"عشنا أسوأ يوم في حياتنا"... شائعات كورونا وسياسيوها وضحاياها في اليمن

الثلاثاء 17 أغسطس 202104:58 م

لا يزال الشاب العشريني وسيم يحيى يتذكر أيام الجائحة، خاصة اليوم الذي فارق فيه والده الحياة على أبواب مستشفيات العاصمة اليمنية صنعاء، الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

يقول وسيم يحيى (26 عاماً): "خلال تفشي وباء كورونا في صنعاء، في مايو/ أيار من العام 2020، كانت غالبية مستشفيات المدينة ترفض استقبال المرضى على خلفية الأخبار والمعلومات الخاطئة، التي تناقلتها وسائل الإعلام اليمنية حول فيروس كورونا".

وكانت وزارة الصحة التابعة للحوثيين في صنعاء قد أغلقت عدداً من المستشفيات الخاصة، التي كانت ترفض استقبال الحالات المرضية المشتبه إصابتها بفيروس كورونا، ولم تخصص أقسام عزل صحي، ولم تلتزم بشروط مكافحة العدوى.

"اعتقلونا بسبب كورونا"

يروي وسيم تفاصيل مؤلمة عن وفاة والده، يقول: "كان أبي في الستين من عمره، وفي صبيحة الثالث من مايو العام الماضي، ظهرت عليه أعراض الإصابة بذبحة صدرية، حاولنا إنقاذ حياته، ونقله إلى المستشفى، لكننا تفاجئنا بأن جميع المستشفيات الخاصة رفضت استقبال حالته بحجة أنه مصاب بفيروس كورونا، وكأن الإصابة بالفيروس جريمة ومبرر للموت".

"عشنا أسوأ يوم في حياتنا، تعرضت أنا وأفراد عائلتي للاعتقال من قبل سلطات الحوثيين في صنعاء، وتحفظوا على الجثة إلى أن جاء الطبيب الشرعي، وشرحها، وأكد أن الوفاة كانت بسبب ذبحة صدرية"، يقول وسيم.

ويلفت إلى "الحجم المرعب" للمعلومات الخاطئة، والأخبار المضللة التي يتداولها الإعلام اليمني بطريقة سلبية، وهو ما جعل الأطباء، والناس، في صنعاء، يتعاملون مع المشتبه بإصابتهم باعتبار أنهم "خطر قاتل".

"عشنا أسوأ يوم في حياتنا، تركوا أبي يموت، وتعرضت أنا وأفراد عائلتي للاعتقال من قبل سلطات الحوثيين في صنعاء، وتحفظوا على الجثة إلى أن جاء الطبيب الشرعي، وشرّحها، وأكد أن الوفاة كانت بسبب ذبحة صدرية"

ويعتقد وسيم بأن والده فارق الحياة بـ"تهمة الإصابة بفيروس كورونا"، وأنه ليس الحالة الوحيدة، إذ "مئات المرضى فارقوا الحياة في اليمن، بعد أن رفض الأطباء والمستشفيات استقبالهم خوفاً من انتقال العدوى إليهم، على الرغم من عدم إصابتهم بكورونا".

"أي شخص كان يعاني من أعراض صدرية، كانت المستشفيات ترفض استقباله بحجة أنه مصاب بفيروس كورونا وأنه سينقل العدوى إلى طاقم التمريض"، يقول وسيم.

ظاهرة رفض استقبال المرضى كانت منتشرة بشكل كبير في البلاد، خصوصاً في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها، وهناك مستشفيات كان الأطباء يهربون منها، ويرفضون استقبال المرضى، بحسب وسيم.

ويحكي سامي اليافعي (35 عاماً) من مدينة عدن جنوب اليمن أن أحد أصدقائه كان مندوب مبيعات بشركة خاصة في المدينة، وكان يعاني من الربو، وظهرت عليه أعراض الإصابة بفيروس كورونا، ورفضت كل المستشفيات في عدن استقبال حالته.

"في نهاية المطاف اتجه الى مركز علاج كورونا الذي تديره أطباء بلا حدود في مدينة عدن، ولكنه فارق الحياة جوار المركز"، يقول اليافعي.

وبفعل التضليل الإعلامي، وتأسيس تغطية وسائل الإعلام لجائحة كورونا في اليمن كان المرضى في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومدينة عدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة يتعرضون للوفاة على أعتاب المستشفيات بـ"تهمة كورونا".

رعب وخوف

يرى الكاتب والباحث الصحافي أبوبكر الفقيه أن تغطية وسائل الاعلام المحلية لم تكن بالمستوى المأمول واللازم لمواكبة جائحة عالمية خطيرة كفيروس كورونا، يقول: "لم يكن هذا مستغرباً بالنظر إلى تواضع الإمكانات، وغياب الوسائل المستقلة والشفافية لرفد المواطن بالمعلومة الصحيحة التي تخلق استجابة فعالة".

ويضيف: "منذ بدء انتشار فيروس كورونا بمختلف المحافظات اليمنية كانت بعض وسائل الإعلام تعمد على نشر المعلومات المضللة، وترويج الشائعات، خصوصاً وسائل الإعلام ذات التوجهات السياسية الحزبية، والولاءات المتعارضة".

وأشار الفقيه إلى أن بعض الأخبار المضللة التي كان يتم تداولها على وسائل الإعلام المحلية أدت إلى حدوث حالة من الرعب والخوف بين أوساط المواطنين، فيما تسببت بعض الأخبار بتقليل الاهتمام المجتمعي بخطورة الفيروس، وصرفت الشارع عن الاهتمام الجدي بالبحث عن طرق الوقاية منه، والحرص على الالتزام بالإجراءات الاحترازية.

"وقعت كثير من وسائل الإعلام، والصحافيين، والناشطين، في منصات التواصل الاجتماعي ضحية للترويج للأخبار المضللة".

ويوافقه في الرأى رئيس مركز مرايا الإعلام للتنمية في اليمن، الدكتور منصور القدسي، يقول: "سيست أطراف النزاع الجائحة مع انتشارها في اليمن، ووقعت كثير من وسائل الإعلام، والصحافيين، والناشطين، في منصات التواصل الاجتماعي ضحية للترويج للأخبار المضللة لخدمة هذا الطرف أو ذاك".

وأضاف: "تعرض الكثير من المواطنين للأخبار المضللة عبر وسائل الإعلام، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تصدرت مشهد التضليل المعلوماتي في اليمن من خلال تضخيم المعلومات التي تجذب الانتباه، مما قد يحفز لتداولها ويتيح انتشار المعلومات الكاذبة على نطاق أوسع، مقارنة مع انتشار المعلومات الصادقة".

ومنذ بدء تفشي وباء كورونا في اليمن في مارس/ آذار عام 2020، تناقلت وسائل الإعلام المحلية التابعة لأطراف النزاع في البلاد العشرات من الأخبار الكاذبة، والمعلومات المضللة، حول تفشي الوباء بمختلف المحافظات اليمنية، وكانت تغطية وسائل الإعلام مسيسة، وذلك بدوره انعكس سلباً على حياة اليمنيين، واللاجئين الأفارقة المقيمين في اليمن.

الخوف من "حقنة الموت"

"أموت في بيتي، وبين أهلي أهون من الموت بحقنة الموت في المستشفى"، يقول قائد ناجي، الذي مكث أكثر من شهر يصارع مرارة المرض في منزله بريف محافظة إب وسط اليمن، على الرغم من حاجته للتداوي في أقرب مركز صحي، إلا أن الخوف من "حقنة الموت" كانت تمنعه من الذهاب إلى المشفى على غرار مئات المرضى والمصابين بريف المحافظة.

يقول قائد ناجي (50 عاماً): "خلال تفشي وباء كورونا، تعرضت للإصابة بحمى، وألم شديد، وكان علي الذهاب إلى أقرب مختبر، أو مركز صحي للكشف عن حالتي، ومعرفة إن كنت مصاباً بفيروس كورونا، لكني فضلت مقاومة المرض، والجلوس بغرفة منعزلة في منزلي حتى تماثلت للشفاء".

"خلال انتشار فيروس كورونا في اليمن جعلتنا وسائل الإعلام نعيش في حالة ذعر، ورعب، وخوف، خصوصاً مع انتشار عشرات الأخبار عن تصفية المصابين بفيروس كورونا، من خلال حقنهم بحقنة قاتلة في المستشفيات الحكومية"، يقول ناجي.

ويرى الدكتور منصور القدسي أن المعلومات المضللة التي كانت تروج لها وسائل الإعلام في اليمن لخدمة أجندات أطراف النزاع، تسببت بأضرار كبيرة لا تقل فداحة عن الأضرار التي خلفتها الحرب.

ويلخص القدسي بعض الأضرار، قائلاً: "خلقت حالة من عدم الثقة، والتشويش لحجب المعلومات الصحية الدقيقة، واتخاذ المواطنين سلوكيات غير مقبولة، مثل شراء السلع بدافع الهلع أو استخدام علاجات خطيرة وغير موثوق بها، واتباع الإجراءات الإرشادية لمواجهة اعراض الجائحة".

"جعلتنا وسائل الإعلام نعيش في حالة ذعر، ورعب، وخوف، خصوصاً مع انتشار عشرات الأخبار عن تصفية المصابين بفيروس كورونا، من خلال حقنهم بحقنة قاتلة في المستشفيات الحكومية"

وفي مايو /أيار عام 2020 تناقلت وسائل إعلام موالية للحكومة المعترف بها معلومات وأخبار عن تصفية المصابين، وتصفية الحالات المشتبه بهم داخل مراكز الحجر الصحي، وفي المستشفيات الحكومية في صنعاء، ومناطق سيطرة الحوثيين.

انعكس ذلك سلباً على مشاعر المواطنين والمرضى منهم، وفاقم من معاناتهم، خصوصاً الذين كانوا يحتاجون إلى رعاية دورية في المستشفيات، منهم من فارق الحياة في منزله، ومنهم من تحمل مرارة الألم، والأشد من ذلك حالة الرعب والخوف الذي كان يعيشها المواطنون إبان تفشي وباء كورونا.

لكن وزارة الصحة التابعة لحكومة الحوثيين في صنعاء، نفت صحة الأخبار المتداولة عن تصفية المصابين بفيروس كورونا. وأصدرت بياناً أكدت فيه أن ما يتم تداوله عن تصفية المصابين غير صحيح، واعتبرت ذلك تزويراً من قبل إعلام وأدوات العدوان، في إشارة إلى التحالف العربي الذي تقوده السعودية لدعم الشرعية في اليمن.

اللاجئون والبطالة والمرض

تعرض الشاب الأثيوبي صابر للطرد من العمل، وعاش أسوأ أيامه في العاصمة اليمنية صنعاء إبان إعلان الحوثيين عن تسجيل أول حالة وفاة وإصابة بفيروس كورونا، لمهاجر إفريقي في صنعاء.

يقول صابر (30 عاماً) وهو أحد اللاجئين الأفارقة المقيمين في العاصمة اليمنية صنعاء، الواقعة تحت سيطرة الحوثيين: "بينما كنت أعمل في تنظيف، وغسل صالة المحل التجاري الذي أعمل به منذ أشهر، تفاجأت بأن مالك المحل طلب مني مغادرة المحل فوراً، ومن دون تأخر".

"لم أكن أعرف الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قرار بمغادرتي بعد أكثر من سبعة أشهر قضيتها في العمل، لكنه قال لي إنه يخشى عزوف الزبائن لأن الأفارقة مصدر فيروس كورونا في صنعاء"، يقول صابر.

"وجودكم بيننا وباء".

ويصف صابر ما تعرض له من عنصرية، وتنمر من قبل مالك المحل، والمواطنين في صنعاء يسمعونه كلاماً مثل: "أنتم ادخلتم الوباء إلى اليمن، وجودكم بيننا وباء"، مضيفاً أنه مكث لفترة طويلة عاطلاً عن العمل، وكان أصحاب المحلات التجارية والمطاعم يرفضون منح اللاجئين الأفارقة فرصة للعمل لديهم.

جاء طرد صابر على غرار عشرات الأفارقة الذين فقدوا مصدر دخلهم، وتعرضوا للطرد من أعمالهم، بعد ساعات من إعلان السلطات الصحية التابعة للحوثيين في صنعاء عن تسجيل أول حالة إصابة ووفاة بفيروس كورونا في العاصمة صنعاء، وهي أول حالة يعلن عنها الحوثيون منذ تفشي الوباء في المناطق التي يسيطرون عليها.

وفي 6 مايو/أيار من العام 2020 أعلن وزير الصحة في حكومة الحوثيين، طه المتوكل، في مؤتمر صحافي عن اكتشاف حالة مؤكدة مصابة بفيروس كورونا المستجد لمهاجر صومالي الجنسية بأحد فنادق العاصمة اليمنية صنعاء.

في سياق البحث عن تفاصيل أكثر عن تلك الحالة، قال مصدر مسؤول في قيادة اللاجئين الأفارقة في العاصمة صنعاء: "الشاب الصومالي الذي أعلنت السلطات الصحية التابعة للحوثيين عن وفاته بفيروس كورونا، كان يعيش وحيداً من دون أهل، يسكن بغرفة داخل فندق متواضع بشارع تعز، وذلك بسبب رفض ملاك البيوت تأجيره غرفة للسكن فيها، وكان يحصل على مساعدة نقدية بسيطة من مفوضية اللاجئين بصفته معاقاً".

وأضاف المسؤول: "كان يذهب بشكل مستمر على مركز الرحبي الصحي بمنطقة الصافية، وكان المركز يقدم خدماته بشكل مجاني، بدعم من مفوضية اللاجئين، إذ كان يعاني من مشاكل صحية متعددة في القلب، والكبد، والبنكرياس كما أنه كان معاقاً في إحدى القدمين، وحالته النفسية مضطربة".

ولم يستبعد المصدر أن "يكون سبب وفاته نتيجة لتلك المشاكل الصحية، التي كان يعاني منها، بحسب مسؤول في مفوضية اللاجئين، ومصدر في المركز الطبي".

وأوضح المسؤول في قيادة اللاجئين الأفارقة: "عند الإعلان عن وفاة أول حالة، تم احتجاز جميع العاملين بالمركز الصحي، وتهديدهم ألا يتحدثوا عن حالته الصحية".

الباحثة اليمنية ميساء شجاع الدين ترى إعلان الحوثيين عن حالة واحدة لصومالي مصاب بكورونا مستفزاً بشكل كبير، وأضافت في تدوينة على "تويتر": "الحالات المصابة بفيروس كورونا عددها أكثر وهم يمنيون".

وتساءلت شجاع الدين حول سر إعلان أنه صومالي، ولماذا العنصرية المفضوحة هذه؟ وما هي أهمية جنسية المريض بهذا السياق؟

انعكس إعلان الحوثيين سلباً على المئات من المهاجرين الأفارقة في صنعاء، باعتبارهم مصدر وباء كورونا، وتعرضوا للطرد من أعمالهم بشكل جماعي، بالإضافة الى التنمر، والعنصرية التي كانوا يتعرضون لها بشكل غير مسبوق، بحسب تغريدات شجاع الدين.

"تغطية مسيسة"

"تحوّل اليمن إلى ساحة لحرب أهلية، تحوي داخلها مزيجاً من الصراعات المتشابكة، والمصالح المتناقضة، جعلت منها بيئة خصبة لنشر الأخبار المضللة، واستخدامها كسلاح رئيسي من قبل مختلف أطراف الصراع المحلية بعضها ضد بعض، خدمة لمصالحها الخاصة، ومصالح الأجندات الخارجية"، يقول الكاتب الصحافي والباحث أبوبكر الفقيه.

وأشار رئيس مركز مرايا الإعلام للتنمية، الدكتور منصور القدسي إلى افتقار التغطيات الإعلامية للمهنية التي تراعي "خصوصية وباء كورونا الطارئ".

وتابع: "وسائل الأعلام الموالية لأطراف النزاع لم تتعامل بمهنية مع هذه الأزمة الإنسانية، بل ذهبت لتسيس الجائحة، واصطناع موجة من الاتهامات المتبادلة بتحميل كل طرف مسؤولية توسع نطاق تفشي الجائحة".

وعن تغطية وسائل الإعلام التابعة للحوثيين لجائحة كورونا، يقول القدسي: "وسائل الاعلام الموالية لجماعة الحوثي انتهجت سياسة التكتم، والتضليل، والمتاجرة بالجائحة في ظل إجراءات قمعية اتخذتها الجماعة ضد أي صحافي يحاول نشر معلومات تصف حجم انتشار الجائحة، ومدى خطورتها في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين".

أما عن تغطية وسائل الإعلام الموالية للحكومة المعترف بها، فيقول القدسي: "كانت سطحية، وأثارت اللغط والتشكيك المتواصل بصحة المعلومات، التي كانت تعلنها اللجنة العليا للطوارئ حول مدي انتشار الجائحة".

"غياب الصحافيين المتخصصين في اليمن شكل عائقاً أمام وجود أي تغطية مهنية للجائحة"، ينهي القدسي حديثه مشدداً على ضرورة تأهيل صحافيين على الاستخدام السليم للمصطلحات المتعلقة بالجائحة، وضرورة مراعاة المبادئ، والأخلاقيات الصحافية المتعارف عليها عالمياً في تغطية جائحة بهذا الحجم الكبير.

تم دعم هذا التقرير من قبل صندوق دعم التحقيقات في شمال إفريقيا وغرب آسيا  (NAWA -lF).
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard