من بيلاروسيا إلى كاراباخ... الأزمات المحيطة بروسيا تُثير تساؤلات حول نفوذ بوتين

السبت 10 أكتوبر 202010:10 ص

خلال السنوات الماضية، اختلف المشهد في الدول المحيطة بروسيا. عدا عن فنلندا التي تُعرف أساساً برفاهها الاجتماعي، تغيرت الأحوال في دول البلطيق، كما في أوكرانيا وجورجيا، والآن يسير الآلاف في شوارع بيلاروسيا، أقرب حليف لموسكو، ومثلهم في قيرغيزستان ذات النفوذ الروسي، لإسقاط الأنظمة المتحالفة مع الكرملين.

في الوقت ذاته، اندلعت الحرب في إقليم ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان المجاورة لروسيا، واشتعل النزاع الروسي مع الاتحاد الأوروبي على خلفية تورط الكرملين في تسميم المعارض أليكسي نافالني، فيما تقترب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

تشير تقارير في الصحافة الروسية إلى أن الكرملين قلق للغاية بشأن التحولات الجيوسياسية للدول المحيطة به نحو الغرب، الأمر الذي لن يترك لموسكو أي حلفاء في دول ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي إذا نجحت موجة الاحتجاجات الحالية في بيلاروسيا.

وعليه، يتابع محللون للدور الروسي الخارجي ما تحمله الأسابيع المقبلة، فيما تزداد التساؤلات حول انخراط موسكو في نزاعات الشرق الأوسط حيث لعبت في السنوات الماضية دوراً محورياً، وعما قد يخلقه تراجعها من فراغ في بلدان كسوريا وليبيا أمام أطراف أخرى مثل إيران أو تركيا. 

أزمات في محيط روسيا

في الأسابيع الماضية، اندلعت احتجاجات في أكثر من ثلاثين مدينة في بيلاروسيا، للمطالبة بإسقاط نظام الرئيس أليكسندر لوكاشينكو الذي استمر في الحكم 26 عاماً، وهو من أشد حلفاء موسكو.

منذ أن اندلعت الاحتجاجات التي تقودها المعارضة الموالية للغرب في البلاد، بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحشد قواته على الحدود البيلاروسية، وذلك لمساعدة حليفه في حالة "خروج الأحداث عن السيطرة".

في مقال نشرته صحيفة "موسكو تايمز"، أواخر الشهر الماضي، قال الباحث برونو ماسايس إن روسيا تمارس ضغوطاً كبيرة على لوكاشينكو من أجل إدماج بيلاروسيا في اتحاد سياسي يجعل الأخيرة ولاية روسية وهو حاكم إقليمي.

ويصف خبراء عسكريون ومسؤولون في روسيا بيلاروسيا بأنها مفتاح موسكو وطريقها إلى أوروبا والتي ينبغي أن تكون دائماً تحت نفوذ الكرملين، ولها الأولوية لمنع سقوطها في المحور الغربي على غرار أوكرانيا.

في الصحيفة نفسها، كتب كل من الدبلوماسي الأمريكي ويليام كورتني والباحث هوارد جيه شاتز تحليلاً يشير إلى أن الكرملين قد يرسل الآلاف من القوات شبه العسكرية، المسلحة تسليحاً جيداً، لمساعدة لوكاشينكو، مثلما فعل مع أوكرانيا عام 2014.

يحذر الباحثان من أن التدخل في بيلاروسيا قد يجعل بعض الروس ينظرون إلى الاشتباكات العسكرية في أوكرانيا وسوريا طوال السنوات الماضية على أنها استنزاف مالي كبير لبلادهم، ويشيران في المقابل إلى مخاطر تعرض موسكو لعقوبات قاسية في حال استخدامها للقوة في بيلاروسيا كما حصل مع التجربة الأوكرانية. 

وكان الاتحاد الأوروبي قد أشاد بالتظاهرات "الحاشدة والسلمية" في جميع أنحاء بيلاروسيا، عارضاً المساعدة في توفير الحراسة لزعيمة المعارضة سفيتلانا أليكسيفيتش.

تشير تقارير في الصحافة الروسية إلى أن الكرملين قلق للغاية بشأن التحولات الجيوسياسية للدول المحيطة به نحو الغرب، الأمر الذي لن يترك لموسكو أي حلفاء في دول ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي إذا نجحت موجة الاحتجاجات الحالية في بيلاروسيا

وفي معرض التحليلات المرافقة لهذ الأحداث، يشير المحللون إلى أن الاقتصاد الروسي متضرر من العقوبات الغربية، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.7 تريليون دولار عام 2019، مقارنة بـ2.3 تريليون دولار عام 2013.

في الوقت ذاته تشهد قيرغيزستان أكبر احتجاجاتها منذ عقد، والتي يمكن أن تصبح مقدمة لثورة ثالثة هناك منذ خمسة عشر عاماً، إذ فقد الرئيس سورونباي جينبيكوف، وهو أحد حلفاء موسكو، الكثير من سلطته، رغم أنه لا يزال في منصبه.

ويُرجّح الكاتب الروسي ألكسندر جابوف أن موسكو التي تمتلك الأدوات الأكثر فاعلية للتأثير على الوضع في قيرغيزستان، ولعبت دوراً نشطاً في ثورة 2010 ضد الرئيس السابق كرمان بك باكييف، قد فوجئت بالاضطرابات لدى حليفتها المجاورة، وهي منشغلة في مواجهة فيروس كورونا والأزمة في بيلاروسيا.

وقال الكاتب إن جميع المتنافسين الرئيسيين على السلطة في قيرغيزستان معروفون جيداً للمسؤولين وأجهزة الاستخبارات الروسية، ولا يُعتبر أي منهم غير مقبول حتى الآن، وعليه فإن موسكو لن تنحاز إلى أي طرف وهي مستعدة للعمل مع من يفوز في المعركة الداخلية.

من جهته، قال الكاتب الروسي أندريه أونتيكوف إن روسيا قلقة للغاية جراء الأحداث الجارية في قيرغيزستان وبيلاروسيا لأن الدول الأجنبية واللاعبين الأجانب يستغلون الغضب الشعبي، وهو ما يجري حالياً في البلدين.

ولفت الكاتب الروسي في حديثه لرصيف22 إلى أن المعارضة في بيلاروسيا تحالفت مع الغرب والآن يجري السيناريو ذاته في قيرغيزستان حيث يتواجد دور قوي للولايات المتحدة وتركيا، وهو مصدر قلق كبير لموسكو.

في الوقت نفسه، اندلعت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان بشأن منطقة كاراباخ وهو أخطر تصعيد في القوقاز منذ وقف إطلاق النار عام 1994. والحرب هي بين أذربيجان الحليفة والجارة لروسيا وأرمينيا التي تتمتع بحماية من موسكو، كما أن لدى الأخيرة قاعدة عسكرية في أرمينيا، ويوجد اتفاق دفاع مشترك بين البلدين، ومع ذلك لا تزال موسكو تقف على الحياد، ما يهدد سمعتها في التخلي عن حلفائها، خصوصاً بعدما نشر التلفزيون الروسي مقطع فيديو يظهر مماطلة بوتين في الرد على رئيس الوزراء الأرميني.

وتطالب تقارير صحافية روسية موسكو بالتدخل فوراً لوقف الحرب بين الدولتين، في ظل رفض أذربيجاني بالتراجع، وإلحاح أرميني بمطالبة الدعم العسكري الروسي في مواجهة الدور التركي في الحرب.

التظاهرات إلى روسيا

من بيلاروسيا إلى قيرغيزستان إلى أوكرانيا، باتت الانتفاضات الشعبية في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي تحيط بروسيا، وتهدد بانتقالها إلى الداخل الروسي نفسه للإطاحة ببوتين.

وفقًا لاستطلاعات الرأي، في العامين الماضيين، أصبح الشباب الروس المجموعة الأكثر استياءاً في المجتمع من النظام السياسي، ولديهم ميول أكبر نحو حقوق الإنسان والتغيير والانفتاح على الغرب.

في العقدين الماضيين، كانت هناك سمة مشتركة في كل الانتفاضات التي ضربت دول ما بعد الاتحاد السوفياتي وهي مشاركة كبيرة من جيل الشباب، وفي تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية للكتاب الروس ماريا سنووفا، ودينيس فولكوف وستيبان جونشاروف توقعوا أن يكون شباب روسيا أصحاب الانتفاضة المقبلة. 

وفقاً لاستطلاعات الرأي، في العامين الماضيين، أصبح الشباب الروس المجموعة الأكثر استياءاً في المجتمع من النظام السياسي، ولديهم ميول أكبر نحو حقوق الإنسان والتغيير والانفتاح على الغرب.

وقال الكتاب إن عام 2020 شهد أكبر انخفاض في العشرين عاماً الماضية في مداخيل المواطنين بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن وباء كورونا، إلى جانب الارتفاع غير المرغوب فيه في سن التقاعد عام 2018، إذ قلل من ثقة الروس في القادة السياسيين في بلادهم.

وبرأيهم، فإن الروس الأصغر والأكبر سناً يتشاركون في أسباب عدم رضاهم عن النظام السياسي ولديهم مخاوف بشأن المشاكل الاقتصادية لروسيا ومستقبل البلاد. ومع ذلك، فإن مستوى عدم الرضى لدى الشباب أكبر، وهذا يرتبط بالعادات الإعلامية المختلفة إذ بات الشباب الروس أكثر انفتاحاً على الإنترنت والشبكات الاجتماعية.

على سبيل المثال، أصبح موقع يوتيوب منصة ضخمة لشخصيات عامة جديدة، مثل الصحافي المستقل والمدون الشهير يوري دود وعدد من السياسيين المستقلين منهم أليكسي نافالني، وهؤلاء صاروا أكثر تأثيراً في الشباب الذين باتوا أقل عرضة للدعاية التلفزيونية التابعة للكرملين.

وبحسب الكتاب، فإن الروس الأصغر سناً هم أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة التي تشوش عليها باستمرار القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الدولة الروسية، أما الروس الأكبر سناً والذين يعتمدون على التلفزيون (55 عاماً فما فوق) فهم أكثر تأثراً بدعاية الدولة.

ومع ذلك، لا تزال هناك عدة عقبات مهمة أمام انتفاضة مماثلة، بحسب تقرير "فورين بوليسي". أولاً، يشكل الشباب الروسي أقلية بين السكان الروس، فوفقاً لتعداد عام 2019، يشكل الروس الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً نسبة 16.5٪ فقط من السكان، بسبب العدد الصغير نسبياً للأطفال المولودين بين عامي 1989 و2003.

كما أن الشباب الروسي لديه معدلات منخفضة من المشاركة السياسية، إذ تُظهر الاستطلاعات أن حوالي 20% فقط من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً مهتمون بالسياسة، و7% فقط ينوون المشاركة النشطة في الحياة السياسية الروسية في المستقبل، وهو ما انعكس على تراجع الشباب في التصويت على تمرير التعديلات الدستورية التي جعلت بوتين يستمر لولايتين جديدتين.

"موسكو تدرك أن هذه الأزمات قد تؤثر على دورها بالفعل، لكن قواتها باقية في سوريا ولن يتراجع دورها في ليبيا"... التساؤلات حول الأزمات التي تشهدها الدول المحيطة بروسيا تزداد كل يوم، وسط ترجيحات بأن يؤدي تدخلها في الصراعات الجارية إلى تشتت سياستها إقليمياً 

في الوقت الحالي، تشهد روسيا احتجاجات مستمرة ومناهضة للحكومة في إقليم خاباروفسك وهو ما أثار مخاوف من احتمال انتقال التظاهرات إلى أماكن أخرى. في المقابل، لفت أونتيكوف إلى أنه من غير المحتمل أن تنتقل الاحتجاجات التي تشهدها الدول المجاورة إلى روسيا نفسها، حيث لا يزال بوتين يتمتع بشعبية كبيرة صوتت لصالح تعديل الدستور حتى يبقى في السلطة، على حد قوله.

دور روسيا في الشرق الأوسط

أصبحت روسيا منذ تدخلها في الصراع السوري عام  2015 لاعباً محورياً في منطقة الشرق الأوسط، ثم توسع دورها بتدخلها في ليبيا لدعم الجنرال خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس، وبدأ نفوذها ينتشر في باقي ملفات المنطقة.

وعليه، فإن التساؤلات وحالة الترقب للأزمات التي تشهدها الدول المحيطة بروسيا تزداد كل يوم، إذ من المحتمل أن يؤدي تدخلها في الصراعات الجارية إلى تشتت سياستها إقليمياً.

يقر أونتيكوف بذلك ويعتبر أن هذه الأزمات هي محاولات حقيقية لخلق صراعات على الحدود الروسية، تُشتّت دور موسكو سواء في سوريا أو ليبيا وحتى في منطقة الشرق المتوسط ككل.

وقال المحلل الروسي إن موسكو تدرك أن هذه الأزمات قد تؤثر على دورها بالفعل، لكن قواتها باقية في سوريا ومستمرة في سياستها ولن يتراجع دورها في ليبيا.

وقال محللون روس إن تركيا قدمت دعماً عسكرياً كبيراً لأذربيجان شمل نشر مقاتلين سوريين موالين لها لمساندة الجيش الأذري، وهو أمر غير مسبوق في منطقة أوراسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، والتي أعلنت روسيا أنها منطقة تتمتع بامتيازاتها.

ويمثل قرار تركيا بالانخراط عسكرياً في الصراع، من خلال إرسال وكلائها للقتال إلى جانب أذربيجان ونشر طائرات F-16 في قواعد للجيش الآذري، المرة الأولى التي تصبح فيها قوة خارجية متورطة عسكرياً في صراع في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي.

وقال ألكسندر دينكين، وهو رئيس "المعهد الروسي للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية" وعضو المجلس الاستشاري العلمي لمجلس الأمن: "إذا ثبتت المشاركة المباشرة للجيش التركي أو المسلحين من سوريا، فسيكون ذلك خطاً أحمر".

وأشار تقرير نشره موقع "المونيتور الأمريكي" للصحافي التركي فهيم تستكين إلى أن الهدف الرئيسي لموقف تركيا في دعم أذربيجان هو إدخال نفسها في معادلة القوة في القوقاز، بالإضافة إلى ذلك انتزاع تنازلات من روسيا في الصراعين السوري والليبي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard