الأولوية لأصحاب "التنسيقات"... طريق أبناء غزّة للعبور إلى مصر عبر الرشوة

الأربعاء 24 أبريل 201905:58 م

قبل اتخاذها قرار دفع مبلغ 2000 دولار مقابل الحصول على تنسيق خروج عبر معبر رفح البري، عاشت السيدة جيهان عودة برفقة أطفالها الثلاثة أياماً طويلة من الانتظار على قائمة المسافرين الغزيين التي سُجلت ضمن كشوفاتها.

انتظرت ثلاثة أشهر "مملة" سادتها أجواء يأس وخوف من ضياع فرصة اللحاق بزوجها الذي سافر إلى ماليزيا قبل سنتين لنيل شهادة الدكتوراه، وفقاً لحديثها.

تروي عودة (34 عاماً) لرصيف22 أنّها تمكنت من السفر بعد يومين فقط من دفعها المبلغ المذكور لسمسار يعمل في مجال "التنسيقات" المصرية، معترفةً بأنّ ما فعلته أمر غير قانوني وقد يكون على حساب مسافرٍ ينتظر على كشوفات المسافرين منذ فترة طويلة، لكنّها تبرر تصرّفها بالقول إنّ هذه هي الطريقة الوحيدة، ولم يكن أمامها خيار سواها، إلّا الانتظار لأشهر أخرى وقد تكون النتيجة في النهاية سلبية.

قصة عودة ليست وحيدة. هي ضمن آلاف القصص لأشخاص من قطاع غزّة تحطمت آمالهم على بوابة المعبر الذي يفصلهم عن مصر وكثيراً ما صار يغلق بوابته في وجههم، منذ عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

تكرار إقفال المعبر وتعقيدات عبوره أجبرت كثيرين من أبناء غزة على اللجوء إلى التنسيقات المصرية التي يشرف عليها ضباط مخابرات مصريون، بالتعاون مع سماسرة مقيمين في القطاع وخارجه.

و"التنسيق" هو مبلغ مالي يدفعه الفلسطينيون للضباط المصريين عبر وسيط لتسهيل سفرهم، وهو رشوة مقابل وضع أسمائهم على قائمة تسمّى بـ"التنسيقات"، ما يسمح لهم بالدخول إلى مصر، وهو وسيلة يتربّح منها ضباط الحدود المصريون مستغلين حاجة أبناء غزة المُلحّة للسفر.

وأمام الفلسطينيين طريقتين للمرور عبر معبر رفح: الأولى قانونية، وهي تسجيل أسمائهم في كشوفات وزارة الداخلية، وهي عملية تحتاج إلى ثلاثة أشهر على الأقل؛ والثانية هي غير قانونية، وهي وضع أسمائهم على قائمة التنسيقات، ما يمكّنهم من دخول مصر خلال 48 ساعة.

وعليه، تسافر عبر معبر رفح فئتان: الأولى، هي فئة المسافرين العاديين المسجلين عبر وزارة الداخلية؛ والثانية هي فئة حاملي التنسيقات ويرسل الجانب المصري أسماءهم مع نهاية كل يوم إلى الجانب الفلسطيني، في ملف يعرف باسم "كشف التنسيقات"، ويُسمح بمرورهم في صبيحة اليوم التالي.

ويُعطى حاملو التنسيق أولوية في السفر خلال أيام عمل المعبر، إذ يشترط المصريون مرورهم قبل المسافرين العاديين، وبحال لم يلتزم الجانب الفلسطيني بالأمر قد يغلق المصريون المعبر.

كيف يحصل المسافرون على التنسيق؟

عن الآليات التي يمكن من خلالها أن يحصل الغزيون على تنسيقٍ للسفر يقول السمسار إياد محمود، 48 عاماً، إنّ ذلك يتم بالتواصل مع السماسرة أو مكاتب السفر التي تعمل في هذا المجال، وكذلك عن طريق الاتصال بضباط مصريين أو شخصيات سياسية وازنة، أو قيادات فلسطينية مقربة من المخابرات المصرية، ويقصد هنا الأشخاص المحسوبين على القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان.

ولكنّ مؤيدي دحلان يعتبرون أن أمر التنسيقات يعود بالأساس إلى العلاقات والمعارف ويشيرون إلى أنّ أي شخص تربطه علاقة جيدة بالمخابرات المصرية يمكنه التنسيق للمسافرين بسهولة تامّة.

ويوضح إياد محمود لرصيف22 أنّ عشرات آلاف الفلسطينيين العالقين في القطاع يلجأون إلى التنسيقات التي لا تتم إلّا في الأيام التي تُقرر فيها مصر فتح المعبر، ومستعدون لدفع أيّة مبالغ مالية مقابل تسهيل سفرهم لإتمام مصالح معينة، مشيراً إلى أنّ السلطات المصرية قامت في الأوقات التي سبقت عملية انتظام العمل في المعبر بفتحه لأيامٍ محددة كان الهدف منها فقط هو عبور أصحاب التنسيقات.

ووفقاً لمحمود، يدفع الراغب بالسفر نصف المبلغ للسمسار، خلال لقاءٍ وجاهي أو عبر وسيط محلي أو شركات معاملات مالية دولية، ويُلزم بدفع المبلغ المتبقي بعد أنّ تتم علمية السفر بنجاح وتكون عملية الدفع الثانية إمّا للضابط المصري المتواجد على المعبر والذي يكون مرتبطاً بطبيعة الحال مع السمسار الفلسطيني، أو عبر شخصٍ متواجد في القطاع معلوم لدى الطرفين ويتم إيداع باقي المبلغ لديه ويسلمه للمنسق في حال نجاح أمر السفر.

تكلفة عالية

يبيّن السمسار مصطفى علام، 59 عاماً، أنّ تكلفة التنسيق الواحد تتراوح في الفترات التي يُغلق فيها المعبر لفترة طويلة بين 2000 حتّى 5000 آلاف دولار للشخص الواحد، وتنخفض في الأوقات التي تشهد انتظاماً في عمله لتبلغ حوالي 1500 دولار، وقد يكون الرقم أقل من ذلك في بعض الحالات، مشيراً إلى أنّ حصة السمسار هي حوالي 20% من مبلغ التنسيق فقط.

ويلفت إلى أنّ أكثر الفئات التي تلجأ إلى التنسيق هم الطلبة الذين يخافون ضياع مقاعدهم الدراسية وأصحاب المصالح والأعمال، إضافة إلى الأشخاص المضافين على قائمة المنع من السفر المصرية، والذين يضطرون لإصدار تنسيقٍ خاص تبلغ تكلفته على الأقل خمسة آلاف دولار ويطلق عليه اسم "دون العرض"، ويعني أنّ المسافر الذي يحمله يمرّ عبر الحدود وصولاً إلى مطار القاهرة بدون أن تراجع أوراقه أجهزة المخابرات المصرية.

ويذكر أنّ أمر التنسيقات كان في السابق يتم بسرية بعيداً عن أعين وزارة الداخلية الفلسطينية، أمّا اليوم فصار أكثر سهولة، لافتاً إلى أنّ شركات خاصّة بالسفر أضحت تنشر إعلانات عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج فيها لخدمات توفير التنسيقات، وتتنافس في ما بينها لاستقطاب المسافرين، من خلال تقديم عروض تنافسية في الأسعار وضمانات في قوة التنسيق.

ومؤخراً، نشر مكتب "اليوسف" لخدمات السفر عبر صفحته على فيسبوك إعلاناً عن تخفيض سعر التنسيق للفرد الواحد إلى 950 دولاراً، وجاء في تفاصيل الإعلان أن التنسيق يصدر خلال 48 ساعة فقط، وهو مضمون بنسبة 100%، وأبدى المركز استعداده لتقديم الضمانات اللازمة لحفظ حق المسافر في استرجاع ماله بحال فشلت العملية.

حالات نصب واحتيال

لا يخلو ملف التنسيقات القائم على فكرة "الرشوة" من النصب على المسافرين، ورصد رصيف22 عدداً من الحالات التي واجهت احتيال السماسرة.

يروي محمد شاهين، 28 عاماً، وهو شاب كان مضطراً للسفر إلى تركيا خلال شهر أغسطس 2018، أنّه تعرض لعملية نصب، إذ اتفق مع منسّق (سمسار) على أن يدفع له مبلغ 1400 دولار مقابل تسهيل عملية سفره، وطلب منه الأخير دفع نصف المبلغ قبل موعد السفر بخمسة أيام، وفعلاً قام بذلك عبر شركة معاملات مالية دولية، وأكد له السمسار استلام الحوالة هاتفياً.

يقول شاهين لرصيف22: "انتظرت بعد دفع المبلغ اتصالاً آخر من المنسق حسب اتفاقنا، لكنّ ذلك لم يحدث وأغلق هاتفه، وبقيت منتظراً رنة هاتفي في الأيام الخمسة على أحر من الجمر، وبعد انقضائها تيقنت تماماً أنّي تعرضت لعملية نصب"، مضيفاً: "لم أتمكن من تقديم أيّة شكوى لأنّه لا يوجد ما يتبث حقي".

وهناك حالات يكون فيها المنسق داخل القطاع، وفي حالات أخرى يكون على الأراضي المصرية، فيحوّل له طالب التنسيق المال عبر شركة معاملات مالية أو من خلال مكاتب صيرفة لها فروع في غزة ومصر.

لا يختلف حال شاهين عن الشابّ عصمت أبو الخير، 23 عاماً، الذي حاول كثيراً الهجرة من قطاع غزّة عبر المنفذ البري المصري خلال العامين الماضيين، ما أوقعه أكثر من مرة "فريسةً" سهلة للمنسقين الذين احتالوا عليه مرّتين، خسر في الأولى 500 دولار وفي الثانية 350 دولاراً.

دور وزارة الداخلية

يشير السمسار محمود إلى أنّ وزارة الداخلية الفلسطينية شرعت في أوقاتٍ سابقة باتخاذ إجراءات من شأنها تنظيم العمل بالتنسيقات، ويذكر منها إجبار المنسقين (السماسرة) الذين كانوا يعملون بشكلٍ فردي على التعامل مع مكاتب سياحة وسفر مرخصة، لأنّ ذلك أضمن لحقوق المسافرين، ويضيف أنّها أيضاً أجبرت بعض المنسقين في أحيان كثيرة على توقيع أوراق التزامات وتعهدات مالية تفيد باستلامهم مبالغ من المسافرين.

المرور من غزة إلى مصر عبر معبر رفح عن طريق دفع رشاوي... كان الأمر سابقاً يتم بسرية أمّا اليوم فصار أكثر سهولة، وصارت شركات سفر تنشر إعلانات تروّج فيها لتوفيرها هذه الخدمة...
بعد يومين فقط من دفعها مبلغ 2000 دولار لسمسار، تمكنت جيهان عودة (34 عاماً) من السفر من غزة إلى مصر... ما هي قصة "التنسيقات" التي تسمح للغزيين بمغادرة قطاع غزة؟

حاول رصيف22 التواصل مع وزارة الداخلية للحصول على تفسيراتٍ للادعاءات التي أوردها السمسار لكنّه لم يجد ردّاً على اتصالاته المتكررة. ولكنّ عقيداً في جهاز الشرطة رفض كشف اسمه أفاد بأن وزارة الداخلية عملت في الفترة السابقة على "مجموعة إجراءات هدفها الأول هو الحد من عمليات النصب التي قد يواجهها المسافرون عبر طريقة التنسيقات".

وكان رئيس هيئة المعابر والحدود السابق في غزة ماهر أبو صبحة قد وصف، عبر صفحته على فيسبوك، قضية التنسيقات بالجريمة، وناشد النائب العام للعمل على محاربتها بقوة، وطالبه بضرورة العمل على معالجة الأمر فوراً وسن قوانين تجرّم مرتكبيه الذين "يتاجرون في معاناة الشعب"، على حد تعبيره.

وذكر أبو صبحة أنّه لم يستطع محاربة هذه الجريمة وهو في منصبه لأنّها كانت أكبر منه ولعدم وجود قانون يجرّم مرتكبيها، مبيّناً أنّ الهيئة لديها ملف بأسماء المنسقين والمكاتب العاملة في جميع المحافظات.

ووجه أبو صبحة اتهاماً لشخصيات محسوبة على السفارة الفلسطينية في القاهرة، وقال "إنّها هي مَن تقف خلف موضوع التنسيقات وتتولى مهمة تنفيذه من خلال بعض عناصر السلطة المتواجدين في قطاع غزّة".

بدوره، قال مصدر مطلع في معبر رفح البري لرصيف22 إنّ الآلية التي يعمل بموجبها المعبر ما زالت على حالها، منذ قرار فتحه، منتصف العام الماضي، موضحاً أن عملية السفر ما زالت تسير ببطء شديد وعدد المسافرين لا يتجاوز الـ400 شخص يومياً، نصفهم تقريباً من أصحاب التنسيقات.

وأشار إلى أنّ العمل في المعبر لم تختلف طبيعته بعدما تخلّت السلطة عن إدارته لصالح حركة حماس، بداية العام الجاري، عقب دخول تفاهمات المصالحة الداخلية في طريقٍ مسدود، منوهاً إلى أنّ الجهد يجري في الوقت الحالي من أجل زيادة أعداد المسافرين عبر المنفذ البري ليبلغ حده الأقصى خلال الفترة القادمة.

يؤكّد الباحث الحقوقي محمد أبو هاشم أنّ الحق في حرية الحركة والتنقل مكفول في الاتفاقات الدولية وفي القوانين المحلية، ويضيف لرصيف22 أنه "لا يجوز لأيّة جهة تقييد ذلك الحق بأيّة قيود كانت إلّا بحال توفر سبب قانوني أو أمني كافي".

ويشير إلى أن "التنسيقات" هي جريمة وفقاً للقانون المصري، والمعالجة القانونية لها تعود بالأساس إلى الدولة المصرية، لأنّ الجريمة يرتكبها موظفون لديها يستغلون سلطاتهم في العمل من أجل تحقيق مصالح شخصية.

ويبيّن أنه لا يمكن اتخاذ أي إجراء قانوني بحق السماسرة الغزيين لأنّهم مجرد وسطاء، ولا تنطبق عليهم شروط الرشوة وذلك لسبب واحد هو أنّهم ليسوا موظفين عامين، ولا يستغلون أيّة سلطات حكومية لتحقيق منافع خاصّة بهم، مستدركاً: "ولكن يجب محاسبتهم في حال ثبوت تورطهم في قضايا نصب واحتيال على المواطنين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard