الكارثة البيئية في سوريا... الأثر الباقي بعد زوال الحرب

السبت 10 أبريل 202102:22 م

غازات منبعثة من الأسلحة والقذائف والانفجارات، أسلحة كيماويّة، طرق تكرير نفط بدائيّة، مدافع وطائرات حربيّة، تدمير للمدن وفتك بالمساحات الخضراء وقطع عشوائي للأشجار فضلًا عن حرائق غابات وتدمير محميّات طبيعيّة، نقص هائل في منسوب مياه الأنهار ومنسوب المياه الجوفيّة، مقتل حيوانات وهجرة أخرى وانقراض بعض الأنواع النادرة منها، نفايات متراكمة ولا سبيل للتخلص منها سوى بحرقها، مما يتسبب بانبعاث غازات سامة قد يكون لها تأثير كبير في المستقبل. هذا ليس وصفًا لمشهد من فيلم رعب، بل جزء من التكلفة البيئيّة للمَقتَلة السوريّة.

فبعد عشر سنوات على انطلاق الثورة السوريّة، وتحولها إلى حرب أهلية بمبادرة من النظام السوري الذي شَّنْ الحرب على الثورة مستخدمًا جميع أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، ومن ثمّ تطورت الأوضاع إلى حرب مفتوحة، تكبدت سوريا خسائربشريّة (حوالى 600 ألف قتيل وأكثر من 13 مليون لاجئ ونازح، إضافة إلى أن 90% من السكان صاروا تحت خط الفقر)، وخسائر اقتصاديّة اقتربت من 500 مليون دولار بين سنتي 2011 و2018.

لكن، هذه ليست خسائر سوريا الوحيدة، إذ تشير التقارير إلى أنّ الأخطار البيئيّة قد تكون أكبر من أخطار الحرب، إذ احتلت سوريا في العام 2019، المركز الثامن عشر عالميًا في قائمة الدول الأكثر تلوّثًا، بحسب بيانات تقرير جودة الهواء في العالم. هذا التلوث الذي من شأنه أن يزيد من المعاناة الصحية والاقتصادية والاجتماعية للسوريين الباقين في الداخل.

هذا ليس مشهدًا من فيلم رعب، بل هو جزء من التكلفة البيئيّة للحرب السوريّة.

في هذا السياق، نشرت مبادرة الإصلاح العربي، في 7 نيسان/ أبريل الجاري،دراسة استقصائيّة تحت عنوان "الآثار البيئيّة للصراع السوري: دراسة استقصائيّة أوليّة للمسائل ذات الصلة"، تحتوي على معلومات عن الوضع البيئي في سوريا، وعلى معلومات عن مجموعة من "التحديات البيئيّة التي تترتب عليها أضرار صحيّة واجتماعيّة واقتصاديّة فادحة، بما في ذلك تلوّث الهواء والانبعاثات واجتثاث الغابات وتآكل التربة وانحسار الغطاء النباتي ونضوب المياه". كما اقترحت الدراسة "حلولًا خضراء معينة كجزء من جهود الإغاثة وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع".

 مدى الكارثة البيئيّة

 تشير الدراسة إلى أنّ سوريا كانت تعاني أصلًا من مستويات عاليّة من تلوث الهواء بسبب الانبعاثات الصناعيّة وعوادم المركبات وحرق النفايات والتلوث الموسمي، ممّا تسبب بالعديد من الأمراض المزمنة للسوريين. وزاد تلوث الهواء بنسبة هائلة في العام 2015، "نتيجة لمجموعة من العوامل، منها عمليات القصف الجوي التي شنتها الحكومتان السوريّة والروسيّة ضدّ الجماعات المتمرّدة، وعمليات القصف التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكيّة ضدّ المنشآت النفطيّة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، وحرائق الغابات والعواصف الترابيّة العاتية التي نجمت عن العمليات العسكريّة، إضافة إلى تدهور النشاط الزراعي والهجمات الكميائيّة التي شنّتها حكومة الأسد". 

ستكون هناك عواقب طويلة الأجل للاستخدام الكثيف للمتفجرات والأسلحة الكيميائيّة على البيئات في سوريا وجاراتها، وهو ما سيؤدي إلى زيادة المخاطر الصحيّة والفقر في المنطقة.

كذلك تذكر الدراسة،ًاعتمادًا على مصدر موقع "بيانات عالمنا"، أنّه برغم انخفاض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، فلا تزال أعلى من المُستويات المُوصى بها، وقد وصلت في العام 2019 إلى 26,96 مليون طن. ومرد هذا الانخفاض إلى تراجع إنتاج المواد المرتبطة بالنفط والغاز، وذلك نتيجة فقدان الحكومة السيطرة على مواقع آبار النفط في البلاد. 

[1]  

تعتمد دراسة مبادرة الإصلاح العربي على العديد من الأبحاث المتخصصة، فضلًا عن المصادر الموثوق بها، منها موقع بيانات عالمنا والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة ومنظمة باكس الهولنديّة التي اعتمدت عليها الدراسة في موضوع اجتثاث الغابات، وبحسب الدراسة، فقدت سوريا 20.4% من غطائها الشجري بين عامي 2012 و2019. 

كما ذكرت الدراسة في موضع آخر أنّ أكثر من 85% من الأراضي الزراعيّة عرضة لتآكل التربة، وقد انخفض استخدام الأراضي الصالحة للزراعة بنسبة 21% بين عامي 2010 و2014 - ومن المرجّح أن يكون الرقم أكبر بكثير الآن- وقد انخفضت الأراضي المزروعة بنسبة 30% في المتوسط، والأراضي المرويّة بنسبة 50%، كما انخفض إنتاج القمح إلى النصف.

 مثل تلوّث الهواء، فإنّ شحّ المياه وقلتها كانا مشكلة قائمة منذ ما قبل سنة 2011 عندما بدأت الثورة، لكن، بعد هذه السنة، تسبّب النزوح الداخلي في ضغوط هائلة على المياه الصالحة للشرب، وكذلك فإنّ استهداف خزانات الماء كإستراتيجيّة حربيّة تستهدف "البيئات الحاضنة" لدى الجهات المتصارعة، فضلًا عن التغيير المناخيوتحكّم تركيا بنسب تدفّق المياه في نهر الفرات، كل هذا زاد من أزمة المياه في البلاد.

 في سياق متصل، ذكرت تقارير إخباريّة أنّ ناقلة نفط إيرانيّة (يملكها سوريون حسب التقارير) قد سرّبت أطنانًا من النفط الخام في البحر المتوسط، مما ساهم في تلويث الحياة البحريّة أمام الشاطئ السوري.

كذلك ذكرت دراسة مبادرة الإصلاح العربي إنّ سوء إدارة النفايات، التي تديرها الحكومة السوريّة، أحدث "مشكلة كارثيّة" فيما يتعلق بالتخلص من النفايات، وأسهم في إنتاج المزيد من النفايات الخطرة (صناعيّة وطبيّة ومنزليّة وغيرها) عبر عمليات حرق النفايات وإلقائها دون ضوابط أو رقابة.



حلول ما بعد الكارثة؟

حسب الدراسة، "ستكون هناك عواقب طويلة الأجل للاستخدام الكثيف للمتفجرات والأسلحة الكيميائيّة على البيئات في سوريا وخارجها، وهو ما سيؤدي إلى زيادةالمخاطر الصحيّة والفقر في المنطقة". إلّا أنّ إجراء تقييم أفضل لآثار الصراع البيئيّة قد يساهم في تحديد أولويات الحلول، رغم استحالة حل كلّ المشكلات البيئيّة السوريّة في المدى المنظور.

تقترح الدراسة الاعتماد على الزراعة المستدامة التي تستفيد من التربة من دون إنهاكها مع تغذيتها بمواد صديقة للبيئة، وأن يتم العمل على مبادئ الإعمار الأخضر خلال مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى اعتماد الطاقة الشمسيّة كطاقة بديلة ومستدامة، وإعادة تدوير الخردة المعدنيّة والنفايات الصلبة والأنقاض بطريقة مُثلى.

"هيكسوس" في سوريا

في واحد  من الأفلام المبكرة عن دمار البيئة والقضاء على الغطاء الأخضر على الأرض، تطارد "هيكسوس"، روح الدمار والتلوث، آخر الغابات المطيرة على وجه الأرض بعدما قضى الإنسان مستعينا الحروب والصراعات والتوحش الاقتصادي على باقي الغابات. ينتهي فيلم التحريك الشهير "فيرنجالي- آخر الغابات المطيرة" بانتصار سكان الغابة على روح التلوث والدمار "هيكسوس" التي أطلقها الإنسان، بعدما أدرك الأخير أن بقاءه معلق ببقاء بيئته نقية وصالحة للعيش، لكن الطريق نحو هذا الإدراك في سوريا لا يزال غير معبد، ما ينذر بأن روح الدمار قد تبقى طويلًا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard