شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"أرفض الإنجاب الآن"... الشباب العربي في مرمى نيران التغيّر المناخي

"أرفض الإنجاب الآن"... الشباب العربي في مرمى نيران التغيّر المناخي

بيئة ومناخ نحن والبيئة

السبت 1 أكتوبر 202201:57 م
Read in English:

Climate change forces Arab youth to reconsider having children

"لا نريد أن نأتي بطفل إلى هذا العالم الساخن"؛ بهذه الكلمات اختصرت رويدا محمود، حالتها لرصيف22، وهي سيدة تبلغ من العمر 26 عاماً، وتعيش برفقة زوجها سيد علي (35 عاماً)، في محافظة الغربية في مصر.

سافرت رويدا مع زوجها إلى ألمانيا في السنتين الأوليين حيث زوجها كان يستكمل درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية. تقول إن الطقس الأوروبي الحار بشكل غير متوقع أحدث لهما حالةً من الارتباك النفسي، وجعلهما يفكران كثيراً في مستقبل الأطفال في هذا العالم، لذلك أجّلا فكرة الإنجاب إلى أجل غير مسمى، وظلّل هكذا حتى بعد عودتهما إلى مصر، فالطقس أصبح حاراً فيها أيضاً، حسب ما تقول رويدا.

ليس ذلك كل ما يشغل بال رويدا، إذ قالت أيضاً إنها تريد أن تساهم في الحد من كوارث التغيرات المناخية، وقد قرأت أن الزيادة السكانية تساهم في تفاقم الأزمة وما يتبعها من ضغوط نفسية واقتصادية، لذلك هي ترفض فكرة الإنجاب الآن، أو على الأقل تؤجلها، وإن حدث فطفل واحد يكفي، واختتمت قائلةً إن القضية المناخية أصبحت على رأس أولوياتها، وتريد المساهمة في الحد منها حتى لو كلّفها ذلك الكثير.

لا نريد أن نأتي بطفل إلى هذا العالم الساخن.

"أصبحتُ أخشى الزواج"

أما سارة علي (24 عاماً)، وهي فتاة تعيش في أحد أحياء القاهرة، وتخرجت قبل عامين من كلية إدارة الأعمال وتعمل حالياً في إحدى شركات القطاع الخاص، فتقول إنها تفكر جدياً في عدم الزواج.

"السبب الأساسي هو المعاناة التي أشاهد فيها أمي وهي تنجز أعمال المنزل، فتجهز الطعام ثلاث مرات كل يوم في مثل هذا الجو الحار، وتقوم بأعمال التنظيف من كنس ومسح وغسل للملابس والأطباق، ولا توجد أي طريقة لديها للهروب من كل ذلك، فتلك مسؤولياتها التي حملتها وما زالت تحملها منذ سنوات، وأضف إلى ذلك عملها معلمةً في إحدى المدارس الحكومية"، تقول، وتضيف أنها هي أيضاً تعاني من تبعات الطقس الحار يومياً في أثناء ذهابها إلى العمل وعودتها منه، إذ تعود إلى المنزل "غير قادرة على حمل قشة"، وفق تعبيرها، فما بالك لو تزوجت وحملت المسؤولية مثل والدتها!

وكشفت سارة عن بعض المواقف الصعبة التي مرت بها والدتها وجعلتها تكره فكرة الزواج والإنجاب، مثل مهام شراء الخضروات والفاكهة والبقوليات للمنزل سواء قبل ذهابها إلى العمل أو في أثناء عودتها، وتوفير المياه للأسرة في حال انقطاعها، وهي أزمة تكررت كثيراً خلال الفترة الماضية، وبالمثل اضطرارها إلى تلبية مطالب الأسرة في حالة انقطاع الكهرباء سواء كان الجو شديد الحرارة أو غزير الأمطار، وجميعها عوامل ازدادت وطأتها بفعل التغيرات المناخية.

وفي ثنايا حديثها مع رصيف22، اعترفت الشابة بأنها حتى في حال زواجها، فلن يكون قرار الإنجاب أو تبني طفل سهلاً بالنسبة إليها، وسيكون طبقاً للحالة النفسية والاقتصادية لها ولزوجها.

تريد رويدا أن تساهم في الحد من كوارث التغيرات المناخية، وقد قرأت أن الزيادة السكانية تساهم في تفاقم الأزمة وما يتبعها من ضغوط نفسية واقتصادية، لذلك هي ترفض فكرة الإنجاب الآن، أو على الأقل تؤجلها، وإن حدث فطفل واحد يكفي

الشباب يدفعون الثمن

أوضح استطلاع رأي عالمي حديث حول قضية تغير المناخ، طُبِّق على 10 آلاف شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و25، في 10 دول، أنهم يشعرون بقلق كبير من المستقبل، وأن نسبة 45% من المشاركين تصيبهم مخاوف وهواجس تؤثر على حيواتهم اليومية، فيما يرى البعض الآخر أن البشرية أصبحت تتجه نحو الفناء والانقراض.

وفي سياق متصل، عبّر بعض الشباب عن شعورهم بالقلق والخوف والخذلان من فشل الحكومات حتى الآن في التعامل مع قضية التغيّر المناخي وإيجاد حلول جذرية لها.

بالإضافة إلى ما سبق، خلص التقرير إلى أن الشباب يتخوفون من التغيرات المناخية الحالية، لما لها من تأثير على القدرات العقلية والجسدية، وتعرضهم للتعب والإجهاد سواء في حالة الطقس البارد أو الحار جداً، مما يجعلهم يعانون وغير قادرين على القيام بواجباتهم تجاه أسرهم، كما كشف الاستطلاع عن أن 4 من بين 10 أشخاص منهم مترددون في إنجاب طفل.

أما على المستوى العربي، فقد أكدت دراسة نشرها "مجلس الشباب العربي للتغيّر المناخي"، أن الشباب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لهم نصيب الأسد من تداعيات التغير المناخي على الرغم من انشغالهم في القضايا السياسية والاجتماعية أكثر من القضايا المناخية حتى الآن، موضحةً أن التغير المناخي له تأثير كبير على الجانب الاقتصادي وارتفاع البطالة إلى أعلى النسب عام 2021، لمن هم تحت الـ35 عاماً، ومع ذلك فقد ازداد الوعي البيئي بين شباب المنطقة طبقاً لدراسة استقصائية أخرى، وأصبح الشباب يترقبون المزيد من المباردات المناخية للمشاركة فيها، وعلى سبيل المثال أبدى 65% من شباب دولة الإمارات رغبتهم في اتخاذ إجراءات لحماية البيئة.

"أنا الآن حر بلا التزامات"

يقول أحمد محروس، الذي يعيش في محافظة الدقهلية وأتمّ عامه الخامس والثلاثين الأسبوع الماضي، بأنه أصبح يخشى الزواج وإنجاب الأطفال في ظل الغلاء الفاحش، وبحكم عمله مديراً لسلسلة متاجر كبيرة في بلدته، يصيبه الاكتئاب يومياً عندما يرى الأزواج الذين يدخلون لشراء احتياجاتهم في ظل الأسعار التي ترتفع يوماً بعد آخر.

ويشير في حديثه إلى رصيف22، إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يُعدّ سبباً رئيساً في زيادة الأسعار نتيجة تلف وتعفن كميات كبيرة من الأجبان والألبان والبقوليات في المخازن، من دون وجود طريقة لتعويض الخسائر سوى رفع السعر، وتالياً معاناة الناس في الدرجة الأولى.

أصبح جزء من الشباب عازفاً عن الزواج اليوم بسبب الخوف من التغيّر المناخي.

وعن سبب عزوفه عن الزواج، أوضح الشاب أنه الآن حُرّ يفعل ما يشاء، ولا توجد لديه أي التزامات تجاه أسرة يمكن أن يصبح مسؤولاً عنها كلياً من ناحية المأكل والمشرب، كما أنه غير ملزم بالخروج نهاراً في مثل هذا الطقس الحار من أجل تلبية احتياجات عائلته المستقبلية، الأمر يشعره بالراحة نوعاً ما.

في السياق ذاته، أصبحت تأثيرات المناخ تتغلغل إلى الحياة الشخصية للشباب، وتؤثر على ظروف عملهم بشكل أوسع، وتالياً تزيد من خوفهم من المستقبل، ولعل ذلك ما حدث لمحمد عبد القوي (35 عاماً)، وهو عامل بناء في محافظة الشرقية.

فَقَد محمد أخاه الأكبر العام الماضي، وكان يعمل معه في المجال نفسه، بسبب تعرضه لضربة شمس في أثناء العمل في إحدى العمارات، وتحول الأمر إلى حمّى استمرت قرابة أسبوع ولم ينجُ منها، وأوضح لرصيف22، أنه هو الآخر لم يعد قادراً على العمل لساعات وأيام طويلة في مثل هذا الجو الحار، وبالفعل فقد خفّض ساعات عمله مؤخراً.

وعند سؤاله عن الزواج والإنجاب، قال إنه لم يعد متحمساً للفكرة على الإطلاق، فهو لا يتقن في حياته أي مهنة سوى البناء والأخيرة أصبحت شاقةً بالفعل في مثل هذا الطقس المتطرف صيفاً وشتاءً.

الخوف من المستقبل

خاضت بسنت إسماعيل، أخصائية الإرشاد الأسري والنفسي، في هذا الملف مع رصيف22، مؤكدةً على أن جزءاً من الشباب أصبح عازفاً عن الزواج اليوم، وتُعدّ التغيرات المناخية واحدةً من أهم الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك.

من الأفضل تحويل القلق المرضي إلى قلق إيجابي، والسعي إلى المساهمة في إنقاذ العالم بكل الطرق، وتثقيف النفس بقراءة الدراسات التي تتحدث عن المناخ وتطبيقها على أرض الواقع، والاهتمام بمبادرات فردية مفيدة

تشير إسماعيل إلى أن هذه القضية شائكة ومعقدة وأصبحت أمراً واقعاً، كان المجتمع يغفلها حتى تضخمت آثارها ولم يعد في الإمكان تجاهلها، فتغيّر أنماط الطقس له تأثير كبير على تلف المحاصيل، وتالياً ارتفاع أسعار السلع الغذائية، كذلك أصبح المواطن يجد صعوبةً في التأقلم مع يومه العادي والذهاب إلى العمل وقضاء واجباته في أثناء ارتفاع الحرارة، كما أن تكاليف الزواج وبناء أسرة أصبحت مرهقةً ومرتفعةً مما جعل الشباب يعدّونها عبئاً وليس بداية حياة جديدة.

تنصح الخبيرة الأسرية بضرورة وقوف الأهل بجانب أولادهم وإعانتهم على مثل هذه الظروف الصعبة والمستجدة، كما تنصح الشباب بعدم التأثر كثيراً بتداعيات التغير المناخي، مثل الحرائق والفيضانات.

وتضيف: "لا يعني ذلك تجاهل القضية، بل تحويل القلق المرضي إلى قلق إيجابي، والسعي إلى المساهمة في إنقاذ العالم بكل الطرق، وتثقيف النفس بقراءة الدراسات التي تتحدث عن المناخ وتطبيقها على أرض الواقع، والاهتمام بمبادرات فردية مفيدة، مثل زراعة الأشجار على الشرفات والأسطح، مما يسهم في تلطيف الجو وتحسين الحالة النفسية معاً. على الشباب إدراك أن قلقهم لن يغير من الواقع شيئاً، بل إيجابيتهم هي التي ستغير الكثير".

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard