالات حول طبيعته ورمزيته، ليس فقط خارجياً، بل داخلياً أيضاً، نقرأ في تحليل لصحيفة "الغارديان" البريطانية: "يشكّل انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران، خلفاً لوالده المغتال، انتصاراً رمزياً وفعلياً لاستمرارية التيار المحافظ في وقت يواجه فيه النظام تحديات غير مسبوقة. كما يثير هذا الانتخاب تساؤلات حول مدى توافق مبدأ الوراثة مع الإيديولوجية الثورية التي تأسست عام 1979، والتي لم تتصور أبدًا أن يُنقل منصب المرشد الأعلى من الأب إلى الابن".

وتصف الصحيفة هذا الانتخاب بأنه هزيمة أخرى للإصلاحيين الذين جادلوا بأن ظروف الحرب كانت تستدعي تأجيل القرار على الأقل حتى عقد اجتماع كامل لمجلس الخبراء.

وكان حسن روحاني، الرئيس الإصلاحي السابق، قد تساءل عما إذا كان الانتخاب من المجلس يمثل تشتيتًا في وقت كان من الضروري فيه الحفاظ على الوحدة الوطنية. وقال إن أي إعلان "يجب أن يأتي في وقت مناسب لا يضر بتركيز الجمهور على الدفاع المقدس" لكن أنصار خامنئي جادلوا بأن المجلس لا يحتاج إلى الاجتماع شخصياً للتصويت، نظرًا إلى التهديدات التي قد تواجه مثل هذا الاجتماع. وبدلاً من ذلك، يمكن للأمانة الإعلان ببساطة عن الوصول إلى توافق.

ويشير محلل الشؤون الإيرانية في الصحيفة، باتريك وينتر، إلى وجود قوى داخل إيران تعتقد أن تسليم السلطة خلال الحرب لشخص حديث العهد سيؤدي إلى اضطراب. وكانت هذه القوى ترى أن جهود الدفاع يجب أن تُترك لقيادة القوات المسلحة ولعلي لاريجاني، الأمين المخضرم للمجلس الأعلى للأمن القومي. يقول: "خامنئي، الذي كان نائب رئيس الأركان لوالده المغتال، كان على دراية دقيقة بالعمل الداخلي لمكتب المرشد الأعلى، ويُقدَّم اليوم كنسخة متجددة منه".

وكانت إيران يديرها مؤقتًا مجلس ثلاثي القيادة يشمل الرئيس مسعود بيزشيكيان. وفي يوم السبت، حاول بيزشيكيان إعادة ضبط العلاقات مع دول الخليج بطريقة فاشلة عبر الاعتذار لهم عن الهجمات الإيرانية على أراضيهم، وأعلن أنه تم الاتفاق على وقف الضربات إذا لم تسمح دول الخليج بتنفيذ هجمات على إيران من أراضيها.

اعتراضات داخلية على "الجمهورية الوراثية"!

في ورقة موقف حول تعيين مجتبى خامنئي، نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات: "غالباً ما نُظر إلى مجتبى خامنئي كرجل المهام السرية، ورغم أنه لم يتولَّ أي منصب رسمي في الدولة، إلا أنه مارس نفوذاً خفياً وطاغياً في شؤون الحكم لفترة طويلة. هذا النفوذ استمد قوته من إدارته المباشرة لـ 'بيت الرهبري'، حيث كان حلقة الوصل بين والده وبين المؤسسات الأمنية الضاربة في عام 2019".

يرى البعض أن خامنئي الابن سوف يعزز نفوذ الحرس الثوري، وأن القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالحرب والسلام ستصبح أكثر ارتباطاً بالمؤسسة العسكرية.

وأيضاً: "تشير البيانات الاستخباراتية إلى أن خامنئي الابن عمل بشكل وثيق مع قيادات 'فيلق القدس' و'قوات الباسيج'، وهي الأذرع المسؤولة عن قمع الانتفاضات الشعبية في الداخل وتنسيق العمليات الخارجية مع الجماعات المسلحة الإقليمية. إن صعوده اليوم يكرس تحول السلطة من 'الفقيه الديني' التقليدي إلى 'الفقيه الأمني' المرتبط عضوياً بالمؤسسة العسكرية".

وبحسب الورقة قد يُثير صعود خامنئي جدلاً واسعاً ونزاعات عميقة داخل إيران نفسها. فخبراء الشؤون الإيرانية قللوا لسنوات من احتمالية اختياره، استناداً إلى المبادئ الأساسية المناهضة للملكية في الثورة الإسلامية. وتوقعوا أن يرفض أنصار النظام 'الخُلص' أي شكل من أشكال الانتقال الملكي للسلطة، لكونه يضرب في صميم شرعية الثورة التي أطاحت بنظام الشاه الوراثي. ومع ذلك، هناك وجهة نظر تحليلية يتبناها بهنام بن طالبلو، كبير محللي إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تشير إلى وجود حجة مفادها أن السلطة في الفكر الشيعي تتسم بصبغة 'أبوية'، مما يوفر غطاءً شرعياً لمجتبى من المؤيدين الذين يتوقون لرؤية خط زعيمهم الراحل يسود في مواجهة التهديدات الخارجية. لكن هذا 'الدعم الأبوي' قد لا يصمد طويلاً أمام ردود الفعل العنيفة المتوقعة من داخل نظام يواجه أصلاً تهديدات وجودية وضغوطاً اقتصادية خانقة.

وفي تحليل آخر نشرته "رويترز"، فإن انتخاب مجتبى يرسّخ هيمنة التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، ويُنظر إليه على أنه رد فعل مباشر على الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الساعية لتقويض أو تغيير النظام.

ويُذكر أن مجتبى من العناصر المقربة من الحرس الثوري، كما أنه متهم بدعم قمع الاحتجاجات وإحكام السيطرة على أجهزة الدولة.

تحليلات أخرى ربطت بين خلفية مجتبى وخياراته السياسية المحتملة في سياق الحرب. فأشارت صحيفة الـ"تايم" إلى أنه عُرف بكونه شخصية نافذة خلف الكواليس منذ سنوات طويلة، بالرغم من عدم شغله منصباً رسمياً علنياً قبل توليه منصب المرشد. وقد لعب دوراً مؤثراً في صعود بعض الشخصيات السياسية المحافظة في إيران، ويرجع ذلك في جزء منه إلى علاقاته المتينة مع الحرس الثوري. كما يشير التحليل إلى أن فقدانه لبعض أفراد عائلته في الضربات الأخيرة على طهران يعزز احتمالات تبنيه موقفاً حاداً واستعداده لنهج أكثر تصعيداً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

انتخابه رسالة تحدّ

"الخطورة في شخصية مجتبى لا تكمن فقط في ميله إلى التشدد، بل في الرسالة التي يبعثها انتخابه: أنه يمثل استمراراً لنهج المقاومة والمواجهة، وأن النظام الإيراني لا يزال ملتزماً بسياساته التقليدية الرافضة للتسوية أو التراجع". هذا على الأقل ما تراه "وول ستريت جورنال" في مقالها التحليلي، حيث وصف كتاب المقال انتقاله كقائد بأنه "يشكل رمزاً لاستمرار إيران في نهجها الثوري رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة".

بحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، يعكس اختيار مجتبى تحولاً في طبيعة السلطة داخل إيران من نموذج "الفقيه الديني" التقليدي إلى "الفقيه الأمني"، ما قد يكرس الطابع العسكري في إدارة السياسة الداخلية والخارجية

وفي المجمل، لا تختلف قراءة المشهد في كون انتخاب مجتبى يعكس توسعاً في سلطة الحرس الثوري داخل النظام الإيراني، لدرجة أن هذا الجهاز لم يعد مجرد جزء من منظومة الأمن ومؤسسة عسكرية، بل أحد الأعمدة الأساسية في اتخاذ القرار السياسي الإستراتيجي والصراع الإقليمي. ما يعني أن قرارات الحرب أو السلام قد لا تكون بيد الزعماء الدينيين فحسب، بل في جوهرها مرتبط بموقف الحرس الثوري.

فوجود شخصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس في أعلى منصب في الدولة سيُسهم في زيادة تشدد السياسة الخارجية الإيرانية، مما قد ينسحب بشكل بدهي على ملفات دعم وكلاء إيران في المنطقة مثل "حزب الله" في لبنان، القوات الموالية في العراق، أو الفصائل المقاتلة في سوريا واليمن، وجميعها يُنظر إليها كمكونات أساسية في إستراتيجية إيران للتأثير الإقليمي.

في هذا السياق، تشير تقديرات استخبارية أمريكية صادرة عن مجلس الاستخبارات الوطني (NIC) إلى أنه "حتى هجوم واسع النطاق من الولايات المتحدة وإسرائيل لن يكون كافياً للإطاحة بالنظام الإيراني بالكامل أو تغيير خلفيته الأيديولوجية". وإن سيناريو انهيار النظام أو حدوث انتفاضة شعبية كبرى لم يعد معتمداً لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية، لأن المعارضة الداخلية الإيرانية مشتتة وغير منظمة بشكل يسمح لها بتولي السلطة في مواجهة الهيكل الأمني القائم، وأن أي هجوم جوي أو عسكري لن يتسبب تلقائيًا في فراغ سياسي يمكن أن يكون موضع تنافس داخلي على السلطة.

أما في ما يخص مجتبى، المرشد الجديد، فقد أشار التقرير إلى أن التركيز الأمريكي فقط على القيادة العليا ينسى قوة الشبكات الأمنية الإيرانية داخل الحرس الثوري والسلطات الدينية، وأن مسؤولية الانتقال السياسي كانت دوماً محفوظة لمجلس الخبراء، الذي نجح في تعيين مجتبى خامنئي بسرعة بعد اغتيال والده، مما يدل على جهوزية النظام للاستمرار حتى في أوقات الأزمات.

الأخذ بهذا التقدير الاستخباراتي يُبرر توقعات المحللين الغربيين بأن إعادة الهيكلة السياسية لن تحدث بسرعة، وأن المرحلة القادمة من الحرب قد تمتد أطول مما كان متوقعاً، مع احتمال أن يشهد الصراع بوجود المرشد الجديد تحولات في الاستراتيجية بدل الانهيار السريع للنظام الإيراني.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image