"لم أر حمص من زجاج النافذة"... سوريون يحاولون اكتشاف بلادهم بعد الحرب

الخميس 17 ديسمبر 202003:25 م

"ألعاب نارية تنطلق من ساحة الأمويين حتى جبل قاسيون، آلاف العيون تحدق في سماء دمشق، وضحكات تملأ المكان، ومواكب كرنفالية تدور حول ساحة تعلوها نساء، يلقين الأوراق الملوّنة على الجمهور المحتشد".

"إنها دمشق عندما كانت عاصمة للثقافة العربية"، تقول ميرنا (33 عاماً) لرصيف22.

"كلما سألني أحد عن دمشق تعود ذاكرتي لصورة حفل افتتاح احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008، الذي شاهدته على التلفاز، لكن عندما زرتها في العام 2015 حزنت".

تشعر ميرنا بالحزن لأنها لم تزر دمشق قبل الحرب، ولم تحضر حفل السيدة فيروز، الذي أقيم ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية في دار الأوبرا، تقول: "كان حدثاً عظيماً انتظره السوريون بعد 23 عاماً من غياب جارة القمر عن سوريا". 

بالأبيض والأسود

عاشت ميرنا مع عائلتها في حلب ثم انتقلت خلال الحرب إلى اللاذقية، تقول: "سمعت الكثير عن الحركة الثقافية النشطة في دمشق وعن كبار الموسيقيين الذين ترددوا لزيارتها، لكن عندما زرتها في العام 2015 تحوّلت الصورة في مخيلتي من ملوّنة إلى صورة بالأبيض والأسود".

حواجز عسكرية على امتداد الأحياء، أصوات المولدات الكهربائية تهدر في الشوارع، وجوه شاحبة تسير في الطرقات، لا حفلات ولا موسيقى

حواجز عسكرية على امتداد الأحياء، أصوات المولدات الكهربائية تهدر في الشوارع، وجوه شاحبة تسير في الطرقات، لا حفلات ولا موسيقى، حتى المواضيع التي تناولها المسرح في تلك الفترة كانت كلها عن الحرب والدمار.

درست ميرنا الفنون الجميلة في اللاذقية، وترى أن دمشق لا بد لها أن تعود عاصمة للثقافة العربية يوماً ما، قدرها أن تحتضن الفن والإبداع، تقول: "لا مفر من أن يتحول صوت المولدات الكهربائية إلى أنغام موسيقية تصدر عن حفل تخت شرقي وسط قصر العظم في دمشق القديمة".

حمص ودخان أسود

تسير القافلة منطلقة من طرطوس إلى دمشق، تجلس دانا في المقعد الملتصق بالنافذة، تقرأ على يمين الطريق "حمص 10 كيلومتر"، تقول لوالدتها: "هل سنزور حمص قبل وصولنا إلى دمشق؟" تجيبها الوالدة: "المرة المقبلة يا ابنتي". هكذا بقيت حمص مرتبطة في مخيلة دانا بطريق السفر بين طرطوس ودمشق إلى أن دمرتها الحرب.

تعمل دانا ميخائيل مهندسة مدنية في مدينة طرطوس، تقول لرصيف22: "لم أزر حمص يوماً، فقط رأيتها من بعيد من نافذة الباص، كنت كلما سافرت مع عائلتي نستريح في المطاعم المنتشرة على الطريق العام حمص – دمشق، لكنها كانت وما زالت مدينة مجهولة بالنسبة لي".

كل ما رأته هو سحابة من الدخان الأسود.

سافرت دانا مع عائلتها في العام 2012 إلى دمشق، وانتظرت خلال الرحلة أن ترى حمص من نافذة الباص كعادتها، كل ما رأته هو سحابة من الدخان الأسود. تقول: "دخان الحرب غطى المدينة، بعد عدة أعوام سافرتُ مرة أخرى، فلم أر حمص من زجاج النافذة".

تقول دانا: "تقع حمص على الضفة الشرقية لنهر العاصي، الذي ارتبط اسمها به، فهو يأتيها من لبنان ليحتضن سهلها الأخضر، ويروي بساتينها وحقولها، كل هذا الجمال لم أتمكن من رؤيته، ما زالت صورة نهر العاصي إلى الآن كما حفظتها ذاكرتي من كتاب الجغرافيا".

قلعة الحصن، كنيسة السيدة أم الزنار، قصر الزهراوي، الكثير من الأماكن الأثرية لم تستطع دانا زيارتها في حمص، تقول: "لم نتخيّل أن الحرب ستهاجمنا. لو أدركنا ذلك لزرنا مدننا وتعرفنا على حضارتنا".

رحلة إلى حلب عبر التلفاز

تجلس بانة يومياً عند الساعة الخامسة مساءاً أمام التلفاز بانتظار مسلسل "خان الحرير"، تقول لرصيف22: "يأخذني المسلسل في رحلة إلى مدينة حلب بأسواقها القديمة وحاراتها ولهجة أهلها وعاداتهم وأغنياتهم ومأكولاتهم، أما صورتي الخاصة عن حلب فلم أستطع تكوينها لأني لم أزرها يوماً".

تسكن بانة خليل (20 عاماً) في مدينة اللاذقية، تتمنى لو زارت حلب (شمال غربي سوريا)، وسارت في شوارعها، وتعرّفت على أهلها، تقول: "ثمة تفاصيل صغيرة في الحياة لا يمكن لعين الكاميرا التقاطها، لا تستطيع الصورة نقلها، مثل صوت البائع في الطريق، رائحة الطعام، ملمس الأحجار، باختصار روح المكان".

"ثمة تفاصيل صغيرة في الحياة لا يمكن لعين الكاميرا التقاطها"

وتقول بانة: "بعد أن دمرّت الحرب حلب القديمة وسوق المدِينة، يؤسفني أنني لم أزرهما سابقاً، وأكوّن صداقات مع شابات وشبان من حلب، لا أعلم شيئاً عن عاداتهم وتقاليدهم سوى من المسلسلات، أكثر ما أتمنى تجربته حضور حفل للفنان صباح فخري وسط قلعة حلب، وتناول الطبق الحلبي الشهير "كباب بانجان" في أحد البيوت الحلبية الدافئة".

لم تكن تتخيل بانة أن الحرب قادمة، تقول: "حلب والرقة ودير الزور والحسكة، كلها مدن لا أعرف عنها شيئاً، الحرب لم تدمّر المدن فقط، بل دمّرت الانسان، وزادت المسافات بُعداً، حزينة لأنني سأغادر سوريا لأكمل دراستي في كلية الطب في الخارج، وأنا لا أملك في مخيلتي عن غالبية مدن بلدي سوى صور لأحياء دمرتها الحرب".


القامشلي عام 2012

أجراس الكنائس تُقرع في مدينة القامشلي (شمال شرقي سوريا) لتعلن صلاة ليلة الميلاد، يستعد نارام وعائلته للخروج إلى شوارع المدينة، والاحتفال بميلاد السيد المسيح، جميع الطرق مضاءة حتى الأشجار ملوّنة ولامعة وسعيدة.

يصف نارام سويد (21 عاماً) لرصيف22 صورة مدينة القامشلي ليلة الميلاد في العام 2012: "خرجت من القامشلي إلى اللاذقية في فبراير 2012 أي بعد احتفال الميلاد بشهرين، كان عمري 14 عاماً، لم تنتظرني الحرب لأكتشف مدينتي، كل ما أعرفه هو الحيّ الذي كنت أسكن فيه، ومدرستي، عندما عدت في العام 2016 تمنيت لو لم أعد".

ويقول: "تمنيت بعد زياتي القامشلي لو احتفظت بصورة الميلاد وبأصوات الأجراس وصلوات الكنائس، حزنت لأن كل من كانوا يصلون معي أصبحوا الآن في ألمانيا والسويد، نظرت إلى حارتي فرأيت وجوهاً غريبة لا أعرفها. بحثت عن الياسمين فلم أجده، ولم أجد شيئاً سوى الظلام، ولم أسمع سوى حديث واحد يتداوله الناس، إنه حديث الحرب".


رهبة المكان وجبروته

"بيقولوا إذا المكان قريب عليك أو موجود بمحيطك ما بتفكر تزوره.. بتقول لحالك الأيام جاية."، تجسد تلك الكلمات قصة الناشط والمهتم بالشأن الثقافي، جهاد يوسف (49 عاماً)، مع مملكة تدمر الأثرية التي تبعد حوالي 160 كيلومتراً عن مدينة حمص، يقول لرصيف22: "أشعر بالأسف لأنني لم أزر مملكة تدمر قبل الحرب، لم اتخيل نفسي أشاهد معالمها الأثرية مدمّرة على يد تنظيم داعش".

ويضيف: "زرت مملكة تدمر في العام 2016، سرت في الشارع المستقيم الذي قادني إلى المسرح الأثري ثم إلى معبد بعل شمين، وتمثال قوس النصر اللذين فجرهما تنظيم داعش في العام 2015. رغم الدمار شعرتُ برهبة المكان وجبروته، راودني إحساس بأن زنوبيا بكبريائها وعزتها ترعى مملكتها".

يعود جهاد بذاكرته إلى سنوات ما قبل الحرب: "في العام 2009 كانت سوريا تكتظ بالسياح، رأيت أكثر من سائح يحمل في يده كتاباً باللغة الانجليزية يحتوي على معلومات عن أماكن أثرية في سوريا نحن لا نعرفها، لكن ضعف السياحة الداخلية في بلدنا قبل الحرب، والظروف الاقتصادية بعدها، حرما السوري الوصول إلى درجة من الرفاهية تمكّنه من زيارة الأماكن الأثرية في بلاده".

"لم نتخيّل أن الحرب ستهاجمنا. لو أدركنا ذلك لزرنا مدننا وتعرفنا على حضارتنا"

يتخيل هشام بيطار نفسه واقفاً على جسر دير الزور المعلّق بين ضفتي نهر الفرات، ومعه صديقة تقول له: "ابتسم للكاميرا.. واحد.. اثنان.. ثلاثة"، ثم تلتقط صورة له فوق الجسر الذي لم يعد موجوداً.

يقول بيطار (يعمل مترجماً محلّفاً للغة الفرنسية) لرصيف22: "جسر دير الزور المعلّق دمرته الحرب، لكن صورته عالقة في مخيلتي وفي مخيّلة جميع السوريين، حزنت عندما قرأت خبر تدميره، إنه رمز مدينة دير الزور. حزين لأنني لم أزره قبل الحرب".

الجزيرة

يهوى هشام (60 عاماً) تراث الجزيرة السورية الموغل في القدم، وأغانيها وموسيقاها المستمدة من تنوع سكانها العرقي والاثني، يقول: "أجمل أنواع الموسيقا الفراتية هي الميجنا، تمنيت لو حضرت حفلة زفاف في قلب مدينة دير الزور حتى أرى لباسهم التقليدي وأسمع صوت الربابة. كل ما أسمعه الآن هو أخبار الحرب من هناك".

"يا ظريف الطول غيرك من إلي، وإن سقوني الصبر من إيدك حلي.. من بعد ما كان السلام مواصلي.. يا حسرتي صار الورق مرسالنا.."، يدندن هشام، ثم يقول: "تختصر هذه الأغنية الفراتية حال الجزيرة السورية، وحال السوريين الذين غافلتهم الحرب، ودمّرت تراثهم قبل أن يتعرفوا عليه".

يشار إلى أن الحرب في سوريا بدأت في العام 2011، وما زالت مستمرة، دُمّرت خلالها العديد من المدن، وتعرضت الآثار للسرقة والتفجير، وغادر معظم السوريين مدنهم، وغيّرت الحرب الوجوه والأماكن والإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard