"الغريق يتعلق بغريب"... شبان أردنيون يبوحون لغرباء عن همومهم النفسية

الأربعاء 10 فبراير 202103:11 م

قرابة خمس عشرة دقيقة من التفكير المصاحب للتردد والخوف من العواقب، استغرقتها الشابة الأردنية ابتسام (29 عاماً)، وهي "تضرب أخماساً بأسداس"، وتسأل نفسها ما إذا كانت ستندم لأنها ستزيح حملاً ثقيلاً مستوطناً في قلبها المثخن بالهم والقهر والحزن.

تلك الخطوة التي ترددت ابتسام بتحويلها إلى خطة تنفيذ، كانت فكرة راودتها، وفق حديث لها مع رصيف22، عندما كانت جالسة قبل حوالي الشهرين، بصحبة حاسبها المحمول، في واحد من مقاهي العاصمة عمّان، وأثناء انشغالها بعملها، لمحت على طاولة مقابلة شاباً من جيلها، ترجح أنه أصغر منها، يجلس وحيداً أيضاً بصحبة هاتفه الذكي.

نظرت إليه بعين الشك، وسألت نفسها كما تقول: "لم لا؟ هل من الممكن أن يكون هذا الغريب وسيلة أستغلّها لأنفّس عما يجول في قلبي وعقلي من أمور؟ أليس من الممكن أن يكون جسراً أعبر منه لتتحسن نفسيتي المتعبة؟ حسناً سأجرب مهما كانت عواقب تلك الفكرة (المجنونة)".

سلوك طريق البوح للغرباء قد يكون شكلاً جديداً للبحث عن خلاص من هموم نفسية.

الفكرة المجنونة كما وصفتها ابتسام، وآخرون تحدثنا إليهم، تتمثل بسلوك طريق البوح للغرباء عن هموم ومنغصات نفسية، والجلوس في أماكن عامة مع أشخاص يتم انتقاؤهم حسب قوة الإحساس والحدس ولغة العين، بحيث تكون تلك الطريقة شكلاً جديداً للبحث عن الخلاص من هموم نفسية.


لست معجبة بك وإنما أريد الحديث فقط

ربما تكون تجربة ابتسام، التي فضّلت الحديث باسم مستعار، مدخلاً لتوضيح ماذا يعني أسلوب البوح للغرباء، فعودة لقصتها وهي جالسة في ذلك المقهى، تنظر للشاب في الطاولة المقابلة، وبعد أن حسمت مصير معركة ترددها، قررت تنفيذ الخطة. تقول: "ذهبت إلى طاولة الشاب وصبّحت عليه. طبعاً هو اعتقد أننا نعرف بعضنا، حتى إنه خجل وهو يحاول أن يتذكرني. داهمت خجله واستفساراته التي كانت ظاهرة في ملامح عينيه وحركات رأسه وقلت له: اطمئن لا أنت تعرفني ولا أنا أعرفك، هل تسمح لي بالجلوس بضع دقائق معك؟".

"هنا أحسست بأنه شعر وكأنه ملك"، تضحك وتتابع: "وافق فوراً على عرضي، حتى أنني، كما نقولها بالعامية، شعرت أنه (كبر راسه) لأن صبية بادرت نحوه، وربما اعتقد أنني أعجبت به فأجهضت تساؤله الداخلي فوراً".

وتضيف في سردها لذلك المشهد: "قلت له: اسمع، أنا أعلم أنك ربما ستعتقد بأنني فتاة مجنونة، لكن راودتني فكرة بالصدفة وأنا جالسة أمامك. قرأت ذات مرة مقالاً تناول الأثر الجيد والطيب عندما يتحدث أشخاص مع غرباء وينفسون لهم عن همومهم، وبصراحة قررت خوض التجربة لأول مرة معك، لكن وفي حال قبلت عرضي هناك شروط، هل أنت موافق؟".

ماذا كانت الشروط؟ سألنا ابتسام وأجابت: "قلت له: قبل أن أبدأ سرد مشكلتي، علينا أن نتفق بألا يعرف أحدنا اسم الآخر أو أي شيء يخصّه، كمكان أو طبيعة عمله، وبعد أن تنتهي جلستنا لا نتبادل الأرقام. ضحك وبعد أن أشعل سيجارة قال لي: حاضر، أبشري".

كما حرصها بألا يعلم ذلك الشاب أي تفاصيل شخصية عنها، كانت ابتسام حريصة في حديثها معنا بألا تذكر المشكلة التي كانت بمثابة الهم الثقيل عليها. اكتفت بالقول إنها مشكلة عاطفية، فشلت كل محاولاتها في "الشفاء" منها، وأضافت: "استغرقت جلستي مع الشاب حوالي الساعة والنصف، لا يمكن وصف الشعور المريح الذي صاحبني خلالها، ليس لأنه شخص مريح، فأنا لا أعرفه، لكنها فكرة الحديث مع شخص غريب لن يطلق الأحكام عليك ولن يلومك أو يعاتبك أو يقول الكلمة التي أكرهها 'لو إنك ما... '. ارتحت كثيراً، حتى أن دموعي انهمرت أكثر من مرة وأنا أتحدث، وكان الشاب يقابلها بإعطائي مناديل ورقية".

هل من الممكن أن يكون هذا الغريب وسيلة أستغلّها لأنفّس عما يجول في قلبي وعقلي من أمور؟ أليس من الممكن أن يكون جسراً أعبر منه لتتحسن نفسيتي المتعبة؟ حسناً سأجرب مهما كانت عواقب تلك الفكرة المجنونة

ما الذي أوصلك لهذه الطريقة في البوح؟ سألت ابتسام، وأجابت: "طرقت أبواباً كثيرة حتى أتعافى من الأثر النفسي الذي سببته مشكلتي العاطفية. ذهبت لأخصائي نفسي، وكنت أتابع فيديوهات على يوتيوب تتعلق بطرق الخروج من صدمات نفسية، وبالطبع كنت أفضفض لأصدقائي، لكنهم كانوا يلومونني ويطلقون الأحكام علي في كثير من الأحيان، لذلك اتبعت تلك الطريقة الغريبة ولست نادمة عليها".

"طبعاً لا"، قالتها مع ضحكة عالية، عندما سألتها ما إذا كانت طريقة البوح لغريب قد جعلتها تتعافى من مشكلتها، وأردفت: "لم أتعاف، لكنني أشكر ذلك الشاب في كل مرة أشعر فيها بوجع قلبي، أشكره لأنه احترم أنه من الطبيعي أنني ما زلت أتألم على ماض أتمنى أن أنساه، ولم يقل لي العبارة الشهيرة: ما أهبلك!".


الهموم مشتركة حتى مع الغرباء

حكاية ابتسام التي تعرفت إليها في صالون نسائي، ذكرتني بقصة سردها زميل سابق، ووافق على مشاركة حكايته مع رصيف22.

اسمه هاني الباعوني (33 عاماً)، وروى تجربته وأسبابها: "منذ تخرجي من المدرسة، لم ألق أصدقاء مقربين مني كما أصدقائي في المدرسة، إذ كانت وما تزال علاقتنا قوية جداً كأننا أسرة، لكن أغلبهم درسوا الجامعة خارج الأردن، وعندما عاد بعضهم إلى هنا، تزوجوا وانشغلوا بحياتهم الزوجية ومتطلباتها، في حين أنني لم أدرس في الخارج ولم أتزوج بعد، ولم أجد أشخاصاً أشعر بالارتياح في الحديث معهم مثل أصدقاء المدرسة".

وأضاف: "فكرة البوح لغرباء لم تكن صدفة، بل خططت لها ونفذتها ثلاث مرات مع شابين وشابة، وجميع تلك التجارب كانت في مقاهي 'كوفي هاوس'، حيث غالباً من يكون هناك في فترة الصباح هم أشخاص من جيلي، ويعملون في مهن تساعدهم في العمل عن بعد مثلي، وكثير ما يصدف أن ألتقي نفس الأشخاص في ذات المقهى. لم تكن فكرة فضفضتي لهم مقتصرة فقط على الحديث عن همومي، بل مشاركة بعضنا البعض همومنا، خصوصاً وأن الشباب الأردني يعاني من ذات المشاكل تقريباً، سواء الاقتصادية أو حتى العاطفية".

من غير الممكن، بل من المستحيل أن يستطيع شاب أو شابة من جيلي الذهاب لعيادات الصحة النفسية، نظراً للأسعار الفلكية، فالجلسة الواحدة تكلف خمسين ديناراً عدا عن تكاليف الأدوية، لذلك أسلك طريق الفضفضة للغرباء منذ عدة سنوات، وتحديداً في الصالونات النسائية للتجميل

لماذا طرقت هذا الباب في البوح عن همومك؟ سألته، أجاب وختم: "شعرت أنها طريقة صحية، بعيدة عن إطلاق الأحكام والاتهامات والتوصيفات الظالمة، كما أنها طريقة تحميني مما عانيت منه من أشخاص اعتقدت أنهم أصدقاء، لكنهم لم يكونوا 'بالنخوة' المطلوبة لمساعدتي للتعافي من مشاكلي النفسية. هي طريقة مريحة تحميني وتؤكد كل يوم أنه لا أصدقاء مثل أصدقاء المدرسة!".


أسعار فلكية لجلسات العلاج النفسي

هرباً من أسعار جلسات الأطباء والأخصائيين النفسيين، لجأت دارين (31 عاماً) لطريقة البوح للغرباء، بحسب ما قالته لرصيف22: "من غير الممكن، بل من المستحيل أن يستطيع شاب أو شابة من جيلي الذهاب لعيادات الصحة النفسية، نظراً للأسعار الفلكية، فالجلسة الواحدة تكلف خمسين ديناراً (70 دولار) عدا عن تكاليف الأدوية، لذلك أسلك طريق الفضفضة للغرباء منذ عدة سنوات، وتحديداً في الصالونات النسائية للتجميل".

تضيف دارين (اسم مستعار): "مرة كنت في الصالون أنتظر دوري، وبجانبي كانت هناك سيدة يبدو عليها أنها أربعينية، تضع خوذة الصبغة بانتظار دورها أيضاً. فتحت موضوع دردشة معها، ثم انتقلنا لموضوع يخص مشكلة مع أسرتي. أذكر أنها قدمت لي نصائح أكاد أجزم أنها لا تقل أهمية عن نصائح الأطباء النفسيين، ومن حجم تأثير تلك النصائح علي شعرت براحة كبيرة، حتى أنني في زيارة لاحقة للصالون سألت موظفة هناك عنها، وإن كانت زبونة دائمة".

"حزنت عندما علمت أنها ليست زبونة دائمة للصالون"، تقول دارين في ختام الحديث الذي انتهى بقولها: "الغريق يتعلق بغريب".


احذروا هذه الطريقة!

"هذه الطريقة خطيرة وخطيرة جداً!".

البوح للغرباء قد يكون طريقة مريحة للتنفيس لكنها تترك المشكلة النفسية دون حلول.

هكذا كان أول تعليق للأخصائية الاجتماعية والنفسية، الدكتورة عصمت حوسو، في حديثها لرصيف22 حول أثر البوح للغرباء، وقالت: "الإنسان، بشكل عام، بحاجة للبوح، وتفريغ ما يجول من أفكار متصارعة ومتضاربة ومرهقة في الدماغ، ولا توجد علامة تجارية مسجلة لتشريح الجزء الدماغي الذي يحتاج للتنفيس والبوح، وليس صحيحاً ما يقال بأن المرأة تحب التنفيس أكثر من الرجل".

وأضافت: "إلا أن موضوع البوح للغرباء خطير جداً. قد تكون طريقة مريحة للتنفيس لكنها تترك المشكلة النفسية دون حلول، بل من المرجح أن تفاقمها. إبكي، فضفضي، إحكي، ليست هناك مشكلة، المشكلة أن تصبح طريقة التنفيس النفسي للغرباء تكنيكاً نتبعه دائماً، لأن الغريب لا يعرف ديناميكية الشخص وماضيه ونقاط ضعفه وقوته، لذلك فقد تكون النصيحة منه طريقاً لتفاقم المشكلة".

"أعط الخبز لخبازه"، تختم الدكتورة الأخصائية وتقول: "أمام الأخصائي النفسي يكون الشخص أمام إنسان ذي حياد عاطفي، لا يحكم ولا يعاتب ولا يوبخ، ومن الوارد جداً أن يقع الغريب في حالة انجذاب للشخص الذي لجأ إليه، وهنا نكون أمام استغلال بقصد أو بدون، لحالة الضعف والتخبط النفسي من قبل الغريب للاجئه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard