شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
التشريعات البيئية في سوريا... قوانين للدولة أم للناس والبيئة؟

التشريعات البيئية في سوريا... قوانين للدولة أم للناس والبيئة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الاثنين 4 مارس 202411:35 ص

في سوريا، صدر أوّل قانون للحراج (الرقم 66) عام 1953، وبقي سارياً حتى استبداله عام 1994 بالقانون رقم (7) "الذي اهتمّ بتنظيم الثروة الحراجية وحمايتها"، وفي العام 2007 ألغي بالقانون رقم (25) الذي استمر بدوره حتى 2018، حين أقر مجلس الشعب القانون (36)، وهذا الأخير عاش ست سنوات قبل أن يلغيه مجلس الشعب بالقانون الأخير الرقم (39) لعام 2023.

في تصريح رسمي لصحيفة تشرين المحلية قال وزير الزراعة السوري حسان قطنا: "القانون الجديد سيحمي حراج الدولة بمنع التعدي عليها وحمايتها ومنع التصرف بها أو تقليص رقعتها، مع منع تمليكها أو تخصيصها للغير إلا للمصلحة العامة، وسيحمي النظم البيئية الحراجية والتنوع الحيوي من كافة أنواع التعديات، وسيعزز الإدارة المتكاملة والمستدامة للحراج ومفهوم النهج التشاركي".

لم أستطع العثور على تصريح مشابه لتصريح الوزير قطنا في الصحافة المحلية أيام زمان، ولكني على ثقة أنّ هناك تصريحات مشابهة لوزراء زراعة سابقين تحدثوا مثل قطنا عن أنّه "يمنع الرعي من الماعز والجمال فيها ويمنع القطع والتحطيب مطلقاً، ويمنع النقل لأي أحطاب أو أخشاب إلا بموجب رخصة صادرة عن الوحدة التنظيمية".

سوريا فقدت 20.4% من الغطاء الشجري الباقي فيها بين عامي 2012 ـ 2019 جراء الحرائق.

قانون الحراج كان أوّل قانون سوري يتناول موضوعات بيئية، وتحديثه وتحسين مواده نحو الأفضل هو أمر جيد ويحسب للسلطة التشريعية والقضائية، خاصة وأنه يذهب باتجاه تشديد العقوبات والغرامات المالية للمتعدين على الأشجار والحراج، ولكن وعلى مدار سبعين عاماً من ظهور أول قانون تقلّصت مساحة الحراج السورية من 30% من مساحة البلاد مطلع القرن العشرين إلى مساحة لا تتجاوز نسبتها 2.5% من المساحة الكلية لسوريا حالياً.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن "سوريا فقدت 20.4% من الغطاء الشجري الباقي فيها بين عامي 2012 ـ 2019 جراء حرائق غابات اللاذقية وطرطوس وإدلب"، وفي العام 2020 تسببت الحرائق في القضاء على ما يزيد عن تسعة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات، والحرائق مستمرة.

إذا بحثنا عن التنوع الحيوي في سوريا سنكتشف كذلك أنه تناقص من 31 ألف نوع إلى أقل من ستة آلاف في أقل من خمسين عاماً، وأنّ النظم البيئية الحراجية قد تعرضت ليس فقط لآثار الحرب وقذائفها وحرائقها، بل إلى ممارسات جائرة بحقها قام بها غالباً سكّان المناطق المجاورة لها، من تقطيع وتفحيم وتجريد وتفكيك وحراثة.

التصريحات "الطنانة الرنانة" لوزراء سوريا تتكرر لدى صدور أي قانون وليس فقط في القوانين البيئية، وكأن تصريحاتهم ستخفي حقيقة أنّ القوانين مهما كانت جيّدة في صياغتها تبقى حبراً على ورق إن لم تُطبّق عبر أدوات تنفيذية قوية من جانب، وإن لم تكن في جانبها الآخر الأكثر أهمية منتمية للناس الذين تتوجه إليهم، وهم بالتالي من سيتولى تنفيذها وتطبيقها.

قد لا ينطبق حال "الطنة والرنة" على وزارة البيئة في سوريا، فهي من الوزارات التي يسهل التضحية بها وتحويلها من وزارة إلى مديريات أو العكس، فقد كان أول ظهور علني للاسم "وزارة دولة لشؤون البيئة" عام 1987 في التشكيلة الأولى للراحل محمود الزعبي وتولاها عبد الحميد منجد، وفي الحكومات التالية بقيت بنفس الاسم، وفي عام 2001 ضمت لوزارة الإدارة المحلية، وفي عام 2009 صدر المرسوم رقم 25 القاضي بإحداث وزارة الدولة لشؤون البيئة، وفصلت عنها، وفي العام 2012 صدر القانون 12 المتضمن قانون وزارة الدولة لشؤون البيئة، في 2016 أعيدت الوزارة إلى وزارة الإدارة المحلية وهي الآن تتبع لها.

التشريعات البيئية في سوريا... قوانين للدولة أم للناس والبيئة؟

مسيرة التشريعات البيئية السورية

لعل من المفاجئ أنّ أوّل قانون أشار لأمر بيئي في سوريا هو قانون العقوبات السوري للعام 1949، وقد قضى في المواد (573 حتى 577) ما ملخّصه "أنّ من أضرم النار قصداً في أبنية مسكونة أو معدة للسكن واقعة خارج الأمكنة الآهلة، أو في الحراج أو في غابات للاحتطاب أو في بساتين أو مزروعات قبل حصادها سواء أكانت ملكه أم لا، عوقب بالإعدام إذا نجم عن الحريق وفاة إنسان"، وكما يلاحظ فإن المشرّع لم يلتفت للأثر الناتج عن الحريق ولا تعويضه بزراعته، بل اكتفى بتشديد العقوبة على الفاعل والتركيز على الضحايا البشريين لا الطبيعة.

تحديث قانون الحراج هو أمر جيد ويحسب للسلطة التشريعية والقضائية، خاصة وأنه يذهب باتجاه تشديد العقوبات، ولكن وعلى مدار سبعين عاماً من ظهور أول قانون تقلّصت مساحة الحراج السورية من 30% من مساحة البلاد إلى مساحة لا تتجاوز نسبتها 2.5% من المساحة الكلية لسوريا

تضمن نفس القانون نصوصاً تصب في خانة موضوعات البيئة، منها التسبب في انتشار الأمراض السارية والجراثيم الضارة وجرائم التعدي على مكونات التنوع الحيوي، مثل قتل الحيوانات والنباتات أو تسميمها، وجرائم تتعلق بنظام المياه العامة مثل القيام بأعمال التنقيب عن المياه الجوفية أو المتفجرة دون إذن رسمي، أو تلويثها أو التعدي على ضفاف مجاري المياه والمستنقعات والبحيرات أو على حدود ممرات قنوات الري والتصريف. ولا نظن أنّ مقارنة هذه النقاط القانونية بالواقع الحالي للغطاء الحيواني أو النباتي أو التعدي على شبكات المياه أو أوضاع البقية الباقية للبحيرات السورية ستكون في صالح أشد القوانين السورية قساوةً.

في السنوات اللاحقة ظهرت عدة تشريعات تغطي جوانب مختلفة من المواضيع البيئية، منها:

المرسوم التشريعي رقم 30 العام 1964 بهدف حماية أحياء البيئة المائية عبر تنظيم صيدها، ومتطلبات حمايتها عبر تحديد وسائل الصيد المسموحة والمحظورة ومواصفاتها، وحظر الإضرار ببيوض الأحياء المائية وفراخها، كما حظر المرسوم تسريب مخلفات المصانع والمواد الكيميائية في البيئة المائية.

وفي واقع التنفيذ الفعلي لهذا المرسوم، لوحق قضائياً أشخاص مخالفون ضبطتهم الضابطة السمكية، ومنهم من كان في حوزته وسائل صيد ممنوعة مثل الديناميت، واتخذت بحقهم الإجراءات القانونية ولكن (وهذه الـ"لكن" دائماً تحضر) فإنّ محمية بحرية مثل محمية ابن هاني في ساحل اللاذقية صارت تقريباً خارج الخدمة بسبب استخدام الديناميت في صيد أسماكها المهددة بالانقراض، وفي جانب أخطر، بنيت عدة معامل كيميائية على ضفاف الأنهار والبحيرات أخرجتها من الحياة كما هو حال بحيرة قطينة في حمص وعلى ضفاف نهر العاصي ونهر قويق في حلب قبل جفافه.

أوّل قانون أشار لأمر بيئي في سوريا هو قانون العقوبات السوري للعام 1949.

كما صدر القانون رقم 10 للعام 1972 الذي هدف لحماية المياه الإقليمية السورية من التلوث بالنفط ومخلفاته، وإلزام الملوّث بإزالة التلوث على نفقته، وهذا القانون لم نسمع عن تطبيقه عند تلوث الساحل السوري قبل عامين عند حدوث تسرب نفطي من المحطة الحرارية في بانياس.

أما قانون تنظيم الصيد البري فهو لوحده حكاية لا تنتهي، إذ يفترض أنه ينظم صيد الطيور والحيوانات البرية، ويحدد النطاق المسموح فيه بالصيد ومواعيده حسب نوع الطيور، ويحظر استعمال وسائل صيد معينة، وحظر صيد بعض الكائنات مطلقاً أو خلال أوقات محددة، وإمكانية فرض حظر الصيد نهائياً في جميع أنحاء سوريا بقرار يصدر عن وزير الزراعة.

التشريعات البيئية في سوريا... قوانين للدولة أم للناس والبيئة؟

وتنفيذاً لهذا القانون، صدرت عن وزارة الزراعة ثلاثة قرارات تقضي بمنع الصيد لمدة خمس سنوات متتالية في جميع أنحاء البلاد. ولكن من يتابع مشاهد الصيادين على فيسبوك وحده يكتشف نسبة الالتزام بهذا القانون حتى في أوقات تكاثر الطيور بمختلف الأنواع، وخاصة الطيور المحلية المهددة بالانقراض مثل الحجل البري والصقور.

في هذا القانون بالتحديد فإن الأدوات التنفيذية مرتبطة مثلاً بوزارة الداخلية وتحديداً مخافر الحراج، وهذه المؤسسات عرضة ببساطة للفساد، خاصةً أن إمكانية عدم تجريم الفاعل متاحة وسهلة وبعيدة عن السلطة المركزية، وآليات الضبط صعبة، كما أنّ المجتمعات المحلية لا تمتلك ثقافة الشكوى القانونية للوقوف بوجه الصيادين، ولا وعياً كافياً للمخاطر البيئة من عمليات الصيد الجائرة، ولا تتوفر لديها خطوط إبلاغ ساخنة محمية.

قوانين سير حديثة ومركبات "خارج الخدمة"

توجد في سوريا لوائح لمكافحة تلوث الهواء من المصادر الصناعية والمركبات والأنشطة الأخرى. وتحدد هذه اللوائح معايير الانبعاثات ومتطلبات المراقبة وآليات الإنفاذ لتقليل مستويات تلوث الهواء، وفي الغالب فإنّ تحديد الالتزام بهذه اللوائح يصعب ضبطه لأسباب تقنية أو قانونية.

كان قانون السير والمركبات رقم 31 للعام 2004 واحداً من القوانين التي صيغت استهداء بالمعايير العالمية، ووضع شروطاً مثالية قاسية على المركبات واجبة الالتزام مثل الاحتراق الكامل في المحركات وتصريف غاز العادم وفق ضوابط بيئية محددة، وإخضاع المركبات للفحص الدوري. كما طبقت سياسة البنزين الخالي من الرصاص وعُممت على محطات الوقود، وفرضت ضريبة متصاعدة على انبعاث الغازات ترتفع كلما زاد عمر السيارة، علماً أن قدم وسائط النقل المستخدمة يؤدي إلى انخفاض كفاءة الاحتراق في محركاتها وإطلاق ملوثات أكثر بعشرين مرة مما تطلقه السيارات حديثة الصنع، وغالبية السيارات في سوريا اليوم قديمة عدا قلة قليلة.

في قانون تنظيم الصيد البري فإن الأدوات التنفيذية مرتبطة بوزارة الداخلية وتحديداً مخافر الحراج، وهذه المؤسسات عرضة للفساد، خاصةً أن إمكانية عدم تجريم الفاعل متاحة وسهلة، وآليات الضبط صعبة، كما أنّ المجتمعات المحلية لا تمتلك ثقافة الشكوى القانونية

تشير الأرقام الرسمية إلى أنّ المدن الكبرى، دمشق وحلب، تحتل المركز الأول والثاني بتلوّيث الهواء بسبب زيادة نسبة الغازات المنبعثة من عوادم السيارات بعدة أضعاف عن النسب المسموحة دولياً، وهذه تسبب زيادة الأمراض الرئوية والتحسسية والسرطانات، وتزداد المخاطر مع زيادة أعداد السيارات والازدحام المروري. كما أنّ الوقود المستخدم المنتج محلياً أو المستورد ليس بجودة عالية ويحتوي نسبة عالية من الكبريت (0.7%)، يضاف لذلك استيراد أعداد كبيرة من السيارات الصينية والإيرانية التي لا تراعى الشروط البيئية في صناعتها، مع عدم إدراج المواصفات البيئية في إجازة الاستيراد.

في سبيل تطبيق القانون زوّدت دوريات شرطية بأجهزة فحص فجائي لعوادم السيارات العابرة في أي وقت، للتحقق من مراعاة ضوابط الاحتراق الكامل وعدم تلويث الهواء، واتخذت إجراءات قانونية بحق مخالفين وحُجزت مركبات لحين إزالة المخالفة، ولكن نسبة حجز هذه المركبات لا تشكل شيئاً يذكر قياساً لعدد السيارات المخالفة.

بشكل عام لا تُراقب السيارات المخالفة إلا بالصدفة، أو عندما يحصل تشديد مؤقت لسبب أو لآخر، وتعتبر هذه المخالفات المستمرة "مفيدة" للجهاز الشرطي، وبالتالي لا تقمع غالباً وتترك لحين إجراء الكشف الفني على المركبات، وهذا الأخير كذلك من النادر حصول تشديد فيه، خاصة أنّ العامل البشري حاضر هنا للاستفادة من القوانين والواقع في تحصيل مزيد من الرشاوى.

هناك عدة عقبات تعيق التنفيذ الفعال للقوانين البيئية. ويشمل ذلك الافتقار إلى الوعي العام والمشاركة في القضايا البيئية.

عقبات تحول دون تنفيذ فعال للقوانين

هناك عدة عقبات تعيق التنفيذ الفعال للقوانين البيئية في سوريا. ويشمل ذلك الافتقار إلى الوعي العام والمشاركة في القضايا البيئية، مما قد يؤدي إلى انخفاض الامتثال للوائح والدعم المحدود لجهود الإنفاذ.

ومن هذه العقبات:

ـ العوامل الاقتصادية، مثل إعطاء الأولوية للتنمية الصناعية على حساب حماية البيئة، فتقاوم الشركات والصناعات الامتثال للوائح البيئية بسبب التكاليف المتصورة أو العيوب التنافسية.

ـ أدى عدم الاستقرار السياسي والصراع في سوريا إلى زيادة تعقيد جهود الحوكمة البيئية. وقد يؤدي التركيز على الشواغل الأمنية الفورية والاحتياجات الإنسانية إلى تحويل الانتباه والموارد بعيداً عن حماية البيئة، وإهمالها.

التشريعات البيئية في سوريا... قوانين للدولة أم للناس والبيئة؟

يتطلب التصدي لهذه التحديات نهجاً متعدد الأوجه يشمل تعزيز الأطر القانونية، وتعزيز آليات الإنفاذ، وزيادة الوعي العام، وتعزيز ممارسات التنمية المستدامة، ومعالجة العوامل الاقتصادية والسياسية الأساسية التي تؤثر على جهود حماية البيئة. ويعتبر التعاون بين الوكالات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين أمراً ضرورياً للتغلب على هذه التحديات وتحسين الحوكمة البيئية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard