"الكيف مناولة مش مقاولة"... جولة في المعجم الخاص للحشاشين في العالم العربي

الثلاثاء 9 فبراير 202103:12 م

"بينما كنت منهمكة في العمل ذات يوم سبت، كنت محاطة بمجموعة من زملائي الشباب، دار بينهم حوار لم أفهم منه شيئاً، رغم أنه باللهجة العامية التونسية، تتخلله بعض الكلمات الغريبة، التي لم توضع في سياقها المألوف، ما فهمته أنهم يخططون لشيء ما، الأمر الذي جعلني أتوقف برهة عن العمل، وأسألهم عما يتحدثون"، تقول هاجر (27 عاماً) تعمل في شركة اتصالات لرصيف22.

"سكتوا لوهلة من الزمن، مع تبادل نظرات غريبة بينهم ثم انفجروا ضاحكين، وقال لي أحدهم هذا حديث رجال لن تفهميه، لكني لم أستسلم، فالفضول كاد يقتلني، وانتظرت حتى غادر اثنان منهم المكان".

"إنهم يخططون لجلسة حشيش".

"سألت مالك، وهو أقرب صديق لي بينهم، فقال لي إنهم يخططون لجلسة حشيش، وما سمعته هي كلمات تستخدم لإبعاد الشبهات"، تضيف هاجر.

ولا تزال المخدرات أو الحشيش أو القنب الهندي كما يسمى باللغة العربية الفصحى من المحظورات في المجتمعات العربية، وهو فعل يعاقب عليه القانون، ناهيك عن كونه محرم دينياً، ومرفوض أخلاقياً.

رغم ذلك فإن معدلات استهلاكه ارتفعت بشكل كبير، وصل عدد المستهلكين في مصر إلى 9 ملايين شخصاً، وبلغ عددهم 24 ألفاً في لبنان، و200 ألفاً في السعودية، و5 آلاف في عمان، و400 ألف في الجزائر، وأكثر من 300 ألف في تونس، و70 ألفاً في الكويت، و32 ألفاً في فلسطين.

"فومو"

عندما تستمع إلى أحاديث الشباب في اجتماعاتهم وسط الحارة أو في العمل أو الجامعات، فلا تعجب إن لم تفهم عما يتحدثون بالضبط، لأنهم خلقوا معجماً خاصاً بتناول الحشيش أو "الزطلة"، كما تسمى في تونس، ومعناها اللذة، والنشوة.

يقول وليد (30 عاماً) عاطل عن العمل، لرصيف22: "نستخدم كلمات خاصة بنا، كي لا نقع في مشاكل إن سمعنا أحدهم صدفة، فالجميع كما تعلم يرفض رفضاً قاطعاً التسامح مع متعاطي المخدرات، أياً كانت صفته، فإن المجتمع ينبذه".

وعند سؤال وليد عن بعض تلك المصطلحات اللغوية الخاصة، رفض، وقال ضاحكاً: "اسمها لغة سرية، فكيف تطلبون مني البوح بها، ثم إن مقالك قد يقرؤه والدي".

لكن إسكندر، صديق وليد، أراد أن يمدنا ببعض العبارات، التي يستخدمونها، مخاطباً صديقه: "لماذا أنت خائف؟"، ثم استدرك قائلاً: "للزطلة أو الحشيش مصطلحات كثيرة، تختلف باختلاف المناطق حتى داخل المحافظة الواحدة، فهنا في العاصمة مثلاً نسميها لعبة أو فومو أو "وان"، وغيرها من المفردات التي اخترعها مستهلكو الماريغوانا لإبعاد الشبهات، وحتى لتهذيب الكلمة، حيث من العيب قولها مباشرة أمام البنات أو الأطفال الصغار".

وتوجد عبارات أخرى في أغاني تونسية حول "الزطلة"، مثل "جونتة"، وتعني سيجارة "الزطلة"، و"اكمي اكمي" أي دخّنها بشراهة ولا تكترث لما حولك.

"حنضرب إمتى؟"

في العالم العربي أيضاً، اخترع مستهلكو القنب الهندي "شفرات" يتواصلون عبرها فيما بينهم، حتى أصبحت معجماً خاصاً، تتناقله الأجيال رغم الاختلاف الطفيف في التسميات، بحسب المناطق والبلاد.

في مصر مثلاً بدلاً من أن يقول الشباب "هنشرب حشيش"، يقولون "هنضرب"، وبدلاً من "لف لي السيجارة"، يقولون "اعمل لي خابور" أو "غرقانة" أو "جوان".

يقول هاني، اسم مستعار (30 عاماً)، يعمل كهربائي في محافظة حلوان، لرصيف22: "مثلاً إذا أراد أحدهم شراء الحشيش دون لفت الانتباه، يقول لصاحبه "هتلي ربع سنتي"، وهي حتة لا تتعدى عقلة الإصبع، ولا يتجاوز سعرها المائة جنيه، ويقول "هنجيب بفرة" (وهي الورقة التي تلف داخلها الحشيش) وهناك من يستخدم كلمة "تذكرة بودرة" عند الطلب يعني كمية كبيرة شوية".

"تتعدد المسميات حسب المناطق، وتختلف حسب نوعية الحشيش أيضاً، ولعل أهمها مصطلح “سنوات الضياع“ و“هيدا حكي“

ويضيف هاني ضاحكاً: "عند استيقاظ أحد المحششين صباحاً يقول أنا ضارب اصطباحة، أو أنا مصطبح، وهذه الكلمات، وبعضها باتت شائعة، إلى الدرجة عندما يشك أحد أفراد الشرطة في شخص في الشارع، يسأله: هو انت مصطبح".

يتفق علي (اسم مستعار) مصري مقيم في قطر (33 عاماً) ورفاقه، على "قعدة" أو "اصطباحة" كما يسمونها، ويطلب أحدهم من الديلر (بائع الحشيش) الأجنبي الذي يسمي الحشيش "بلاك" أي أسود، والماريغوانا الخضراء اسمها "جرين"، و"جوينت" تطلق على السيجارة "الملفوفة"، وهي أيضاً "جوب".

ويقول محمد لرصيف22 إن باعة الحشيش تارة يقومون بالتحايل على الزبائن، فنوصي بعضنا حينها بمقولة "سجعية ما تديش كاش غير لما تشوف الهاش"، و"الهاش" هو اسم "دلع" لسيجارة الحشيش في مصر، ويطلقون عليها "بوب" أيضاً، وهو اسم مقتبس من اسم الفنان بوب مارلي لأنه كان يظهر بسيجارة كبيرة.

ولا تقتصر المصطلحات الخاصة بالحشيش على أسماء السيجارة فقط، بل هو معجم متكامل، فالجلسة مثلاً تسمى "قعدة"، يقولون "هنقعد أو هنسهر أو هنصطبح"، ويطلقون على السيجارة ذات الجودة العالية "ستافة حلوة" أو "الكارفة الحلوة"، و"بسكوتة"، و"ملبن"، وهي أسماء لن يفهم معانيها الدقيقة غير متذوقيها، بحسب اللون، والرائحة، والتأثير، وإذا كانت سيئة يقال عنها "مضروبة" و"مهروشة"، وهي مصطلحات تجسدت أيضاً في الدراما والسينما، وأبرز تلك الأعمال فيلم "الكيف" إنتاج 1985، للمخرج علاء عبد الرازق، والمؤلف محمود أبو زيد، وتمثيل يحيى الفخراني، ومحمود عبد العزيز، ونورا.


"اللي يرول يولّع"

عادة ما يسود الضحك جلسات الحشيش، خاصة إذا كان أحد الجالسين يجرب لأول مرة، فلا يستطيع التحكم في تصرفاته، مما يثير ضحك رفاقه، يقولون عنه في مصر "بيسقَّط" أو "مأفور"، ويقولون "مهبط" عن الذي تعب من التدخين، واصفر وجهه، وانفلتت تصرفاته.

ولجلسات الحشيش قوانين تصاغ بلغة خاصة، فمن يشرب بأنانية يقولون له "باصي يمين" أو "باصي شمال" على حسب مكان المتحدث، ويطلقون المثل الشائع "الكيف مناولة مش مقاولة"، أي أن من يتكيفون من الحشيش عليهم أن يكونوا معطائين، ويقولون "اللي يرول يولع"، أي من لف السيجارة يجب أن يشعلها، وعن الأكلات التي تقلل من تأثير الحشيش، مثل الشطة، يقولون عنها "دي حتفصلنا"، أي ستوقف مفعول العقار.

ولكميات المخدرات أيضاً معجم خاص، فقديماً كان الكيس الكبير يسمى "تربة"، وأصبح اليوم يسمى "أوقية" و"ربع أوقية"، و"صنتي" ويقولون "الخمسات" و"السبعات" عن ضغط الكيس، وطريقة التقطيع حسب العرض.

"سنوات الضياع"

تتسم بعض المفردات التي اخترعها مستهلكو الحشيش بالطرافة أحياناً، وهي عبارات مستوحاة من أشياء لا علاقة لها بالمخدرات في سبيل التمويه والمغالطة.

يقول أحمد (25 عاماً) اسم مستعار من الأردن، ضاحكاً: "تتعدد المسميات حسب المناطق، وتختلف حسب نوعية الحشيش أيضاً، ولعل أهمها مصطلح “سنوات الضياع“ أو مصطلح “هيدا حكي“، فالأول اسم مسلسل تركي، ذاع سيطه في العالم العربي، والثاني اسم برنامج تلفزي لبناني، وكلاهما لا يمتان للحشيش بصلة، وهو ما يجعلها مصطلحات مبهمة وسرية".

"واسم "رأفت" الذي يطلق هو الآخر على لفة الحشيش، ولا أدري لماذا "رأفت" تحديداً لكنه اسم متداول بين الشباب هنا".

أما في أهواز إيران فيطلقون على اسم الحشيش "الورد" أو "العلف" كمصطلحات سرية بين الشباب، بينما تسمى “نواشف“ في العراق، كما تحدث وسام (36 عاماً) لرصيف22، يعمل في مطعم، يقول ضاحكاً: "سميت نواشف لأنها ليست من ضمن المشروبات، وهو إبداع وعمق لغوي، ثم إن هناك فتوى تجيز استهلاكها لهذا السبب تقريباً".

يطلقون في مصر مثلاً شائعاً "الكيف مناولة مش مقاولة"، أي أن من يتكيفون من الحشيش عليهم أن يكونوا معطائين

وينتشر استهلاك نبتة "القات" في اليمن بشكل كبير، وهي إحدى النباتات المخدرة التي تنبت في شرق أفريقيا واليمن، وتحتوي على "مونوامين" شبه قلوي، يدعى "الكاثينون"، وهو شبيه بأمفيتامين منشط، ويؤدي استهلاكها بكثرة إلى الإدمان عليها، لكنها لا تعد من المحظورات الاجتماعية.

يقول حسن اسم مستعار (31 عاماً) من صنعاء: "نحن مجتمع محافظ، وجميعنا نتناول نبتة القات، لأنها لا تذهب العقل، فهي مثل مشروبات الطاقة أو النسكافيه، نتناولها لتزيد من قدرتنا على العمل، ومقاومة النوم، لكن هذا لا يمنع أن اليمن منطقة عبور الحشيش، الذي يأتي به المهربون عبر الساحل، ويسفرونه للسعودية، وله مصطلحات سرية خاصة به مثل: التخميسة، أو صاروخ أو بقطة، وفي السعودية سمعت أنهم يسمونها المزاج".

ويرى المختص في علم الاجتماع، الدكتور نجيب أبو طالب، انتشار المصطلحات السرية في عالم الحشاشين، "منطبقة على مجالات عدة اجتماعية عربية، وفي العالم أجمع، وذلك يعود إلى أسلوب تخفي لدى فئة معينة، تخلق لغة رمزية خاصة بها، مثل تلك التي يستخدمها المهربون، ومستهلكو المخدرات وغيرهم، للهروب من التبعات القانونية، والضوابط الاجتماعية والدينية"، بحسب حديثه لرصيف22.

ويذكّر  أبو طالب بما سماه عالم الاجتماع الألماني كوفمان "طقوس العبور"، وجاء فيه أن "المجتمع الضيق أو الموسع يخلق رموزه وطقوسه للعبور للقيام بمهامه دون التعرض للفضح أو الكشف، ويكون هناك نوع من الاتفاق عليها، وهي كلمات ومصطلحات لها دلالات لا يعرفها الإنسان العادي، الذي لا ينتمي إلى تلك المجموعة، وتنطلي هذه اللغة الرمزية على المراقبين والشرطة والمربين، وهي شكل من أشكال التواصل، تفضح أحياناً، لكنهم يجددونها، ويبتكرون مصطلحات جديدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard