خطوة نحو المحاسبة... تقرير يحدد "صنّاع الجوع" في اليمن

الأربعاء 1 سبتمبر 202104:58 م

"نحن نقول دائماً أنّ اليمنيين لا يجوعون، ولكن يتم تجويعهم، لأنّ انتهاكات وسلوك أطراف الحرب في اليمن ساهمت في صناعة الجوع. الجوع في اليمن ليس كارثة طبيعيّة" تقول رضيّة المتوكّل لرصيف22.

المتوكل ناشطة حقوقيّة يمنيّة ورئيسة منظمة "مواطنة" اليمنيّة لحقوق الإنسان، قابلها رصيف22 على هامش إطلاق المنظمة تقريرها الجديد "صُنّاع الجوع: استخدام التجويع من قبل أطراف النزاع في اليمن"، اليوم 1 أيلول/ سبتمبر، بالمشاركة مع وزارة الخارجيّة الهولنديّة والمنظمة الحقوقية الدولية "الامتثال لحقوق الإنسان" GRC.

 يثبت التقرير بالأدلة كيف استخدمت أطراف النزاع في اليمن سياسات التجويع كسلاح حرب، ويركّز على أنماط من الانتهاكات "تمت بطريقة متواترة"، تؤكد أن التحالف العربي بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة من جهة، ومن جهة ثانية جماعة أنصار الله المعروفة باسم الحوثيين، مسؤولان بشكل كبير عن تجويع اليمنيين.

 حسب التقرير، فإنّ قوات التحالف اعتمدت على نمط معين من الانتهاكات، هي الضربات الجويّة على مزارع ومصادر الحياة بالنسبة للمدنيين، فيما كان نمط الانتهاك الرئيسي عند الحوثيين زرع الألغام ومنع الوصول إلى مصادر الدخل، وقد قامت جميع أطراف النزاع على منع وصول المساعدات الإنسانيّة إلى المدنيين.

 السعودية والإمارات اعتمدتا على نمط معين من الانتهاكات، هي الضربات الجويّة على المزارع ومصادر الحياة بالنسبة للمدنيين، فيما اعتمد الحوثيون زرع الألغام ومنع الوصول إلى مصادر الدخل، وقد قامت جميع أطراف النزاع على منع وصول المساعدات الإنسانيّة إلى المدنيين

في التقرير الذي حصل رصيف22 على نسخة منه، اختيرت مناطق معينة في اليمن لتتبع نمط محدد من الانتهاكات بغية التثبت من أن أطراف الصراع تعمدت أن توصل اليمنيين إلى حالة من الجوع، وهذا ما أطلق عليه التقرير اسم "صناعة الجوع" أو "التجويع".

 يأتي توقيت إطلاق التقرير قبل حوالى أسبوعين من انعقاد الدورة الثامنة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان، إذ تطالب منظمات مدنيّة ودول مهتمة بالوضع اليمني أن تكون هناك لجنة تحقيق دوليّ جاد يختص بما وصلت إليه الأوضاع في اليمن، وتقويّة عمل لجنة الخبراء. تقول المتوكل لرصيف22 إنّ اليمن "لا يحتاج فقط إلى لجان تحقيق مستقلة ولكن يحتاج أيضاً إلى آليات تحقيق جنائي تبدأ ببناء ملفات بطريقة جاهزة لتقديمها إلى المحاكم الدوليّة. وهذا لتعزيز فكرة المساءلة التي غابت عن اليمن طوال سنوات الحرب بطريقة جعلت أطراف النزاع تثق بالحصانة ولا تتجنب انتهاك المدنيين".

 على حافة الموت

يردد المسؤولون والنشطاء الدوليون المهتمون بالوضع اليمني أنّ اليمن يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانيّة منذ الحرب العالميّة الثانيّة. وقال تقرير منشور على موقع الأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر من العام الفائت إنّ اليمن يتضور جوعاً، وإنّ طفلاً يموت كلّ عشر دقائق.

 يعيش اليمنيون واليمنيات اليوم على حافة الموت ولا جسور نجاة عندهم، ومستويات الجوع في اليمن، إضافة إلى سوريا والصومال، تصل مستويات "مقلقة" بحسب مؤشر الجوع العالمي لعام 2020. منذ شهور طويلة والجوع يفتك بالأطفال، وصار، إضافة إلى المرض، من الأمور "العاديّة" التي تحدث لسكّان البلاد، فضلاً عن انتشار جائحة كورونا في اليمن.

 عند سؤالها عن طريقة إنهاء الجوع في اليمن، تقول رضيّة المتوكّل إنّ "الإجابة البسيطة والمباشرة هي: إنهاء الحرب. فالجوع، أو بالأحرى التجويع، في اليمن حدث بسبب الحرب، وبسبب سلوك وانتهاكات أطراف النزاع خلالها".

 يطابق ما قالته المتوكّل، رأي المبعوث الأممي السابق لليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي أعلنه في العام 2017، قائلاً: "الأزمة الإنسانيّة وشبح المجاعة هما من صنع الإنسان، وكان من الممكن تفاديهما، بينما يواصل أطراف النزاع أخذ البلاد إلى الهاوية غير مكترثين بآلاف المواطنين الذين يخسرون حياتهم".

 "يواصل أطراف النزاع أخذ البلاد إلى الهاوية غير مكترثين بآلاف المواطنين الذين يخسرون حياتهم"

صناعة الجوع

في الوقت الذي تتهرب فيه أطراف النزاع في اليمن من تحمّل مسؤولياتها، يقدّم كلّ طرف نفسه باعتباره المنقذ أو الضحيّة من دون أن يعترف بانتهاكاته، "بسبب غياب كامل للمساءلة، ممّا سمح لأطراف النزاع أن تتمادى في انتهاكاتها طوال سنوات الحرب في اليمن"، حسبما قول المتوكّل.

 في رسالة خاصة وصلت لرصيف22 من قبل منظمة "مواطنة" اليمنيّة لحقوق الإنسان، قال معدّو تقرير "صناعة الجوع" إنّ هذا "التقرير الاستقصائي النوعي ركّز على أبحاث ميدانيّة قامت بها المنظمة". يقدّم التقرير دراسات لحالات وتحليلاً قانونياً يتعلق بخمسة أنماط من الهجوم والأساليب العسكريّة بين عامي 2015 و2021، في أربع مناطق محدّدة. "ويوثّق النمط المحدّد الذي يؤثر على الغذاء والماء".

 اعتمد التقرير على أكثر من مئة مقابلة خاصة مع ضحايا وأقارب ضحايا وشهود عيان، وعاملين بالقرب من المناطق المتضرّرة أو فيها، إضافة إلى تحقيقات وأبحاث مكتبيّة وقانونيّة، والاعتماد على المصادر المفتوحة لتحديد الأنماط الموثّقة في التقرير.

 مستقبل اليمن

تقول الحقوقيّة رضيّة المتوكل إنّ "إنهاء الحرب والذهاب إلى طاولة الحوار من أجل الدفع باتجاه سلام حقيقي ومستدام، [...] هو ما يتطلع إليه اليمنيون واليمنيات، لأنّ أسوأ ما حصل في البلاد هو الانهيار الكامل للدولة وسيطرة الجماعات المُسلّحة على جميع أجزاء اليمن". وترى أنّ هذا ما دفع بأهل اليمن إلى حافة المجاعة وتسبّب في انهيار كلّ جدران الحماية لليمنيين.

 ورصد رصيف22 كيف يعيش اليمن في عنق زجاجة، واستنتج أنّ نهاية الحرب بحل سياسيّ هي ما يتمناه معظم اليمنيين الطامحين إلى أن "تصل البلاد إلى حالة سلام يعيش فيها السكّان بكرامة". لكن يبدو أنّ الطريق ما يزال طويلاً بسبب تعنّت أطراف الصراع ومن خلفهم الدول والأطراف الإقليميّة الداعمة. ويشهد تقرير "صناعة الجوع" أنّه كان من الممكن تجنّب الكثير من المآسي التي تعرّض لها أهل اليمن ولا يزالون، لأنّ "مآسي اليمن من صناعة الإنسان"، مثلما قال المندوب الأممي الخاص باليمن. وهذا ما يجعل المساءلة حتمية لردع أطراف الصراع التي لا تكترث لحياة اليمنيين.

 وتضيف المتوكل: "أطراف النزاع في اليمن وثقت بالحصانة أكثر من أي شيء آخر، وهي تثق بأنّ مساءلتها على كلّ ما ترتكبه من انتهاكات لن تتم، لذلك لم تحاول أن تتجنب أيّ نوع من أنواع الانتهاكات لتخفيف الوضع السيىء على اليمنيين وتجنيبهم الجوع، وكذلك لم تتجنب استخدام التجويع كسلاح حرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard