طلاق تحت السنّ... ضحايا سلبهنّ القانون حقوقهنّ

الاثنين 28 يونيو 202111:30 ص

لم تكن سحر*، واحدة بين خمسة إخوة، بجانب ثلاثة صبية وبنت، قد بلغت سن الـ14 من عمرها بعد، عندما انتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها، عام 2013. كانت تطمح إلى حياة أفضل يصعب على والدها الذي يعمل باليومية، ووالدتها التي تعمل كمدبرة منزل توفيرها لها. لكن الأمور لم تسِر حسبما اشتهت.

أثمرت تلك الزيجة القاسية وغير الموثّقة عن مولودة. عانت الطفلة المزوّجة كثيراً مع زوجها الذي تبيّن لها أنه صعب العشرة. ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تتخلى عن حقوقها المادية لتنفصل وتبقى حضانة طفلتها معها. تطلقت عملياً قبل بلوغها سنّ الـ18، ولكن طلاقها الرسمي تأخّر عدة سنوات بعد ذلك.

"رفض زوجي الاعتراف بالزواج ما لم أتخلَّ عن حقوقي، وهو ما قمت به بالفعل"، تسترجع سحر ذكريات الأيام الأخيرة قبل الطلاق الرسمي الذي وقع عام 2019، من دون أن تحصل على أيّ من حقوقها المنصوص عليها في القانون.

وقائع طلاقها تعكس أزمة تعيشها مئات الفتيات المصريات اللواتي تطلّقن قبل سن الزواج الرسمي أي قبل بلوغهنّ سن الـ18 عاماً، ولم توثَّق عقود طلاقهن. ووفقاً لتقرير "التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت 2017"، الذي يصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء كل عشرة أعوام، بلغ عدد المطلقات من الفتيات دون سن الثامنة عشر 1042 طفلة.

وبحسب المصدر نفسه، بلغ عدد إجمالي حالات تزويج القاصرات في مصر 110،982 حالة.

وثّق التحقيق تسع حالات طلاق لفتيات زُوّجن دون السن القانوني وقعت في خمس محافظات، وانتهت من دون أن تحصل المطلّقة على حقوقها، ورُفض تسجيل الأطفال في مكاتب الصحة.

خلل قانوني

يحدد القانون 143 لسنة 2008 سن الزواج الرسمي في مصر بـ18 عاماً. ومَن يخالف ذلك عبر تسجيل الزواج قبل السن، يخضع لعقوبة حددها قانون العقوبات في مادته 227، وهو تفصيل سيعود إليه التحقيق لاحقاً.

رغم ذلك تُزوَّج بعض الفتيات قبل بلوغهنّ السن القانوني، وأحياناً يُسجّل عقد الزواج بعد إتمام القاصر للسن القانوني، بموجب العقد العرفي وشهادة الشهود وأيّة أدلة أخرى لإثبات الزواج، وأحياناً يبقى الزواج بلا تسجيل لسنوات.

وتتعقّد الأمور حينما ترغب الفتيات بالطلاق قبل تسجيل الزواج، ويستغلّ الأزواج هذه الثغرة القانونية نظراً لأن التطليق لن يرتّب عليهم في الغالب أيّة التزامات مالية، وهذا بالضبط ما يدفع البعض منهم إلى الامتناع عن تسجيل الزواج بعد بلوغ الزوجة السن القانوني.

وتستتبع ذلك أزمة في حصول الفتاة على حقوقها الشرعية وعلى حضانة أولادها، وكثيراً ما يلحق ضرر إضافي بالأطفال إذ لا يُسجَّلون رسمياً. كل هذه التعقيدات تضع الفتاة في موضع مَن يضطر للتنازل عن حقوقه مقابل الاستجابة لطلب بسيط منها كحضانة الطفل أو تسجيله، خاصة أن المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية لا تضمن حقوق المرأة المطلقة دون السن القانوني.

يعلق المحامي في مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب مايكل رؤوف على هذه المادة بأنها تناقض المادة 31 مكرر من قانون الأحوال المدنية، والتي تنص على أن سن الزواج 18 عاماً، ويعاقب مَن وثّق زواجاً دون ذلك.

إلا أن رضا الدنبوقي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، وهو منظمة غير حكومية تعمل على تعزيز حقوق المرأة، يشير إلى تعقيدات أخرى في هذه المادة، إذ إن المزوّجة دون السن قانوني ليس بإمكانها إثبات زواجها رسمياً، لأن زواجها أصلاً غير رسمي، فتلجأ إلى رفع دعوى إثبات زواج.

والدة سحر لا تظن أنها وزوجها مدانان في ما آل إليه حال ابنتهما. تقول: "الحال لم يكن ميسوراً بما يسمح بتأخير الزواج، كما أنه (الزوج) كان يمكن أن يكمل في الزيجة وهي التي أصرّت على الطلاق". أخت سحر أيضاً زُوّجت وهي قاصرة

ولكن الدعوى الأخيرة ليست ميسّرة أيضاً، فلكسبها تحتاج إلى إقرار من الزوج بانعقاد الزيجة عبر الإدلاء بشهادتة في المحكمة أو عبر إثبات الزواج عن طريق المأذون بموجب عقد يُسمّى وثيقة تصادق على زواج، حسبما يقول الدنبوقي مضيفاً أنه "في حال إنكار الزوج، يمكن أن تقضي المحكمة بعدم قانونية ذلك الزواج، خاصة إنْ لم تقدّم الزوجة القاصر عقد التصادق على الزواج، والذي يُعَدّ تسجيله قبل بلوغها السن القانوني مخالفة قانونية بحسب المادة 227 من قانون العقوبات".

بسبب تعقيدات إثبات الزواج، تضطر الزوجة في بعض الأحيان إلى طلب الطلاق من المحكمة دون إثبات الزواج، والكلام على لسان الدنبوقي، وفي هذه الحالة يساوي القانون المطلقة المزوّجة قبل بلوغها السن القانوني بالمطلقة من الزواج العرفي، بحسب المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية، فالحكم بقبول دعوى التطليق يعني حرمان الفتاة من حقوقها، مثل النفقة والعدة والمتعة (تعويض عن الألم الذي أصاب المرأة جراء الطلاق).

ويوضح مايكل رؤوف أن الفتيات يلجأن إلى الطلاق عبر الاتفاق على تسويات مع الأزواج، لتعقيدات إثبات الزواج، منتقداً البرلمان لعدم قيامه بدوره في علاج قضايا الأحوال الشخصية بالشكل الكافي.

وبرغم تجريم توثيق زواج القاصرات في قانون العقوبات، تدعو المؤسِّسة والمديرة التنفيذية لـ"جمعية صَبِيّة"، وهي جمعية تعنى بدعم حقوق المرأة والطفل، نهلة الضبع إلى تشريع آلية تسمح للفتاة المطلقة بالحصول على حقوقها.

وتقترح تفعيل دور مكاتب تسوية المنازعات الأسرية أو أن تجري التسويات عبر مكاتب تابعة للمجلس القومي للمرأة، مع ضرورة تعديل المادة 17 لضمان حقوق المطلقة دون السن القانوني.

عقبة المأذون

أنهت سحر طلاقها رسمياً بتسوية، بعدما يئست من إجراءات إثبات الزواج، وقررت التنازل عن كل حقوقها في سبيل اعتراف الزوج بالزيجة، وتسجيل الزواج، ومن ثم الاعتراف بمولودتها.

وأوقفت أيضاً محاولتها للحصول على نفقة قدرها 500 جنيه (32 دولاراً تقريباً) لطفلتها، خوفاً من تهديدات الزوج بأخذ الطفلة.

بصوت متهدج، تستدعي ذكرياتها: "زوجي السابق كان مدمناً على المخدرات، كما أن أخلاقه صعبة، اشترط إنْ أردت الإبقاء على الطفلة ألا يدفع لها مليماً".

رغم ذلك، لم تحاول سحر المباعدة بين ابنتها وطليقها: "هي على علاقة معه حتى الآن. لم أرد حرمانها منه، وإنْ كانت قد تأثرت سلباً وراودتها كوابيس لم تكن تفارقها، وظهرت عليها عصبية مستمرة معها حتى الآن".

كان المأذون العاقد للزيجة العائق الأساسي أمام ابنة الجيزة في سبيل توثيق زواجها: "لم أكن أعرف مكان المأذون في الشرقية، كما أنه كان على صلة قرابة بزوجي، لذا كان صعباً أن يقف في صفي من الأصل وأن يساعدني في الحصول على الأوراق أو التسجيل، وحينها توقفت عن محاولة الحصول على حقي".

ويعتبر قانون العقوبات المأذون ضمن الجناة المشاركين في تحرير عقد زواج أي شخص دون السن القانوني.

خذلان الأهل

عندما أرادت سحر بدء إجراءات التقاضي، واجهتها أزمة وهي طلب محاميها منها توكيل أبيها لأنها لم تبلغ الـ21 عاماً من العمر بعد. "كان صعباً التحرك وحدي إلى محافظة أخرى، ومعرفة المطلوب، لم يقم والدي بمتابعة القضية إلا عند حضوره لعمل التوكيل، قمنا بتوكيل المحامي لاستكمال الإجراءات، وترك أبي البقية لي"، تروي.

والدة سحر لا تظن أنها وزوجها مدانان في ما آل إليه حال ابنتهما. تقول: "الحال لم يكن ميسوراً بما يسمح بتأخير الزواج، كما أنه (الزوج) كان يمكن أن يكمل في الزيجة وهي التي أصرّت على الطلاق". أخت سحر أيضاً زُوّجت وهي قاصرة.

تعلّق محامية سحر، إسراء أيمن، بأن معظم الآباء لا يظهرون إلا من أجل إجراءات التوكيل، ثم يختفون وتستكمل الفتاة بقية الإجراءات وحدها.

وتشير إلى أن مطلب توكيل شخص راشد من الأهل يعقّد الأمور القانونية لدى الفتاة المتوفى أهلها أو التي يمتنع أهلها عن حضور الإجراءات معها، فتضطر حينها للانتظار وقتاً أطول حتى بلوغ الـ21 عاماً لبدء إجراءات التقاضي بنفسها.

تتعقّد الأمور حينما ترغب الفتيات بالطلاق قبل تسجيل الزواج، ويستغلّ الأزواج هذه الثغرة القانونية نظراً لأن التطليق لن يرتّب عليهم في الغالب أيّة التزامات مالية، وهذا بالضبط ما يدفع البعض منهم إلى الامتناع عن تسجيل الزواج بعد بلوغ الزوجة السن القانوني

وفاة الأب كانت المعطل الرئيس لقضية ليلى* التي زوّجت هي الأخرى دون السن القانوني. كانت تبلغ من العمر 14 عاماً حين زُوّجت و16 عاماً عندما تطلقت، ولم تجد سنداً لها بين أهلها يساعدها في خطوات إثبات زواجها.

تحكي ليلى: "بعد وفاة والدي، لم يساعدني أحد من العائلة. عطّل هذا، بجانب عدم توفّر المال، عدداً من الخطوات، ما أخّر حصولي على بعض الأوراق من المحامية، مثل: أولااق القضية والأوراق الرسمية، وإصدار إخطار جديد للطفلة"، وهي وثيقة توضح وجود الطفل.

لا تأمل الفتاة العشرينية حالياً بأكثر من توفير محامٍ مناسب بمقابل قادرة على توفيره. ورغم هذا لم تفقد الأمل في استرداد حقها. تقول بنبرة متحدية: "لجأت إلى منظمة مجتمع مدني حتى أسير في إجراءات التقاضي".

تابعت "جمعية صَبِيّة" حالة ليلى. تشير مديرة الجمعية التنفيذية نهلة الضبع إلى أنهم تواصلوا مع عدة محامين بالفعل لمساعدة الشابة، غير أن أزمة الحصول على بعض الأوراق يؤجل البدء في اتخاذ خطوات في سبيل حصولها على حقوقها.

ورفض أهل ليلى التواصل للتعليق على دورهم في زواجها وطلاقها.

وأظهرت دراسة تضمنت 42 حالة زواج لفتيات دون السن القانوني أنه "لا توجد مؤسسات مجتمع مدني ترعى وتتابع الفتيات، بعد طلاقهن بشكل خاص، لا بدعم مادي ولا نفسي، اللهم إلا توفير المحامي في بعض الجهات"، بحسب مي جمال، منسقة مشاريع في "مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي" الذي يسعى إلى تحسين وضع الفتيات.

توجهنا إلى المجلس القومي للمرأة بأسئلة عن دوره في معالجة ظاهرة طلاق الفتيات دون السن القانوني، إلا أن مكتبه الإعلامي رد بأن ليس لديه بيانات حالياً بشأن هذا الأمر.

أطفال يدفعون الثمن

مثلها مثل أمها وأختها الكبرى، ذاقت سعاد*، المقيمة في محافظة الفيوم، مرارة الزواج قبل بلوغها السن القانوني، والآن هي أم لطفل تحاول جاهدة إثبات نسبه، ولكنها قبل ذلك عليها إثبات زواجها الذي انتهى بعد عام بطلاق غير مثبت رسمياً.

تواجه الفتيات في الغالب أزمة في تسجيل أطفالهن رغم إتاحة القانون لهذا الأمر، إذ ترفض مكاتب الصحة المنوط بها تسجيلهن الاعتراف بهم ما لم يأتوا بحضور والدهم، خاصة إذا كان الزواج غير موثق.

في لقائنا بها، كانت سعاد منشغلة برضيعها، وتركت للأم مهمة شرح وضعها: "حصل الزوج على كل مقتنيات المنزل، والذهب، وتعرّضَت ابنتي للضرب على يديه، كما لم يدفع أيّة أموال للطفل حتى هذه اللحظة، طالباً منها التنازل عن حضانته مقابل الإنفاق عليه".

تبرر والدة سعاد موافقتها على الزواج بأن "سن الزواج هذا في قريتنا ليس مستجهناً"، مستدركة: "أدركت مؤخراً أنني تسبب لها بأزمة عندما تطلقت وبات الحصول على حقها أمراً صعباً".

يشير محامي سعاد، أحمد عبد الله، إلى أن موقفها القانوني سليم بشكل كبير، فبحوزتها كل الأوراق المطلوبة لإثبات الزواج الرسمي، ومن ثم الحصول على الطلاق وإثبات النسب في المحكمة رسمياً، مشيراً إلى أن "الأزمة الحقيقية تكمن الآن في تأخر إجراءات التقاضي، ما يؤثر على الطفل لعدم وجود تأمين صحي أو أي علاج مجاني له لأنه غير مسجل بعد".

وإنْ استطاعت سعاد إعطاء طفلها التطعيمات المناسبة بطرق ودية، إلا أنها لم تتمكن من تسجيله في مكتب الصحة وهو المسؤول عن إثبات وقائع الولادات والوفيات رسمياً داخل وخارج مصر، وتصدر من خلاله الأوراق الرسمية للمولود، إذ يشترط مكتب الصحة وجود الأب، وفقاً لوالدة سعاد، وهو ما وثقه التحقيق في أكثر من حالة أخرى.

هذه الأزمة رفض المجلس القومي للطفولة والأمومة أن يرد على أسئلتنا بشأن تعامله معها.

على الرغم من هذا، حدد قانون الطفل كيفية تسجيل الطفل مجهول النسب أو الذي لا يعترف به أبوه، وأقرّ حق تسجيل الأطفال المولودين في زيجات لم تُسجَّل رسمياً، شريطة كتابة اسم الأم، إلا أن ذلك لا يحدث على أرض الواقع.

يشير هاني هلال، رئيس الائتلاف المصري لحقوق الطفل، وهو ائتلاف يضمّ 126 جمعية أهلية تعمل في 22 محافظة مصرية، إلى أن تسجيل الطفل قانونياً يتم بوثيقة ميلاده، ويمكن أن تقوم به الأم وحدها، ولكن مكاتب الصحة ليس لديها تعليمات مباشرة بالالتزام بذلك، ما يترك هذه المادة القانونية غير مفعلة.

ويضيف أنه في عام 2009، تناقش مع وزيرة الأسرة مشيرة الخطاب بشأن مطالبة وزير الصحة والعدل بإصدار تعليمات مباشرة لمكاتب الصحة لقبول وتطبيق هذه المادة، وهو ما تم وقتها، أما الآن فغير معروفة المستجدات.

ورصد التحقيق في كل الحالات عدم إمكانية تسجيل الأطفال في المحافظات المختلفة إلا بوجود الزوج.

تسجيل طفل سعاد، وفقاً لقول محاميها، مرهون بإثبات زواجها ومن ثم طلب طلاقها، وهو المشوار الذي اضطرت سحر ألا تسير فيه، حتى يعترف الزوج بالمولودة، متنازلةً في ذلك عن حقوقها التي لم يضمنها لها القانون.

*نُشرت حالات المطلقات بأسماء مستعارة بناءً على رغباتهن.

أُنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من "شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard