"إساءة استخدامها تهديد للمستقبل"... كيف يمكن التخفيف من إهدار المياه في مصر؟

الأحد 31 يوليو 202202:15 م

بالرغم من التخوفات التي يعيشها المصريون في ما يتعلق بغياب الأمن المائي الذي يهدد أعداداً كبيرةً منهم، إلا أن إهدار المياه منتشر على نطاق واسع، نتيجة سلوكيات خطأ وبنى تحتية متهالكة.

ومع أن الدولة المصرية فرضت غرامات وعقوبات على التعدي على المياه، سواء من خلال سوء الاستخدام أو الوصلات المخالفة، إلا أن الخبراء يرون أن هذه العقوبات ليست الحل الأمثل، وأن التوعية هي الأفضل، فيجب أن يعرف المصريون أن حصتهم من الماء في انخفاض مستمر، ما يلقي على عاتقهم مسؤوليةً في الحفاظ عليها.

سلوكيات غير محسوبة

تنص المادة رقم 25 من قانون تنظيم مياه الشرب والصرف، على أنه لا يجوز استخدام مياه الشرب في غير الأغراض المخصصة لها، مثل ري الحدائق الخاصة أو العامة أو غسل السيارات، وينص القانون على عقوبة الحبس لمدة لا تزيد على ستـة أشهـر وعلى غرامـة لا تقـل عن خمسـة آلاف جنيـه ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه للمخالفين.

إهدار المياه منتشر على نطاق واسع في مصر، نتيجة سلوكيات خطأ وبنى تحتية متهالكة.

مع بداية فصل الصيف، بدأ الناس يرشّون الشوارع بالمياه بكثرة، وباستخدام الخراطيم، ويقول خبير الموارد المائية ومستشار وزير الري السابق الدكتور ضياء الدين القوصي، في تصريح لرصيف22، إن هذا التصرف، سواء كان عن جهل أو عدم اهتمام، يُعدّ جريمةً بكل المقاييس، ففتح خراطيم المياه في الشوارع لرشها أو لغسل السيارات يتسبب في إهدار المياه، ويضيف شارحاً: "قبل 200 عام، كان عدد السكان مليونين ونصف المليون، وكان نصيب الفرد من حصة المياه 20 ألف متر مكعب في السنة، والآن نحن أكثر من 100 مليون وحصة الفرد السنوية تقل عن 600 متر مكعب".

خبير المياه شدد على ضرورة الترشيد: "إذا كنا نقول بأن الإسراف في استخدام الماء العكر للري خطأ، فإن إساءة استخدام المياه المنقاة خطيئة، وتهديد للمستقبل، فالمتر المكعب الواحد يكلّف الدولة 4 أو 5 جنيهات لتنقيته". وأشار إلى أن الحنفية الخربة التي تنقّط قطرات المياه، تتسبب في فقدان نحو 3 أمتار مكعبة سنوياً، والكمية هذه تكفي بدورها لري ثلاث شجار من الزيتون تنتج 300 كيلوغراماً من الزيتون، ما يبرز أهمية الصيانة الدائمة للبنى التحتية المنزلية.

ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بلغ فاقد مياه الشرب في العام 2019/ 2020 نسبة 28.4% في تراجع عن 28.7% وهي نسبته في العام 2018/ 2019.

الزراعة وفاقد المياه

للدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه في كلية الزراعة في جامعة القاهرة، والخبير الإستراتيجي في منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، رأي آخر في هذا الشأن، ويقول في حديثه إلى رصيف22، إن غسيل السيارات والحافلات ضرورة مهمة وكذلك رش المياه لأن الأتربة المتطايرة قد تتسبب في الإصابة بالربو، مشيراً إلى أن هناك طرقاً أخرى تتسبب في إهدار المياه وأهمها الزراعة.

إساءة استخدام المياه المنقاة خطيئة، وتهديد للمستقبل، والحنفية الخربة التي تنقّط قطرات المياه، تتسبب في فقدان نحو 3 أمتار مكعبة سنوياً، والكمية هذه تكفي لري ثلاث شجار من الزيتون تنتج 300 كيلوغراماً من الزيتون، ما يبرز أهمية الصيانة الدائمة للبنى التحتية المنزلية

ويحذر نور الدين من الفقر المائي، قائلاً إن حصة الفرد سنوياً في مصر هي قرابة 600 متر مكعب، وهي أقل من حد الفقر المائي الذي يقدَّر عالمياً بألف متر مكعب، وفق ما حددته الأمم المتحدة للفرد حتى يعيش حياةً كريمةً، ومن المتوقع أن الحصة في مصر ستصبح 400 متر مكعب عام 2050، وهي مرحلة "الفقر المائي المدقع".

ويؤكد المتحدث أن الري بالغمر يهدر 50% من مياه الري، وأن الزراعة تستهلك 62 مليار متر مكعب ونصف سنوياً، وأما المحليات والمستشفيات والجهات الحكومية وغيرها فتستهلك 10 مليارات متر مكعب. "لذلك فإن الزراعة هي السبب الأول للإهدار، ولا قيمة كبيرة لفاقد رش الشوارع أو غسيل السيارات".

ويشير إلى أهمية إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في الدلتا منعاً للهدر، ويوضح: "نستخدم 20 مليار متر مكعب من مياه المصارف الجيدة للري مباشرةً، والمتوسطة نعيد خلطها مع مياه الترع للري، والسيئة نعالجها، مثلما حدث مع مصرف بحر البقر الذي عالج مخلفات شرق الدلتا وأخرج لنا ملياري متر مكعب من المياه النقية. أيضاً تمت معالجة وتنظيف مياه المصارف والمخلفات في غرب الدلتا وأُخرجت ثلاثة مليارات متر مكعب نظيفة نستخدمها لري مشروع الدلتا الجديدة".

الدكتور نادر نور الدين، أشار أيضاً إلى أن الصناعة تستهلك سنوياً مليارين ونصف مليار متر مكعب، وأنه مؤخراً تم البدء بإجراء تدوير المياه، فكل المصانع تنقّي الملوثات الموجودة في الصرف من المعادن الثقيلة والملوثات العضوية وتعيدها إلى المصنع مرةً ثانيةً، وهذا مهم جداً.

وفي هذا الصدد، ذكر أستاذ العلوم البيئية في جامعة عين شمس الدكتور خالد مزروع، لرصيف22، أن الري بالغمر، أي غمر الأرض الزراعية بالمياه المأخوذة من الترع، من أكثر الطرق التي تؤدي إلى هدر المياه، وهي منتشرة في الدلتا وعلى ضفاف النيل، ويجب استبدالها بالري بالتنقيط والرش.

خبير المياه الدكتور ضياء الدين القوصي، أشار بدوره إلى أن هناك محاصيل شرهةً للمياه ومنها الأرز وقصب السكر والموز، لذلك لا بد من تحديد المساحات المزروعة بها من قبل الحكومة، والتزام المزارعين بذلك، كما أن زراعة البرسيم تستهلك الكثير من المياه، مع عدم الحاجة الكبيرة إليه، كما أن الأراضي غير المستوية تستهلك الكثير من المياه عند الري، ولذلك يجب تسوية الأراضي قبل ريها.

حصة المصري سنوياً من المياه 600 متر مكعب، وهي أقل من حد الفقر المائي الذي يقدَّر عالمياً بألف متر مكعب.

أزمة تهالك الشبكات

تُعدّ الشبكات المتهالكة من أهم أسباب إهدار المياه في مصر، ويصل عمر بعضها إلى عشرات السنوات.

وفي تصريحات صحافية في آذار/ مارس الفائت، قال المهندس ممدوح رسلان، رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، إن "نسبة الفاقد في المياه وصلت في بعض السنوات إلى 30% وأكثر، نتيجة التعدي على خطوط المياه والسرقات"، وأوضح أنه يمكن تدارك هذا الفاقد إذا جُددت الشبكات، ولكن ذلك يتطلب من الدولة ميزانيةً تُقدَّر بـ15 مليار جنيه.

وفي هذا السياق، أشار ضياء الدين القوصي، إلى خطورة الفواقد في الشبكة، وكذلك الفاقد الذي يحدث في محطات المعالجة، مؤكداً على أنها يجب أن تنخفض إلى أقصى حد ممكن: "هذه مهمة الدولة التي تحتاج إلى جهود مكثفة وبالطبع ميزانية ضخمة".

حلول مقترحة

مع ازدياد الفجوة بين ما تحتاجه مصر من مياه وبين مواردها الفعلية، يتم اتخاذ عدد من الإجراءات من قبل الدولة لسد هذه الفجوة، والتي تصل إلى 20 مليار متر مكعب، كما حددها وزير الري في تصريحات صحافية، فموارد مصر تبلغ 60 مليار متر مكعب وتستهلك 80 ملياراً في المقابل.

الحل ليس في توقيع العقوبات والغرامات أو السجن لمن يرتكب سلوكيات تهدر المياه، فالحكومة لن تضع شرطياً لكل مواطن وتراقبه، ولكن من خلال التوعية ليعرف المصريون أنهم يواجهون خطر ندرة المياه، وأنهم سيشعرون بذلك بشكل أقوى خلال الأعوام القادمة

ويتحدث الدكتور نادر نور الدين، عن بعض هذه الإجراءات: "تقوم الدولة بإعادة استخدام مياه المصارف، وتبطين الترع لمنع الرشح والتبخير وتوفير المياه، وكذلك تحلية مياه البحر، ومن الأهداف زيادة الكمية المنتجة منها من مليار إلى ثلاثة مليارات متر مكعب عام 2030، وخمسة مليارات عام 2050، كما نحاول اكتشاف المياه الجوفية، وبدأنا نعيد النظر في السياسة الزراعية المصرية بشكل عام، فقللنا مساحات زراعة الأرز ومنعنا زراعة الموز الصيفي واقتصرنا على الموز الشتوي فقط ،لأن الأول يستهلك كميةً كبيرةً من الماء، ومنعنا التوسع في زراعة قصب السكر، وكل هذه المحاصيل تحتاج إلى المياه بكميات كبيرة".

ويرى ضياء الدين القوصي، أن الحل ليس في توقيع العقوبات والغرامات أو السجن لمن يرتكب سلوكيات تهدر المياه، فالحكومة لن تضع شرطياً لكل مواطن وتراقبه، ولكن الحل يكون من خلال التوعية والحملات المكثفة، ليعرف المصريون أنهم يواجهون خطر ندرة المياه، وأنهم سيشعرون بذلك بشكل أقوى خلال الأعوام القادمة.

ويقترح القوصي، العودة إلى بعض العادات القديمة، مثل الري في الليل أو الفجر، بدلاً من فترة الظهيرة، فذلك يوفر الكثير من المياه، وتسوية الأراضي إذ إن الأراضي المنحدرة تستهلك مياهاً أكثر، وتغيير الري السطحي بالجاذبية إلى الري بالرش.

بدوره ينصح خالد مزروع، بمراقبة عدادات المياه وإصلاح تسريبات مواسير المياه، وعدم استخدام الخراطيم في غسل السيارات، وكذلك باستخدام طرق الري الحديثة مثل التنقيط والرش.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard