"مدينة التناقضات"... السياحة في غزة أغلى منها في شرم الشيخ

الخميس 26 أغسطس 202104:43 م

مع اشتداد حر الصيف، ينطلق سكان قطاع غزة إلى شاطئ بحرهم، الذي يعدّونه متنفسهم الوحيد، كقبلة أولى لهم للترويح عن أنفسهم. لكن الصدمة المتكررة التي يواجهونها، في كل عام، هي نسبة التلوث الكبيرة فيه، والتي لم تترك لهم سوى مساحات صغيرة، وعدد قليل من المناطق الآمنة، والبعيدة عن مصارف الصرف الصحي، للسباحة.

وحسب سلطة جودة البيئة الفلسطينية، وصلت معدلات تلوث بحر غزة، هذا العام، إلى 75% في بعض المناطق الأكثر كثافة من غيرها، بينما تصل في مناطق أخرى إلى 55%.

وبذلك تتجه نسبة كبيرة من الغزّيين الراغبين في الاصطياف، إلى السياحة المحلية، داخل الشاليهات، وفي بعض المسابح والمطاعم، ويتجه عدد منهم نحو الفنادق القليلة التي في شارع الرشيد، غرب مدينة غزة، قبالة شاطئ البحر. لكن أسعار هذه السياحة، بمنظور كثيرين منهم، أصبحت "فلكية"، وأغلى حتى من وجهات سياحية ذات شهرة كبيرة، مثل شرم الشيخ غير البعيدة عن أمكنة سكنهم، عدا عن كونها أسعاراً غير متناسبة، أحياناً، مع الخدمات المقدمة.


محروقات وضرائب وتكاليف أخرى

تصل أسعار إيجارات بعض الشاليهات الصغيرة في قطاع غزة لليوم الواحد، إلى 800 دولار أمريكي، ولكن غالبيتها تعلن عن فترة إيجار لمدة عشر ساعات، أو اثنتي عشرة ساعة، بمبلغ 400 دولار، أو أقل قليلاً.

أما الفنادق، وهي في غزة قليلة جداً، فترتفع إيجاراتها أيضاً، وأقلها سعراً يكون مكلفاً للغزيين. فمثلاً، قدّم أحد الفنادق، غرب المدينة، وهو مصنف بدرجة خمس نجوم، عرضاً لقضاء ليلة واحدة بسعر 85 دولاراً، مع وجبة إفطار، وخدمة الإنترنت.

أسعار السياحة الداخلية في غزة غدت "فلكية" وأغلى من وجهات سياحية ذات شهرة كبيرة.

انتقد كثيرون هذه الأسعار التي رأوا أنها مرتفعة للغاية، خاصةً وأن متوسط الرواتب في غزة لا يتجاوز 400 دولار شهرياً، مشيرين إلى أن مبلغ 500 دولار يكفي أي فلسطيني من سكان الضفة الغربية، لحجز رحلة إلى تركيا لأيام عدة متضمنة تذاكر الطيران، كما يكفي هذا المبلغ، وحتى أقل منه، لقضاء أسبوع كامل في المدن المصرية الشهيرة بالسياحة، مثل شرم الشيخ، أو الغردقة، أو دهب، وهو ما يشاهده الفلسطينيون كل يوم من خلال إعلانات تستهدفهم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن هذا النوع من السياحة يبقى محكوماً بإجراءات السفر التي لا تكون سهلة على الدوام للمقيمين في غزة.

وفي حديث لرصيف22، يرى سمير قشطة، وهو مدير شاليهات الحرية وسط قطاع غزة، أن الفرق في الأسعار بين غزة ودول الجوار من حيث السياحة، أمر منطقي، على الرغم من أنه يقر بأن السياحة المحلية في دول العالم كلها، تكون رخيصة للوافدين المحليين، ويحيل أسباب الغلاء إلى التكلفة التشغيلية، وخصوصاً المحروقات، وقطع غيار المولدات التي يتحكم في إدخالها الاحتلال الإسرائيلي، وهي غالية الثمن، مقارنةً مع الدول المجاورة.

ويضيف قشطة شارحاً: "عوامل كثيرة، بحكم الحصار الإسرائيلي، جعلت تفاصيل السياحة صعبة أمام البعض، بينما لا يبالي البعض الآخر، من أجل التمتع، بالسعر المرتفع. مثلاً، نحتاج إلى ما لا يقل عن عشر ساعات لتشغيل الوقود، عبر مولدات كبيرة يومياً، والمحروقات في غزة أغلى منها في دول الجوار، بالإضافة إلى الضرائب على الشاليهات نفسها".

وتُعد أسعار الوقود في فلسطين من الأغلى عربياً، إذ يصل سعر لتر البنزين إلى 1.93 دولاراً. كما يعيش القطاع الآن وضعاً صعباً في ما يخص الكهرباء، إذ تصل ساعات انقطاعها إلى اثنتي عشرة ساعة، مقابل أربع ساعات تشغيل، نتيجة تضرر محطات توليد الكهرباء، بسبب القصف الإسرائيلي.

ويشير قشطة إلى أنه في حال حدوث أعطال في المولدات، أو أي قطع كهربائية أخرى، فإن قطع الغيار في غزة غالية، لأنها لا تدخل بطريقة سهلة عبر المعابر الحدودية، عدا عن أن الضرائب تذهب إلى الجانب الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية، وكذلك إلى حكومة غزة، وبذلك تدفع غزة ضرائب على البضائع لثلاث جهات.


"أفضل من البقاء في المنزل"

بملاحظة نسب الإقبال على الشاليهات، فهي الأعلى خلال هذا العام، كما يشير سمير قشطة من خلال عمله، وأيضاً اطلاعه المتواصل على نسب الإقبال في الأماكن الأخرى.

يدفع ذلك المواطن جميل أبو عقلين لوصف غزة بأنها "مدينة التناقضات"، فعلى الرغم من أنها مدينة فقيرة، لكنها تحتوي على مطاعم وشاليهات باهظة التكاليف، وهذه الطرق تجبر المواطنين وفق رأيه على اتباع أسلوب الدفع، حتى يعيشوا يوماً جيداً وهم سعداء، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها، "فهي أفضل من البقاء في المنزل، في انتظار عدوان إسرائيلي جديد، يقتل لحظاتنا الجميلة"، يقول في حديثه لرصيف22.

ويضيف أبو عقلين، ذو الثلاثة والثلاثين عاماً: "الكثيرون من أصحاب الشاليهات، ومسابح الاستجمام، يتحكمون بالأسعار، لدرايتهم الكاملة بأن نسبة من الغزيين تتوجه نحو هذه الأماكن، نظراً إلى تلوث البحر. ربما تكون التكاليف التشغيلية كبيرة، لكن ليس بقدر المبالغ التي نشاهدها، ونسمع عنها. المواطن الغزي لو أراد الاستجمام، هو وأسرته، في شاليه، يحتاج إلى ثلث راتبه، أو ربعه، ليقضي 12 ساعة فقط، داخل شاليه نظيف".

"غزة مدينة التناقضات، فعلى الرغم من أنها مدينة فقيرة، لكنها تحتوي على مطاعم وشاليهات باهظة التكاليف، وهذه الطرق تجبر المواطنين على الدفع، حتى يعيشوا يوماً جيداً وهم سعداء، فهي أفضل من البقاء في المنزل، في انتظار عدوان إسرائيلي جديد، يقتل لحظاتنا الجميلة"


عدم وجود منافذ برية

تعرض نبيل نبهان لخسائر كبيرة، عندما افتتح فندقاً على شاطئ بحر غزة عام 2005، وتضرر بسبب الانقسام، والحصار الإسرائيلي، وأغلقه عام 2015، بسبب تراكم الديون، والأجور التشغيلية عليه، وعدم وجود جهات داعمة للقطاع السياحي كما يشير. وقبل عامين، افتتح ثلاثة شاليهات في مدينة غزة على أراضٍ يملكها.

يقول نبهان لرصيف22 إن الشاليهات هي أكثر الوجهات السياحية المحلية التي يُقبل عليها الغزّيون، لكنها في الوقت نفسه تحمل تكاليف تشغيلية كبيرة، في ظل عدم استقرار دخول الوقود والمعدات، ويضيف: "نعم هناك غلاء، لكن من يعوّض القطاعات السياحية إذا ما أُغلقت المعابر، وتكبدنا الخسائر؟ هناك قطع غيار لأجهزة ومعدات، يصل سعرها في غزة إلى أكثر من 400% من سعرها الأصلي. لن تتحسن المنشآت والأسعار ما لم يستقر الوضع السياسي هنا".

غزة شبه معزولة عن العالم، وبذلك تخضع أسعار السياحة فيها لما هو متوافر من مقومات السياحة المحلية.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى غلاء تكاليف السياحة في غزة، عدم تمتعها باستقلالية المعابر الحدودية، وعدم وجود منفذ رسمي يعمل دورياً، فعلى الرغم من أن معبر رفح الحدودي أصبح منفذها إلى العالم الخارجي، إلا أنه يعمل ضمن وصاية رئاسية مصرية، ولساعات محدودة، وبتدقيق أمني عند الخروج، في حين أنه لا يعمل ضمن اتفاقية المعابر لعام 2005، والتي وُقّعت بين السلطة الفلسطينية والطرف الإسرائيلي، بموافقة مصرية، وإشراف الاتحاد الأوروبي، لضمان حرية التنقل للفلسطينيين.

ومنذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، تبدو غزة شبه معزولة عن العالم، وبذلك تخضع أسعار السياحة فيها لما هو متوافر من مقومات السياحة المحلية، من دون وجود بديل سلس في التنقل السهل، وتفضيله عليها، كما يشير الخبير الاقتصادي فؤاد أبو راس، إذ يتحكم الجانب الإسرائيلي بإدخال البضائع، ولوازم القطاع.

يقول أبو راس في حديثه لرصيف22: "ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالعملة الإسرائيلية، بناءً على اتفاقية باريس عام 1994 للبروتوكول الاقتصادي، جعل الاقتصاد الفلسطيني تحت رحمة الغلاء، والعملة الإسرائيلية، وتراجعها أمام الدولار، الذي نشهده حالياً. ويرتبط اقتصاد غزة بالجانب الإسرائيلي، من شقين: شق الاستقرار الأمني، وشق فتح المعابر".

ويشدد أبو راس على أن الضرائب الكبيرة في غزة، هي نتاج حالة الانقسام الفلسطيني، إذ تشهد قطاعات السياحة، والتجارة، وحركة الواردات إلى غزة، دفع ضرائب منها، تصل إلى 200% من قيمة الواردات، إذ لم تتوقف حكومة غزة التي تحكمها حماس، عن جني الضرائب المرتفعة على الواردات، والسلع المحلية، على الرغم من مطالب الحراك الشبابي في آذار/ مارس 2019، بالتوقف عنها، وتحسين الوضع المعيشي.

"عوامل كثيرة، بحكم الحصار الإسرائيلي، جعلت تفاصيل السياحة صعبة أمام البعض. مثلاً، نحتاج إلى ما لا يقل عن عشر ساعات لتشغيل الوقود، عبر مولدات كبيرة يومياً، والمحروقات في غزة أغلى منها في دول الجوار، بالإضافة إلى الضرائب على الشاليهات نفسها"


سياحة "مشتركة"

لا تبالي نسبة كبيرة من الغزيين بهذا الغلاء، في ظل محاولاتهم الحصول على شاليهات، أو حتى خيام، داخل المنتجعات السياحية الفخمة، من خلال الاشتراك في قيمة مبلغ الإيجار، وهي طريقة يتّبعونها منذ سنوات، لمواجهة الغلاء، ومن أجل إقامة جلسات جماعية، والاستجمام في برك السباحة الأكثر نظافة من الشاطئ الملوث.

يقول سعيد نوفل لرصيف22: "نقوم بجمع مجموعة من الشبان، أو العائلات، يتراوح عددها بين ثمانية أشخاص و15 شخصاً كحد أقصى، حتى ندفع إيجار الشاليه لمدة 12 ساعة، أو أقل. لا يهم حتى لو كان السعر غالياً، فالمهم أننا نشعر ببعض الترفيه، ونستمتع باجتماع العائلة والأصدقاء".

ووفق حديث نوفل (39 عاماً)، فإن الكثير من الشبان في غزة اليوم، وكذلك العديد من العائلات، يتبعون هذه الطريقة، فهي الحل الوحيد أمامهم، للحصول على بعض المتعة، وسط مصاعب الحياة غير المنتهية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard