"حار وجاف صيفاً، ودافئ وممطر شتاءً"... الحاجة إلى تطوير قضايا المناخ في المناهج المصرية

الاثنين 30 مايو 202212:29 م

"حار وجاف صيفاً، ودافئ وممطر شتاءً"... هذا هو الوصف المعتاد والمتَّبع للمناخ المصري في المناهج الدراسية منذ سنوات طويلة. في كل كتاب لأي مرحلة مدرسية، ابتدائيةً كانت أو إعداديةً أو ثانويةً، سنجد هذا الوصف. وبالرغم من التطور الكبير الذي يحدث في مناهج وزارة التربية والتعليم المصرية، إلا أن هذا الوصف لم يتغير على مر الأعوام.

وتزامناً مع الاهتمام العالمي بالتغير المناخي في السنوات الأخيرة، نتيجة التقلبات الكبيرة والخطيرة في المناخ، ولمصر بالطبع نصيب منها، يتردد سؤال مهم على الأذهان: هل تتناول المناهج المصرية التغيّر المناخي؟ وبأي طريقة؟ وكيف يمكن العمل لتطوير ذلك؟

للمناهج دور توعوي

تشير الدكتورة إيلاريا عاطف، وهي خبيرة في المناهج المصرية ومُعلمة دراسات اجتماعية، إلى وجود سطر في الوحدة الأولى من الفصل الدراسي الثاني للصف الإعدادي الأول، تتحدث بشكل صريح عن التغيرات المناخية، وتشير إلى "أنه قد حدثت بعض التغيرات المناخية في العصر الحديث نتيجة الإفراط في استخدام التكنولوجيا، كارتفاع درجات الحرارة وانتشار الجفاف والتصحر والأعاصير في جهات مختلفة من سطح الأرض".

هل تتناول المناهج المصرية التغيّر المناخي؟ وبأي طريقة؟ وكيف يمكن العمل لتطوير ذلك؟

وتتحدث وحدة أخرى للصف، تحت عنوان "الأخطار الطبيعية والبيئية"، عن الأمر أيضاً وفق عاطف التي تعمل في مركز تطوير المناهج، وفي نهاية هذه الوحدة يستطيع الطلاب إدراك أهم الأخطار التي تهدد البيئة بشكل عام كما تقول.

مع ذلك، ترى الخبيرة أن "قضية التغيير المناخي يجب أن تُدرَّس للطلاب منذ الصغر، ويكون لها حيز أكبر في المناهج كونها قضيةً معاصرةً ولها آثار مباشرة يشعر بها الطلاب في مختلف مراحلهم، وأيضاً لهم دور كبير في الحد منها".

وأضافت أن المناهج المصرية لا تتحدث عن اليوم العالمي للأرض، الذي يدعو الجميع لاتخاذ خطوات عملية لحماية البيئة، وما يوجد في المناهج يقتصر محتواه على أسباب الأخطار البيئية ودور الحكومات في تقليل الاحتباس الحراري فحسب، وتختم قائلةً: "الدور التربوي الذي يقع على كاهل المناهج لتوعية الطلاب والطالبات حول ما يمكن أن يقوموا به لحماية البيئة، لا يقل أهميةً عن الدور الذي تقوم به المؤسسات والهيئات الدولية من أجل الحفاظ على البيئة والتأقلم مع التغير المناخي".

تغييرات مقبلة

كشف محمود شاهين، رئيس هيئة الأرصاد الجوية في مصر، عن تعاون الهيئة مع وزارة التربية والتعليم لتغيير وصف طقس مصر في المناهج خلال الفترة المقبلة، وأكد في تصريحات لرصيف22، وجود لجنة منعقدة حالياً مكونة من جهات عدة منها هيئة الأرصاد ووزارة التربية والتعليم وجامعة القاهرة وجامعة الأزهر، بهدف العمل على وضع وصف جديد لطقس مصر يتم دمجه في المناهج الدراسية، سواء أكانت للتعليم العالي أو للتعليم ما قبل الجامعي.

وأضاف: "الوصف الحالي أصبح غير مقنع، ففي كل يوم ترصد الهيئة العامة للأرصاد تغيرات في طقس مصر وظواهر جديدةً غير مسبوقة".

قضية التغيير المناخي يجب أن تُدرَّس للطلاب منذ الصغر، ويكون لها حيز أكبر في المناهج كونها قضيةً معاصرةً ولها آثار مباشرة يشعر بها الطلاب في مختلف مراحلهم، وأيضاً لهم دور كبير في الحد منها

ونبّه شاهين إلى أن المناهج المصرية، بالرغم من كونها مهتمةً بموضوع التغير المناخي، سواء في منهج الدراسات أو الرياضيات، إلا أن التغيرات التي يشهدها الطقس تحتاج إلى مزيد من الشرح في المناهج، وهو ما نتوقع توسعه مع تطبيق الوصف الجديد لمناخ مصر قريباً.

وفي هذا السياق، تقول الدكتورة نوال شلبي، مديرة مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم المصرية، إن قضايا التغير المناخي أُدمجت في المناهج المطورة الجديدة، وهي الآن موجودة في مناهج رياض الأطفال حتى الصف الرابع الابتدائي.

وأضافت خلال لقاء مع رصيف22: "سنستمر في دمج قضايا التغير المناخي في المناهج خلال السنوات المُقبلة حتى نهاية المرحلة الثانوية، وفقاً لطبيعة المادة ومستوى الطلاب".

محتوى بسيط وغير كافٍ

وفق رؤية الدكتور عاصم حجازي، وهو أستاذ علم النفس التربوي المساعد في كلية الدراسات العليا للتربية في جامعة القاهرة وخبير في مناهج التربية والتعليم المصرية، فإن المحتوى الذي يتطرق إلى قضايا التغير المناخي في المناهج المصرية لا يتعدى كونه إشارات بسيطةً ليست بالعمق الكافي لاستثارة انتباه الطلاب بشكل جيد نحوها، وزيادة الوعي بها وبتأثيراتها المختلفة اقتصادياً وبيئياً وسياسياً واجتماعياً.

ويضيف حجازي في تصريحات لرصيف22: "يجب الأخذ في عين الاعتبار أن معالجة مثل هذا النوع من القضايا يجب أن تكون من خلال أنشطة مختلفة، كالندوات وورش العمل والعروض المسرحية، ولا يقتصر الأمر فقط على مجرد موضوعات يدرسها الطلاب، بل يجب أيضاً أن يشتركوا في أنشطة تهدف إلى التوعية بالآثار المختلفة للتغيرات البيئية والمناخية وكيفية تجنبها".

وعن مدى استفادة الطلاب من مناهج مخصصة بحد ذاتها بقضايا التغير المناخي، يقول حجازي: "لا شك في أن قضايا التغير المناخي والبيئي ذات صبغة عالمية وتشغل المجتمع الدولي، وليست مجرد أمور محلية، وعليه فإن إعداد جيل المستقبل يجب أن يتضمن زيادة الوعي بمثل هذه القضايا، ما يساهم في اندماج الطالب المصري في المجتمع العالمي والوعي بقضاياه، وهذه هي الفائدة الأولى، بالإضافة إلى أن التأثيرات السلبية للتغير المناخي والبيئي سيعاني منها الجميع، وتبعاً لذلك يجب أن تحرص المجتمعات المختلفة على زيادة وعي أفرادها بهذه القضايا والسعي إلى إيجاد سبل للتغلب على آثارها السلبية من أجل ضمان مستقبل أفضل للبشرية".

ويشير المتحدث إلى أن القضايا البيئية يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لتنمية الإبداع عند الطلاب واستثارة الخيال العلمي، ودافعاً قوياً لهم لتوظيف طاقاتهم وقدراتهم في ابتكار حلول للكثير من المشكلات المستقبلية، وهو ما يمكن أن يسهم بشكل جيد في رفاهة المجتمع المصري.

أهمية "تعليم تغير المناخ"

تتفق الدكتورة سالي محمد فريد، أستاذة الاقتصاد في كلية الدراسات الإفريقية العليا في جامعة القاهرة، مع هذه الآراء، وترى في تصريحاتها لرصيف22، أن المناهج المصرية لم تدّرس حتى الآن قضية التغير المناخي بشكل عميق، بالرغم من تأثيراتها الكبيرة على الزراعة والأمن الغذائي وقطاعات الإسكان والمجتمعات العمرانية، والتطورات السريعة التي تخص هذه التأثيرات الحالية والمستقبلية.

القضايا البيئية يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لتنمية الإبداع عند الطلاب واستثارة الخيال العلمي، ودافعاً قوياً لهم لتوظيف طاقاتهم وقدراتهم في ابتكار حلول للكثير من المشكلات المستقبلية، وهو ما يمكن أن يسهم بشكل جيد في رفاهة المجتمع المصري

وتضيف المتحدثة: "في حال إدخال التغير المناخي بالشكل الصحيح ضمن المناهج، سيكون مفتاحاً للتطوير المستقبلي لطرق جديدة ورائدة لمعالجة القضايا البيئية، كما أن إدراج تعليم فعال عن تغير المناخ في المدارس سيساعد على إنتاج سلسلة من النتائج الإيجابية، إذ إنه يزيد من عدد المواطنين المطلعين، مما يؤدي إلى مجتمع أكثر نشاطاً واستعداداً بيئياً".

وتشير إلى أن تعليم تغير المناخ (CCE)، هو تعليم يهدف إلى معالجة استجابات فعالة لتغير المناخ وتطويرها، ويساعد المتعلمين على فهم أسباب الأمر وعواقبه، ويهيّئهم للتعايش مع آثاره، ويمكّن المتعلمين من اتخاذ الإجراءات المناسبة لتبنّي أنماط حياة أكثر استدامةً، والتقليل من بصمتهم المناخية على وجه الخصوص.

كما يساعد هذا التعليم صانعي السياسات على فهم مدى أهمية وضع آليات لمكافحة تغير المناخ على المستوى الوطني والعالمي، وضرورتها، وتعريف المجتمعات بكيفية تأثير تغير المناخ عليها، وما الذي يمكنها فعله لحماية أفرادها من العواقب السلبية، وزيادة مرونة المجتمعات الضعيفة التي يرجح أن تتأثر سلباً بهذه الظاهرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard