يفتون بدلاً منها... لماذا لا يثق المصريون بالمؤسسات الدينية الرسمية؟

الأحد 5 سبتمبر 202109:54 ص

يبلغ المواطن العربي الستين، فيزداد تدينه، تلقائياً. الأمر لا يتعلق غالباً بمشاعر حقيقية، قدر تعلقه بحسابات تقليدية، تفيد بأنها الفرصة الأخيرة للحوذ بحسن الخاتمة. لهذا يترك "العم فريد" (64 عاماً)، المسجد الملاصق لبيته، في حي شبرا الخيمة الشعبي، تسعة كيلومترات شمال القاهرة، وبقصد زاويةً صغيرة ينسبها مسلمو الحي إلى السلفيين.

وعلى الرغم من خلو الزاوية من أي سيطرة سلفية، إذ فرضت وزارة الأوقاف المصرية، بحزمة إجراءات في أعقاب الـ2013، سيطرتها على مساجد الجمهورية كافة، إلا أن "العم فريد"، الموظف السابق في شركة الكهرباء، والمحال على المعاش منذ أربع سنوات، يتمسك بقراره، مبرراً إياه بقوله لرصيف22: "الأمر يتعلق بالثقة، فهذا المسجد الذي شببتُ على دعائه للحكام، بدءاً من السادات وحتى اليوم، لا يمكنني الوثوق به، غير أن الزاوية ما زال يقصدها ذوو الجلابيب والسراويل القصيرة، الذين يتبسمون في وجهي، ويفتحون نقاشاتٍ فقهية".

الشرخ الواضح بين الرجل الستيني، والمسجد المقصود، يتفق مع الحديث عن اهتزاز في الثقة في العلاقة بين المصريين والمؤسسات الدينية الرسمية: الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف.

وفي خضم تقييمه لأداء دار الإفتاء في العام المنصرم، أقرّ مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام ضمنياً، خلال مشاركته مع الإعلامي حمدي رزق، في برنامج "نظرة"، المذاع على فضائية "صدى البلد"، في آب/ أغسطس 2020، بتوتر العلاقات بين الشارع والمؤسسات الدينية الرسمية في السابق، عندما قال إن ارتفاع إجمالي طلبات الفتوى الواردة للدار، مقارنةً بعام 2019، لا يدل إلا على "عودة الثقة مرة ثانية بين السائلين، وبينها".

هل عادت بالفعل؟

بضع دقائق يستغرقها المرء في مطالعة الحسابات الرسمية للمؤسسات الدينية المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، كفيلة بالتشكيك في دقة حديث المفتي عن عودة الثقة، إذ يكاد لا يخلو حساب من توجيه صاحبه/ صاحبته، دورياً، انتقاداتٍ تتجاوز موضوع الفتاوى، إلى المؤسسة نفسها.

تزداد هذه الانتقادات، كلما بادرت مؤسسة بنشر رأي ديني يخص مسألة ذات طابع جدلي في المجتمع المصري. وبفعل الصعود اللافت للجماعات الدينية، خلال حقبة السبعينيات من القرن الماضي، وما تلاها، تحولت بعض القضايا، من قبيل فوائد البنوك، والحجاب، وختان الإناث، وعيد الأم، وتهنئة الأقباط بالعيد، إلى موضع خلاف بين المؤسسات الدينية، والمواطن الذي لا يتهاون في اتهامها بالتفريط بالدين.

في السادس من شباط/ فبراير لعام 2019، وبالتزامن مع اليوم العالمي لرفض الختان، الذي تلتزم فيه دار الإفتاء المصرية بإطلاق فتوى بتحريمه، اختارت الدار الاشتباك للمرة الأولى مع مهاجميها، عبر حساباتها على "السوشال ميديا"، فخرجت الصفحة الرسمية للدار على فيسبوك، عن السياق المحدد لها، من نشر الفتاوى، إلى توصية طالبت فيها متابعيها، ممن يعترضون على فتاواها، بالكف عن ترك فتاوى موازية لها، في التعليقات، مبررةً ذلك بأن الفتوى مسؤولية، وتحتاج إلى تأهيل لا يتوافر للعامة.

لم تكتفِ دار الإفتاء بذلك، إذ واصلت جهودها لشرح فلسفة تحريم الختان للمهاجمين، وحل أمين الفتوى فيها، الدكتور أحمد ممدوح، في بث مباشر عبر الصفحة الرسمية للدار، شارحاً الدوافع الدينية للتحريم، وأنهى حديثه بكلمة للمعارضين، قائلاً لهم: "هتلاقوا حد طالعلكم من هنا، يقول إنتو بتخالفوا المذاهب المتبوعة، إنتو بتحرّموا ما حلل الله، إنتو مسيسين، الدولة موجهاكم"، متابعاً: "لا يا حبيبي، لا دولة، ولا مسيسين... دي معاني فقهية، تعالَ اجلس بين أيدي العلماء، عشان يفهّموك، وساعتها مش هتلاقي اعتراض كبير".

وعلى الرغم من نهج النقاش، الذي اتّبعته الإفتاء مع معارضيها، إلا أن الموقف تكرر بالانتقادات نفسها، عندما طرحت الدار الفتوى عينها، في اليوم العالمي لتحريم الختان، لعامي 2020 و2021.

"هذا المسجد الذي شببتُ على دعائه للحكام، بدءاً من السادات وحتى اليوم، لا يمكنني الوثوق به، غير أن الزاوية ما زال يقصدها ذوو الجلابيب والسراويل القصيرة، الذين يتبسمون في وجهي، ويفتحون نقاشاتٍ فقهية"

وإمعاناً في استمرارية اهتزاز الثقة، تعرضت الإفتاء لانتقادات عنيفة، على خلفية مشاركتها، في شباط/ فبراير 2021، في حملة تنظيم النسل التي أطلقتها الدولة المصرية، وأشركت فيها المؤسسات المعنية.

وكانت الدار قد أطلقت "هاشتاغ" "تنظيم_النسل_جائز"، للرد على الآراء الدينية التي تحرّم ترشيد الإنجاب.

جذور التوتر

نشأ المصريون على الثقة في إمام المسجد القريب من سكنهم. فـ"كان المفتي الأول لهم، والبشوش الذي يحمل تحت قفطانه الأزهري ‘حكمةً’". استمر الوضع عقوداً، "ومع صعود الإسلاميين"، والحديث لإمام مسجد زين العابدين بن علي، أحد أشهر مساجد القاهرة، الشيخ أحمد البهي، "لمسنا تراجعاً في رصيدنا، لصالح مشايخ السلفية، والإخوان، فلم نعد ذلك الإمام التقي، بل أصبحنا جميعاً علماء مسيسين، كما روّج الإسلاميون".

ويتزامن هذا الصعود، حسب ما يقول البهي لرصيف22، مع إقبال المصريين على السفر إلى الخليج، الذي أسفر عنه تشبّعهم بثقافة البلدان المقيمين فيها. ويتابع: "نتيجة لذلك، عرف المصريون ما يسمى بـ‘شركات توظيف الأموال’، التي كانت تقدّم نفسها على أنها البديل الشرعي للبنوك التي كانت توفر فوائد عدّها الإسلاميون رباً".

ويضيف إمام "زين العابدين": "دفعت المؤسسات الرسمية الدينية ثمن وقوفها في وجه الإسلاميين، في قضية الفوائد، فما أن تطرح مؤسسةٌ اليوم، أي فتوى تخص المعاملات البنكية، حتى تُشنّ ضدها هجمة شعبية مزايدة على نهجها".

ويشير كذلك إلى خطب الشيخ عبد الحميد كشك (1933 - 1996)، كسبب من أسباب تجرؤ المصريين على المؤسسات الدينية، ويشرح قائلاً: "على الرغم من أزهريته، إلا أنه عُرف بطرحه القريب من طرح الإسلاميين المزايد على العلماء الرسميين". ويلفت إلى أن "اعتماد كشك على الخطب الرنانة، والصوت العالي، بالتزامن مع المناخ الديني الذي وفّره الإسلاميون في المجتمع آنذاك، ضمنت له التأثير الكبير".



ولم يقصر البهي أسباب نجاح الإسلاميين على ذلك، بل لفت إلى دور المؤسسات الدينية نفسها، التي مالت إلى الرتابة، خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، ما حال دون وصولها إلى الشارع.

بدوره، يعود الباحث الدنماركي المتخصص في الإسلام الحديث، وأستاذ الأديان في جامعة كوبنهاغن، جاكوب سكوفغارد بيترسون، في دراسة الدكتوراه التي قدمها عام 1997، ثم أصدرها في كتاب بعنوان "إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء"، يعود إلى أبعد من السبعينيات، إذ يؤرخ لاهتزاز ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية الدينية، مع تأسيس الإخوان عام 1928، وتقديمها نفسها على أنها الجماعة التي جاءت لتصويب مسار الأمة.

وينتقل بيترسون إلى السبعينيات، ليركز على استعانة الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالإسلاميين، لمواجهة "التيارات اليسارية التي عدّها عدوَّه الأساسي"، ما أسفر عن محاولةٍ لأسلمة الدولة، سواء أكان ذلك على مستوى القوانين، بما يتناسب مع المادة الجديدة في الدستور، التي أقرت بالشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً للتشريع، أو على مستوى السياسة والمجتمع.

"لمسنا تراجعاً في رصيدنا، لصالح مشايخ السلفية، والإخوان، فلم نعد ذلك الإمام التقي، بل أصبحنا جميعاً علماء مسيسين، كما روّج الإسلاميون"

ويرى أن هذه الأجواء، خلصت جميعها إلى التشكيك في المؤسسات الدينية الرسمية، خاصةً وأن الإسلاميين، بفضل سياسات السادات، والرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، تمكنوا من الانتشار عبر تدشين المدارس، والمشافي، وشركات النقل، وغيرها. ويتابع: "استفاد الإخوان المسلمون من الانفتاح الاقتصادي والسياسي المحدود، في عهدي السادات ومبارك، في الاستجابة للشعار الإسلامي الذي يرى أن الإسلام هو الحل، ساعين للبرهنة على وجود طريقة للعمل الإسلامي في المجالات المتصورة كلها".

ويرى أن الخطاب المزايد الذي تبنته الجماعات الدينية، للهجوم على أجهزة الدولة، واتهامها بأنها غير إسلامية، والوقوف في وجه الأسلمة، هدد السلطة العلمية لعلماء الدين الرسميين، ومعهم المفتي، إذ لم تكن أمامهم خيارات؛ فإما أن يبدو المفتي مناصراً للأسلمة، بحكم منصبه الديني، وبذلك يؤيد الإسلاميين في نعتهم للنظام القائم الذي ينتمي المفتي نفسه إليه إدارياً، بأنه غير إسلامي، أو يردّ بفتوى تؤيد الدولة، وترفض مزايداتهم، فيبدو معارضاً للأسلمة. ومن هنا كانت الآراء التي روّجتها الجماعات، بأن المفتي مسيس، ومفرّط بالدين.

إمام المسجد سائق "توكتوك"... اهتزاز الهيبة

توحّد المؤسسات الرسمية الدينية خطابها الإعلامي، فثمة اتفاق على تصدير رسالة للرأي العام، مفادها أن المؤسسات الثلاث نجحت في شَغل الفراغ الذي خلفته الجماعات الدينية بعد انحسارها في 2013. ولتصديق ذلك، تتبارى في عقد المؤتمرات العلمية، والدورات التدريبية، التي تهدف، عادةً، إلى ما يُعرف بـ"تجديد الخطاب الديني"، والرقي بمستوى رجال الدين المتعاملين مع الجمهور.

الرئيس السابق لقسم السجلات في مديرية أوقاف القاهرة، عبد الناصر يونس، كان له رأي آخر، إذ يقول لرصيف22 إن أغلب المؤتمرات التي دشنتها وزارة الأوقاف، ما هي إلا صورة للقول بأن الوزارة تقوم بدورها، لكن النتيجة على أرض الواقع، صفر.

وبحكم قربه من الداخل، يرى يونس أن منظومة عمل الأوقاف، تحول دون إحداث أي من الأهداف المعلنة للمؤتمرات، إذ تظل الوزارة فاشلة في تقديم أئمة مساجد على قدر معقول من الكفاءة.

ويوضح: "نجحت الوزارة ببيروقراطيتها، في تربية الخوف في قلوب الأئمة، فلا يجرؤ إمام على الاجتهاد، حتى ضمن نطاق عمله"، مُقِراً بأن الأئمة "باتوا يصدون كل مَن يأتي لطلب رأي ديني في مشكلة، مكتفين بنصح السائل بالتوجه إلى دار الإفتاء، أو جامع الأزهر"، خوفاً من التفوه برأي قد تعترض عليه الوزارة.

ويتابع: "ليس الخوف وحده ما يجعل الإمام غير قادر على الرد"، بل إن "الراتب الهزيل للإمام، يجعله منشغلاً بالبحث عن مصادر دخل إضافية، أكثر من التفرغ للتوسع في القراءات التي تجعله مؤهلاً للرد على أسئلة السائلين".

ولشدة انسداد الأفق أمامهم، يشير يونس إلى أن بعض الأئمة لجأوا إلى العمل كسائقي توكتوك، وهي مهنة تُلحق وصماً مجتمعياً بالعاملين فيها، ويتساءل: "كيف لي أنا، كمريد مسجد، أن أحافظ على ثقتي في إمامٍ تشغله تسعيرة المشاوير، وسلامة التوكتوك".

المصري المغترب في السعودية منذ سبع سنوات، عبد الله الحفناوي، لا يشغل باله بالطبع إمام المسجد، وأداؤه، لكنه بحكم بعدِه، يقرّ بأن المؤسسات الدينية، وتحديداً الإفتاء والأوقاف، عجزتا في السنوات الأخيرة عن حفظ ما تبقى لهما من ثقة في نفوس المغتربين، على عكس ما تروّجان له.

وضرب الحفناوي (30 سنة)، لرصيف22، مثالاً على ذلك، ملفي "زواج التجربة"، و"الطلاق الشفهي"، اللذَين يزيد موقف بعض المؤسسات الدينية منهما، في تعميق الشرخ بينها، وبين المغتربين.

وكوسيلة للحد من معدلات الطلاق المرتفعة في مصر (218 ألف حالة طلاق خلال عام 2020)، شهدت الساحة المصرية مؤخراً، مقترحات تسببت في خلق جدال ديني، أحرج بعض المؤسسات الدينية الرسمية، منها "زواج التجربة" الذي طرحه محامٍ مصري في كانون الثاني/ يناير 2021، وتضمن كتابة المقبلين على الزواج عقداً مدنياً ينص على شروط الطرفين، بمدى زمني لا يُفسَخ عقد الزواج قبل مضيه. كذلك كان ملف "الطلاق الشفهي"، الذي فتحه الرئيس المصري في 2017، عندما اقترح على المؤسسات الدينية إلغاء العمل به، لتجنب حالات الطلاق غير الموثقة.

وكونها غير بعيدة عن هذه الملفات، تسببت مواقف مؤسسة الأزهر من الملفين، في إحراج بقية المؤسسات الدينية الرسمية، إذ بدت في الميزان الشعبي أنها القابضة على الدين، على عكس الإفتاء مثلاً، التي أعلنت فور طرح "زواج التجربة" عن تشكيلها لجنةً دينية للبت في الموضوع، وهو ما لم يرضِ قطاعاً من المصريين الذين رأوا أن الملف لا يستدعي تشكيل لجان، مطالبينها بالرفض الفوري، على غرار الأزهر.

كذلك تسببت الحدة التي تبناها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، في رفضه ملف "الطلاق الشفهي"، ووقوفه في وجه رئيس الجمهورية، ما دفع بالأخير للقول في احتفالية عيد الشرطة في 25 كانون الثاني/ يناير 2017، العبارة التي حظيت، بعد ذلك، بانتشار واسع: "تعبتني يا فضيلة الشيخ"، تسببت بتعامل المصريين مع شيخ الأزهر على أنه الأفضل من بين المفتين، ووزراء الأوقاف.

ويقرّ الحفناوي بتحولات تطرأ على المغتربين، وتحديداً المقيمين منهم في الخليج، نتيجة التأثر بالمجتمعات التي يقيمون فيها، عادّاً أن ذلك لم يعد دقيقاً، في ظل الانفتاح الخليجي. وشدد على أن المسؤولية تُلقى على عاتق المؤسسات الدينية المصرية التي ما زالت عاجزة عن كسب ثقة المغتربين، على الرغم من زوال أسباب التشدد.

ولا يستبشر الحفناوي بمستقبل العلاقة مع هذه المؤسسات، مستنداً إلى قرار رئيس الجمهورية الصادر في 11 آب/ أغسطس الجاري، والقاضي بعدّ دار الإفتاء جهة ذات طبيعة خاصة. وفي تفسير هذا القرار، يكون التغيير الوحيد هو اختيار المفتي من قبل رئيس الجمهورية مباشرةً، بعد أن كان يختار اسماً من ثلاثة أسماء تُطرح بمعرفة هيئة كبار العلماء في الأزهر، ما يعني المزيد من سيطرة الدولة على المؤسسة الدينية، وتقليص صلاحيات هيئة كبار العلماء، أكثر.

يشار إلى أن هذا القرار يأتي ضمن خلاف الرئيس مع مؤسسة الأزهر، على خلفية ملفي "تجديد الخطاب الديني"، و"الطلاق الشفهي"، اللذين رفض شيخ الأزهر تمريرهما. ولهذا أخذت الدولة خطوات من شأنها تهميش الأزهر، مثل قرار الإفتاء السابق ذكره، ومشروع قانون قدّمته اللجنة الدينية في البرلمان في آب/ أغسطس 2020، وأفاد بإعادة هيكلة الإفتاء، بحيث تكون تبعيتها للحكومة، بدلاً من الأزهر. وهو المشروع الذي اعترض عليه شيخ الأزهر، قائلاً إن من شأنه خلق كيان موازٍ للأزهر.

أمين الفتوى: التطرف لن ينتهي بضغطة زر

وعلى عكس الخطاب الرسمي للمؤسسات الدينية، أقر أمين الفتوى في دار الإفتاء الدكتور خالد عمران، متحفظاً، بالانتقادات الحادة التي تطال دار الإفتاء، من قِبل شريحة عريضة من المواطنين، مستدلاً على ذلك بالانتقادات التي لا تفلت المؤسسة منها، كلما طرحت رأياً يخالف المزاج الشعبي.

ولم يتطرق أمين الفتوى إلى قصور حدث في أداء الدار، تسبب في تكوين هذه الفجوة بين الشارع والمؤسسة، مقتصراً حديثه على تأثير الجماعات المتطرفة. وشدد على أن الدار تجتهد اليوم في محاربة مخلفات التنظيمات الدينية، إلا أن "التطرف لا ينتهي بضغطة زر، والأفكار لا تنتهي بسهولة".

وأوضح لرصيف22، أن الدار تضع التعليقات الرافضة الواردة إليها في مستويين: "أحدهما يختص بهؤلاء الذين يلتمسون رأياً، فيطرحون تحفظاتهم بهدوء وأدب، والآخر بمن يدخلون بسيل من السباب". وشدد على أن الأخيرين لا يستدعون النظر إليهم من قِبل الدار، بل يؤكدون لها على ضرورة الاستمرار في رسالتها.

ويفكك الدافع وراء هذه التعليقات المجرّحة، قائلاً إن جماعات "الإسلام السياسي"، جزء من تكوينها الظلامي الخرافي هو التشكيك في المرجعيات، ومنها المؤسسة الدينية الرسمية التي تنتمي إليها دار الإفتاء، مشيراً إلى استخدامهم لعبارة "علماء السلطان"، للنفاذ إلى الناس، والتأثير على ثقتهم في علماء الدين الرسميين.

ولفت إلى أنهم عملوا على ترسيخ هذه الفكرة على مدار عقود، لتمهيد سيطرتهم على المشهد الديني، وإزاحة منافسيهم من العلماء الرسميين.

ويرى عمران أن "الإفتاء" تخوض اليوم حرباً لمواجهة الفكر الظلامي، مقدراً أنها حققت ذلك بدرجة كبيرة، عبر الجهد الذي تبذله لتلقّي الفتاوى، والرد عليها.

ولفت إلى أن الدار نوّعت مؤخراً سبل تلقّي الفتوى، للتواجد بين الناس، من تلفونية، أو مكتوبة، أو حتى عبر صفحة الدار على فيسبوك، مشدداً على أن صفحة "الإفتاء" أنجزت خطوةً مهمة بظهور عالم ديني مؤهل للفتوى، يومياً، على الناس، لتلقّي الفتاوى، والرد عليها في بث مباشر.

وفي أحدث محاولة للتواجد، أعلنت الإفتاء، في 17 آب/ أغسطس الجاري، تدشين حساب لها على تطبيق "تيك توك"، وهو ما لقيَ قبولاً من البعض، كونه يسمح لها بمخاطبة مستخدمي التطبيق المنتشر بين صغار السن، فيما اعترض آخرون رأوا أن الأَوْلى بالدار أن تغلق التطبيق الذي "ينشر الفاحشة"، حسب رؤيتهم.

شروخ في بنية المجتمع

يصف أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم مقارنة الأديان، الدكتور عبد الراضي عبد المحسن، مسألة تشكيك الناس في المؤسسات الدينية الرسمية، بالجريمة التي ارتكبتها الجماعات المتطرفة.

ويلفت إلى أن هذه الجماعات تملك مشروع إقامة دولة بديلة للدولة القائمة بالفعل، ولهذا عملت على هز ثقة الناس بالمؤسسات الموجودة كافة، بما فيها الدينية.

وأضاف لرصيف22: "عشنا سنواتٍ نعاني من تبعية شرائح من المصريين لمشايخ ينتمون إلى مدارس دينية متشددة، لا تتفق والتدين المصري، الأمر الذي جعلنا نشعر وكأن كلاً منا يعيش في جزيرة منعزلة، تحكمه فيها مرجعيات تختلف عن تلك التي يلتجئ إليها جاره".

ورأى أن ذلك أثّر على تناغم المجتمع، وتماسكه، وأننا نحاول اليوم علاج هذه الشروخ، "لاستعادة المصريين وعيَهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard