الحلفا الشركسية، والخيّاطة الأرمنية، والبضائع الفليبينية... أحياء مختلفة في قلب عمّان

الاثنين 6 سبتمبر 202103:22 م

يقاوم المهاجرون والمغتربون، قوة الجذب في البلاد التي اتخذوها بديلاً عن أوطانهم، رغماً عنهم، أو بخاطرهم، والتي قد تسلخهم عن هوياتهم بأسلحة عدة، منها ما يصيب، ومنها ما يخيب، لكن سلاح الحفاظ على اللغة هو المنتصر دائماً.

هذا ما لاحظناه خلال إعداد هذا التقرير، الذي تجولنا فيه بين أحياء قوميات غير عربية، في قلب العاصمة الأردنية عمّان، وتحدثنا إلى سكانها، الذين تشّربوا معظم العادات الأردنية، مع حفاظهم على لغتهم الأم، بكل أمانة.

من غرب عمان إلى شرقها، التقينا أشخاصاً هاربين من حروب ومذابح، أو قادمين بهدف البحث عن حياة أفضل، ولكل منهم حكاية مختلفة وغنية.

من غرب عمّان إلى شرقها، تجولنا في أحياء تقطنها قوميات غير عربية، وتعرفنا لحكايات أفرادها.


روح شركسية

تحمل منطقة وادي السير، في غرب عمّان، معنى عربياً بامتياز، وفي الوقت ذاته تصطبغ بالروح والهوية الشركسيتين، تبعاً للغالبية التي تعيش فيها، وباتت تُعد معلماً بين الأردنيين للإرشاد إلى مناطق معينة في المدينة: "وين حي الشركس؟ قريب من هناك".

من يزور المنطقة، يستطيع أن يلمس خليطاً غربياً عربياً ذا طابع لطيف، يظهر بشكل خاص في مزيج اللغتين العربية والشركسية. فمن الوارد أن تدخل إلى محل لتسمع صاحبه يتحدث مع زبون بالشركسية، وعندما يأتي دورك، يتحول لسان الرجل فوراً إلى اللهجة الأردنية.

ولا تصعب ملاحظة البشرة المختلفة لسكان الحي. تلك البشرة البيضاء، والعيون الملونة، والشعر الفاتح، التي تعد مؤشراً على هوية الأشخاص، حتى قبل معرفة أسماء عائلاتهم، مثل شفاقوج، أو ميرزا، وغيرها.

وفي مقر الجمعية الخيرية الشركسية التي تأسست عام 1932، التقى رصيف22 رئيسها الدكتور إبراهيم فاروقة، الذي ذهب بنا إلى بعض محطات شركس الأردن التاريخية.

"اليوم المشؤوم"

"الشركس، في الأصل، من القوقاز، جنوب روسيا. عملنا هناك مزارعين، ومربي مواشي، وحرفيين، وكانت لروسيا مطامع في الأراضي الشركسية، لغناها بالخضراوات، ولأنها منطقة خروج المياه الدافئة في البحر الأسود"، هكذا بدأ الرجل حديثه.

وأكمل بلهجة أردنية واضحة: "اتفقت الدولة العثمانية مع الروس على تهجير الشراكسة، لتستفيد منهم كقوة بشرية، ولتستولي روسيا بدورها على ما تطمع فيه. استمرت الحروب بين الشركس والروس مئة عام وعام، من 1763 إلى 1864، بعدها أعلنت روسيا القيصرية النصر على بلاد الشركس، وهو ما نسميه باليوم المشؤوم، ومنها بدأت مأساة التهجير عام 1858، وازدادت بشكل كبير عام 1870".

وأضاف: "وصل أول فوج إلى الأردن عام 1868، وكان من قبيلة الشابسوغ. نزلوا عند المدرج الروماني في العاصمة، لأن فيها كهوفاً ومغارات تشبه بيوتهم، وذهب بعضهم إلى منطقة رأس العين، بسبب ملاءمتها للزراعة. وتوالت هجرات الشركس من تركيا وفلسطين إلى الأردن، على دفعات، ووصل آخر فوج عام 1900".

وبيّن المتحدث أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الشركس في الأردن، لكن عددنا "يتراوح بين مئة ومئتي ألف نسمة، موزعين بين عمّان، وجرش، والزرقاء".

انخراط شبه كلي

"في البداية، حصلت حروب بيننا وبين بعض القبائل، بسبب صعوبة التأقلم، والفجوة في اللغات، لكن سرعان ما خمدت، وتحولت إلى تعايش سلمي"، يخبرنا فاروقة، ويتابع قائلاً إن اندماج الشركس في المجتمع الأردني، وصل إلى حد انخراطهم في مختلف مناحي الحياة التعليمية، والمهنية، والسياسية، إذ يدرسون في المدراس والجامعات الأردنية، ولا ينحصرون في مهن معينة، ويتميزون بوجودهم بكثرة في الحرس الملكي في البلاط الهاشمي، ناهيك عن تخصيص ثلاثة مقاعد لهم في مجلس النواب.

"لا يوجد لدينا دستور، أو أي شيء مكتوب، لكننا نحافظ على عاداتنا وموروثاتنا، كأنه منصوص عليها في دستور"، يقول فاروقة، ويضيف أن أهم تلك الموروثات "التربية داخل المنازل، وتعليم اللغة، وقد أنشأنا لهذا الغرض مدرسة الأمير حمزة عام 1971، وأفتخر أنني كنت في أول فوج تخرج منها، وحتى اليوم أعلّم اللغة لأبناء العائلات الشركسية".

يحدثنا الرجل أيضاً عن عادات شركسية لا تقل أهمية عن اللغة: "كلام الكبير مُنزل، ويُمنع النقاش فيه، وممنوع أن ترفعي عينك عندما يعطي كلمته. أيضاً المرأة الشركسية مقدسة، ولا يجوز رفع الصوت عليها، وإذا ما حصل نزاع بين رجال، وجاءت امرأة، وألقت منديلها بينهم، يجب أن يتوقف النزاع فوراً، ومن غير الرجولة أن يستمر!".

اندماج الشركس في المجتمع الأردني، وصل حد انخراطهم في مختلف مناحي الحياة، إذ يدرسون في المدراس والجامعات الأردنية، ولا ينحصرون في مهن معينة، ويتميزون بوجودهم بكثرة في الحرس الملكي في البلاط الهاشمي، ناهيك عن تخصيص ثلاثة مقاعد لهم في مجلس النواب

يحافظ الشركس أيضاً على أطعمة خاصة بهم، مثل "شبس باستا"، وهي تشبه المنسف الأردني، والحلفا التي أصبحت رائجة في بيوت الأردنيين، وهي عجينة محشوة بالجبن والبطاطس.

ولا ننسى الرقص الشركسي الذي يُعد من أهم التقاليد الشعبية في الأردن، وعنه يقول فاروقة: "ليس رقصاً بالمعنى الحرفي، بل حركات قتالية تقلد الحيوانات، ومنها نعطي رسالة بأن الشركسي فارس، وعلى أهبة الاستعداد للقتال دائماً".

الاندماج الذي وصل إلى حد التزاوج بين الأردنيين والشركس، لا يلغي أهمية الحفاظ على تلك العادات كلها، وأهمها اللغة، كما يقول فاروقة: "الانصهار في اللهجة الأردنية لا يعني إعدام لغتنا، فهي هويتنا، ولم يسبق لي أن تجرأت في التحدث بالعربية أمام والدي. إلا اللغة".

معجنات وبقالة ومدرسة مهجورة

في منطقة الأشرفية الجبلية، في شرق عمّان، وإن كانت وجهة الزائر حي "الأرمن"، فمن الأفضل أن يركن سيارته أول الجبل، ويكمل سيراً على الأقدام، تمازجاً مع حركة الشوارع صعوداً ونزولاً.

بداية هذا الحي القديم تكون من محل معجنات "جوهرة أرمينيا". تتخطاه، وتكمل تموجات مسيرك في الشوارع الضيقة التي تذكّر بدمشق القديمة. تتلقفك يمنةَ ويسرةَ محالّ بمساحات صغيرة، وتصاميم قديمة، لصالونات للسيدات، وللبقالة، وللميكانيك، وكنيسة ملاصقة لمدرسة وروضة الأرمن الأرثوذكس، وقد تأسست عام 1963.

عند سؤال أحد المارة عن سبب إقفال باب المدرسة، أجاب على الفور: "الله يرحمها بطل حدا يسجل فيها. الأرمن راحوا على عمّان الغربية، وبطلت تعجبهم الأشرفية"، قالها باستهزاء وحزن. الأمر ذاته بالنسبة إلى محل المعجنات، وهو، على عكس ما يدل اسمه، يدار اليوم من أردنيين، ما يوثق خروج معظم سكان الحي نحو مناطق عمان الغربية المسطحة، لينخرطوا أكثر في المجتمع والمدارس هناك.

لهجة أردنية "قح"

رحل الأرمن من ديارهم، متخذين الأردن وجهة لهم، هرباً من المذابح التي تعرضوا لها إبان الحكم العثماني، وكانت أولى وجهاتهم محافظات جنوب المملكة، كمعان والكرك، ثم انتقلوا إلى عمّان منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وتمركزوا في أحد أحياء الأشرفية الذي حمل اسمهم في ما بعد؛ "حي الأرمن".

لا توجد إحصائية رسمية عن عددهم، لكنه يُقدر بنحو ثلاثة آلاف نسمة، منهم من هاجر فوراً إبان المذبحة، ومنهم من وصل بعد قضاء فترة في سوريا ولبنان وفلسطين، وبشكل خاص بعد نكبة 1948.

على يمين الشارع، نزولاً من الكنيسة، يجلس جورج شماس (40 عاماً)، متوسطاً طاولته داخل بقالته. يستقبل الزبائن على مدار الساعة، ويتواصل معهم باللهجة الأردنية "القح"، التي باتت غائبة حتى عن ألسنة أردنيين، خصوصاً في عمّان، فكانت كلمة "هسا" حاضرة في أغلب جمله، بالإضافة إلى مناداته للرجال بـ"أبو"، وهي عادة رائجة بين الشبان الأردنيين.

معروف عن الأرمن أنهم شاطرون في الشغل. اللي بيجي يحط شغلته يصلحها عند أرمني، معناته الشغل مضمون مية بالمية.

هل يلغي ذلك معرفته بلغته الأم؟ بالطبع لا، فهو زيادة على تعلمه الأرمنية، أتقن العربية، ووصف حرص الأرمن على الاستمرار في تعلم لغتهم، بأنه مثل "الهواء والماء"، لا يجوز الاستغناء عنهما، لكنه يتحدث حصراً بالعربية في حال وجود شخص غير أرمني، كما يقول لرصيف22: "الضيف من الواجب أن نحترمه، ونحكي لغة يفهمها".

وصلت عائلة جورج إلى الأردن عام 1973، قادمة من سوريا، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، يعمل والده في صناعة الأحذية، وهنا يقول: "معروف عن الأرمن أنهم شاطرون في الشغل. اللي بيجي يحط شغلته يصلحها عند أرمني، معناته الشغل مضمون مية بالمية". ويضيف أن الأرمن أيضاً مشهورون بمهارتهم في الخياطة وتصليح السيارات. "اسألي أهلك، أو أي أحد كبير بالعمر عن الخيّاطة الأرمنية بلتكيان"، مشيراً إلى موقع محلها القديم، قبل إغلاقه، ورحيلها: "كانوا يجوا عليها من الكرك ومعان والأردن كله. ما في مثلها بخياطة بدلات العرس، الله يرحمها".

بالإضافة إلى اللغة، تحافظ العائلات، حسب قول جورج، على الأكلات الأرمنية الشعبية، مثل "إيتش"، البرغل مع البندورة، وبالطبع الصفيحة الأرمنية.

رائحة الوطن

على الرغم من وجودهم في واحد من أحياء عمّان الغربية، منذ بداية الثمانينيات، والذي يحمل الاسم المتداول "شارع الفليبينيات"، إلا أن الجالية الفليبينية تحرص على عدم الانخراط في المجتمع المحلي الأردني، لأسباب عدة.

الحي قديم جداً، من عمر المدينة، ويُعد من الجبال العمانية الأولى التي هاجر إليها أردنيون هجرة داخلية، ويتّسم ببساطته، وضيق شوارعه، وكثرة محالّه، ولا يقتصر سكانه على الجالية الفليبينية، بل هناك عمّانيون يعيشون فيه منذ عقود طويلة.

هو بمثابة الوطن البديل للفليبينيات في الأردن، خصوصاً اللواتي هربن من المنازل التي يعملن فيها، بسبب سوء المعاملة. عندما تأتي فليبينية للمرة الأولى، تكون على قناعة تامة بأنها ستلاقي الملجأ الذي سيحتضنها، فهي تعرف عن الحي قبل قدومها

فور وصولنا إلى الحي الصغير، لاحظنا هروب أكثر من فتاة فليبينية عند تشغيل الكاميرا، وهو ما فسره أبو العبد، صاحب دكان لبيع الخضراوات والأطعمة الفليبينية، بأنهن يتجنبن الظهور، بسبب مخالفتهن شروط الإقامة في الأردن.

يعيش معظم أبناء الجالية الفليبينية في منازل قديمة، يبدو العيش فيها صعباً، خصوصاً في الشتاء، ويبرّر الرجل ذلك لرصيف22، بأن معظم سكان الحي هن من النساء اللواتي يعملن في تنظيف البيوت، أو "إذا كان حظهن حلو"، في صالون نسائي، ونظراً للغلاء المعيشي، يصعب عليهن الانتقال إلى منازل أفضل.يخلق "شارع الفليبينيات"، كما يخبرنا الرجل، حالة من الأمان لأي فليبينية تأتي إلى الأردن، إذ تشعر أن هناك من يستطيع احتضانها، وكثيرات من العاملات اللواتي يهربن من المنازل التي يعملن فيها، يلجأن إلى الحي لحمايتهن.

أيضاً، يقف حاجز اللغة عائقاً أمامهن، فغالبيتهن لا يتحدثن العربية، واللغة الثانية لهن هي الإنكليزية التي يصعب على الآخرين التحدث بها، "لذا تجدينهن يتحدثن بالفليبينية، ويستخدمن إشارات بأيديهن لشرح ماذا يردن".

يبيع الرجل بضائع فليبينية، منها اللوبياء، والفاصولياء، والكانكون، والبتشوي، والخس الصيني، والقرع، وورق الموز. وعلى الرغم من أن أسعارها مرتفعة نسبياً، إلا أن السيدات يرتدن المحل باستمرار، لشرائها، وكأنها "من رائحة وطنهم"، حسب قوله.عن طريق مؤسسة "تمكين" الحقوقية المختصة في شؤون العمالة المهاجرة في الأردن، تواصلنا مع عاملة منزل فليبينية تُدعى هنّا، وروت لرصيف22، شيئاً من تاريخ الشارع.

"هو بمثابة الوطن البديل للفليبينيات في الأردن، خصوصاً اللواتي هربن من المنازل التي يعملن فيها، بسبب سوء المعاملة. عندما تأتي فليبينية للمرة الأولى، تكون على قناعة تامة بأنها ستلاقي الملجأ الذي سيحتضنها، فهي تعرف عن الحي قبل قدومها، إذ أصبح علامةً تخص الجالية الفليبينية، وبالأخص الفتيات، فقليلاً ما تجدين عاملة يأتي زوجها معها".

وتقتسم كل ثلاثة أو أربعة سيدات الشقة الواحدة، كي يستطعن دفع إيجارها، والاقتصاد في المصاريف، "بذلك نوفر ثمن غربتنا عن عائلاتنا، وأطفالنا، ووطننا".

اختلفت لغاتهم الأم، لكنها اجتمعت على أن الحنين دوماً "لأول منزل". وعلى الرغم من دخولهم في النسيج الأردني، بدت واضحةً رائحة هوياتهم الأصلية، ليس في حديثهم فحسب، بل أيضاً في الحنين الذي فضحته عيونهم، وهم يتحدثون عن "الوطن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard