شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أبطالها أشجار ونحل وشعاب مرجانية... كتب لتوعية الأطفال حول البيئة والمناخ

أبطالها أشجار ونحل وشعاب مرجانية... كتب لتوعية الأطفال حول البيئة والمناخ

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الاثنين 16 يناير 202311:36 ص

الحديث مع الأطفال حول موضوع صعب وشائك ومقلق مثل التغير المناخي، ليس بالأمر السهل، لكنه بات مثار اهتمام كثيرين حول العالم مع ارتفاع وتيرة النقاش حول قضايا متعلقة بكيفية الحفاظ على البيئة من حولنا.

وبشكل تدريجي، صرنا نلمح عناوين كتب أطفال تهدف إلى تعريفهم بمفاهيم مثل البيئة والمناخ، وزرع مصطلحات معقدة في أذهانهم لكن بطرق مبسطة. ومصر ليست بعيدةً عن ذلك، إذ يرى عدد من الكتّاب والكاتبات فيها بضرورة التوجه نحو الأطفال في سنوات مبكرة ليعرفوا أكثر عن المحيط الذي يعيشون فيه وكيف يحافظون عليه.

"أنا أحب الطبيعة"، و"أين تذهب القمامة؟"، و"مساعدة الأشجار والنحل"، و"أنقذوا الأرض"، هي من العناوين التي ظهرت مؤخراً في مصر، خاصةً بالتزامن مع مؤتمر المناخ، ومن المتوقع ظهور المزيد قبيل انطلاق معرض القاهرة للكتاب نهاية الشهر الجاري.

صرنا نلمح عناوين كتب أطفال تهدف إلى التعريف بالبيئة والمناخ، وزرع مصطلحات معقدة في أذهانهم بطرق مبسطة.

مساعدة الأشجار والنحل

"هل يمكننا مساعدة الأشجار؟ هل يمكننا مساعدة النحل؟ نعم يمكننا"؛ بهذين العنوانين استطاعت الروائية والمترجمة المصرية نورا ناجي، أن تساعد الأطفال على معرفة ما هي التنمية المستدامة والممارسات البيئية الصحيحة.

تؤكد ناجي (36 عاماً)، أن الكتابين هما من أهم كتب توعية الأطفال، ليعرفوا كيفية الحفاظ على كوكبنا وحماية الكائنات الحية، وذلك عن طريق شخصيات هي الجاكوار والسنجاب والقرد والدب، وهي التي تحرك الأحداث وتسرد التحديات التي تواجه الأشجار، وتروّج لفكرة "إذا أنقذنا الأشجار سوف نساعد كوكبنا". وتتابع في حديثها إلى رصيف22: "أنا أمٌ قبل أن أكون روائيةً أو كاتبةً، لذلك أهتمّ بكتب الأطفال وأعرف كيف يجب أن نتحدث معهم عن هذه المفاهيم".

الكتابان من تأليف كايتي داينز ورسوم روزين هاهيسي، وصدرا بالترجمة العربية عن دار الشروق، وهما يفتحان المجال للأطفال للمشاركة فى حل مشكلات البيئة والمناخ والاحتباس الحراري، وأن يكون لهم دور فعال في تشكيل مستقبل أفضل لكوكب الأرض. مثلاً يوضح كتاب "هل يمكننا مساعدة النحل"، أنه إذا قضى الإنسان على بيوت النحل، لن تكون هناك خضروات ولا فواكه ولا ملابس قطنية ولا فطائر بيتزا لذيذة في المستقبل.

ويحتوي الكتابان على العديد من الرسومات الجذابة، والأصوات المكتوبة، وهو ما ينمّي الخيال، واعتمدت ناجي في الترجمة على الجمل السلسة والبسيطة، وكانت أكبر التحديات أمامه ترجمة الأصوات، وفي نهايتيهما توجد مصطلحات مُبسطة عن الأوكسجين والاحتباس الحراري وغيرها.

وتشير ناجي إلى أن الكتابين على الرغم من أنهما موجهان إلى الأطفال من سن 9 سنوات وما فوق، إلا أنهما يصلحان للبالغين أيضاً، إذ يعملان على تصحيح المفاهيم والأفعال الخطأ التي يرتكبها الكبار، مثل قطع الأشجار أو حرقها.

"هنية وفكرتها الذكية"

"أوعي تلعبي بالشعب المرجانية، دول مش مجرد نباتات دول بيوت وجوّاها كائنات، بيحبوا لما نعدّي جنبهم بس من غير ما نشيلهم أو نحطهم".

هذا مقطع من كتاب "هنية وفكرتها الذكية"، الذي صدر العام الفائت، لتوعية الأطفال بأهمية الشعب المرجانية للبيئة، وهو قصة خفيفة الظل مسجوعة بالعامية المصرية، كتبتها سلمى البنا لتعريف الأطفال على البيئة البحرية وكيفية حمايتها بطريقة غير مباشرة.

وتتحدث البنا (33 عاماً)، وهي خريجة كلية الفنون الجميلة قسم العمارة في جامعة حلوان المصرية وحاصلة على ماجستير من كلية الهندسة قسم العمارة في جامعة القاهرة، حول أن القصة توضح للأطفال أن هناك دائماً أكثر من طريقة لحل أي مشكلة، وكل ما علينا فعله هو أن نستخدم قدرتنا على التفكير الإبداعي.

أيضاً يقول الكتاب الصادر عن دار نشر "عصفورة": "هنية سلحفاة بحرية عايشة في البحر وصاحبتها عصفورة اسمها زوزة. بعد ما نزلت هنية وغطست واتفرجت على الشعب المرجانية بأنواعها المختلفة وألوانها الوهمية، طلعت وحكت لزوزة. زوزة كان نفسها قوي قوي تشوف الشعب المرجانية هي كمان. هنية محتارة ازاي توري الشعب المرجانية لصاحبتها وفي نفس الوقت تسمع كلام مامتها؟ يا ترى إزاي هتتصرف هنية؟ وهتعرف تلاقي حل لمشكلتها دي ولا لأ؟".

الكتابان يفتحان المجال للأطفال للمشاركة فى حل مشكلات البيئة والمناخ والاحتباس الحراري، وأن يكون لهم دور فعال في تشكيل مستقبل أفضل للأرض، ويوضحان مثلاً أنه إذا قضى الإنسان على بيوت النحل، لن تكون هناك خضروات ولا فواكه ولا ملابس قطنية  في المستقبل

وتتابع الكاتبة لرصيف22: "عندما تزوجت وأنجبت طفلتي الأولى، كنت أقرأ لها دائماً قصصاً بالعامية، وأعتمد على قصص المغامرة أكثر من القصص التربوية، ومن هنا بدأت حكايتي مع الكتابة". وتضيف أن الكتاب عندما ظهر إلى النور بيع منه الكثير من النسخ، خاصةً أنه بلغة عامية سهلة وبسيطة على جميع الأطفال والأهالي.

تقول سلمى: "تعلمت في العشرينات من عمري أن الشعب المرجانية كائنات حية، وأن البحار هي من أهم الموارد لدينا، وذلك من خلال دورات الغطس، ولذلك أردت أن أركز عليها في الكتاب، وأن نعلّم أطفالنا الكثير عنها، فالغواصون الأجانب يعرفون عن بحار مصر أكثر من المصريين".

تأثير إيجابي على الأطفال

تقول شيماء علي ماهر (35 عاماً)، وهي مسؤولة مجموعة "أمهات في مصر" على فيسبوك، والتي تضم أكثر من 30 ألف عضو ما بين أمهات وآباء، أن هذه النوعية من الكتب مفيدة للأجيال الجديدة، خاصةً أن التوعية بمثل هذه الموضوعات لم تكن موجودةً في مناهج وزارة التربية والتعليم المصرية، وقد بدأت الوزارة بالاهتمام بها في السنوات الأخيرة.

وتضيف لرصيف22: "بدأت الأمهات أيضاً مؤخراً بالاهتمام بتوعية الأطفال حول البيئة، من خلال الحديث مثلاً عن أهمية الزراعة في المنزل، أو مضارّ استخدام البلاستيك، أو الطرق الآمنة للتخلص من الزيت المستعمل، وكيفية ترشيد استهلاك الكهرباء، وغيرها من العادات".

كما تشير إلى أن "أولياء الأمور كانوا بدايةً يستقبلون هذه الكتب بإهمال شديد، لكن مع الوقت والحديث العالمي حول التغير المناخي، بدأوا بالالتفات وجذب أطفالهم إليها، واليوم هم يسألون عبر مجموعتنا عن أسماء الكتب التي يمكنهم من خلالها توعية أبنائهم بالتغير المناخي، كي يشتروها في معرض الكتاب المقبل".

تؤكد المتحدثة أهمية الاستمرار في إنتاج هذه النوعية من الكتب، وأن تشمل مجالات أوسع، مثل التوعية بأهمية الكائنات البحرية والطرق الآمنة للتخلص من القمامة، وغيرها من العادات التي تجعلنا نعيش في بيئة آمنة ونستطيع أن نتنفس هواء نظيفاً. وتختم قائلةً: "هذه الكتب بدأت فعلاً بالتأثير الإيجابي على أطفالنا، فهم الآن يعرفون أهمية الحقائب القماشية بدلاً من البلاستيك ويلجؤون إليها، وحول صناديق القمامة المنتشرة في مصر والتي تفصل الورق عن البلاستيك وأهمية ذلك في الفرز لإعادة الاستخدام".

أولياء الأمور كانوا بدايةً يستقبلون هذه الكتب بإهمال شديد، لكن مع الوقت والحديث العالمي حول التغير المناخي، بدأوا بالالتفات وجذب أطفالهم إليها، واليوم هم يسألون عبر مجموعتنا عن أسماء الكتب التي يمكنهم من خلالها توعية أبنائهم بهذه المفاهيم

تصميم جذاب ومبسط

يشير الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي، إلى أن قضية التنمية المستدامة تحظى باهتمام كافة دول العالم والمنظمات الدولية، وكانت محور اهتمام وتركيز مؤتمر المناخ الأخير لأنها تعني الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في الاستمتاع بموارد البيئة من نباتات وأشجار وغيرها.

"من هنا كان لا بد من التفكير في عرض قضايا التنمية المستدامة بشكل جذاب للأطفال في كتب بعيدة عن الأشكال الدراسية، لأن الكتب المدرسية ترتبط عادةً بالقلق والتوتر لديهم"، يضيف في حديثه إلى رصيف22، ويتحدث عن بعض المعايير التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند تصميم تلك الكتب:

- البدء بتصميم هذه الكتب للأطفال في سن التاسعة، لأن الطفل حينها يكون قد اكتسب قدراً كافياً من المعلومات التي تمكّنه من القراءة والكتابة، فضلاً عن أن اكتساب الطفل المفاهيم الأساسية في مراحل عمرية مبكرة يضمن أن تبقى معه زمناً طويلاً.

- عرض مصطلحات التنمية المستدامة بشكل مبسط مع توضيح معناها من خلال أمثلة تطبيقية على الكائنات الحية أو الموارد الطبيعية، من دون ذكر تعريفات نظرية قد يصعب على الطفل إدراكها.

- مراعاة المستويات الإدراكية لدى الأطفال، بحيث تُعرض المعلومات في شكل رواية أو قصة تتحدث فيها الكائنات الحية التي نهدف إلى الحفاظ عليها في حوارات متبادلة مع بعضها، مثل شجرة التوت أو الغزال أو الزرافة وغيرها. وخلال تلك الحوارات يوضح كل كائن حي فائدته وأنواعه والصناعات المرتبطة به، كما تتبين خطورة القضاء على الكائنات الحية، من دون أن يأخذ ذلك شكل كلام جاف بل شكل كلام ينبض بالحياة وكأن الطفل يتخيلها أمامه، لأن العرض الروائي غالباً ما يخاطب وجدان الطفل وعقله ويبقي معه زمناً طويلاً.

- استخدام أساليب استفهامية، مثل: هل يمكن؟ ماذا يحدث لو؟ حتى تجذب انتباه الطفل بدلاً من الأساليب الخبرية التقريرية.

- يمكن إرفاق تلك الكتب بأقراص ليزرية تعرض ما هو مكتوب في شكل فيلم كرتوني مما يعظّم من تأثيرها على الطفل.

ويختم المتحدث بأن تصميم الكتب والعمل عليها بهذه الطريقة قد يساهمان أيضاً في جذب الكبار وتوضيح مفاهيم التنمية المستدامة لهم، كما ستترتب عليها فوائد كبيرة سواء لغوية، أي اكتساب الطفل جملاً وكلمات جديدةً، أو عقلية، تتمثل في تنمية قدرته على التخيل والتفكير السببي، مثل أن عدم الحفاظ على الموارد البيئية سيسبب خسائر كبيرةً، أو وجدانية مع تنمية مشاعر الحب للموارد الطبيعية والأشجار والحيوانات والحرص على الحفاظ عليها، أو سلوكية بجعله يتفادى أي سلوك ضار بالبيئة.

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard