"لم أستطع لقاء حبيبتي في الطقس الحار"... عاجزون عن الحب بسبب تغيّر المناخ

الاثنين 25 يوليو 202201:01 م

نالت منه رتابة الأيام ذات الأجواء المتطرفة، فتطرّف مزاجياً، وتأثر نمط حياته بتغير المناخ، وما عاد يشرق يومه إلا مع الغروب. هكذا يعاني أمير الدين محمد، الشاب العشريني ذو الوزن الزائد عن 135 كيلوغراماً، من ارتفاع درجة الحرارة وسخونة الأجواء، حتى شعر بأنه لا يستطيع الخروج إلى طاولة الملابس التي فتحها على ناصية الشارع الساكن فيه، في إحدى ضواحي محافظة الجيزة جنوب مصر، فأسند إلى توأمه العمل في ساعات النهار، على أن يلتزم هو بالعمل ليلاً.

يختلف التوأمان، المتشابهان في الشكل والوزن، في طباعهما، إذ تتأثر الحالة المزاجية لأمير الدين سلباً في فصل الصيف، على عكس تاج الدين، الذي يستطيع التكيف مع تغير المناخ، لكنه لم يستطع تحمل تغير مزاج توأمه.

تأثرت نمطية الحياة التي تعودا عليها، وكانت لها آثار سلبية على عوائد عملهما الخاص، وحالتهما الصحية والنفسية، والعلاقات الاجتماعية والعاطفية.

منذ ثلاث سنوات بدأت أتوقف تدريجياً عن الحركة صيفاً، وأوكلت الشغل كله إلى توأمي.

يقول أمير لرصيف22: "أنا أحب الشتاء أكثر من الصيف، وحركتي فيه كثيرة ولا ينتج عنها أي تعرّق، ولا أحتاج إلى شرب الماء بالدرجة نفسها. منذ ثلاث سنوات بدأت أتوقف تدريجياً عن الحركة صيفاً، وأوكلت الشغل كله إلى توأمي".

تدهور العلاقات الاجتماعية

في حياة أمير فتاة كان يحلم بالارتباط بها، ومن أجل هذا الحلم كان يعمل ليل نهار، حتى يجمع المال اللازم للزواج بها، وتواعدا على ذلك، ولكن الحب في حياته يأتي في مرتبة متأخرة. ذات يوم كان على موعد للقاء حبيبته عند الظهيرة، قبل ذهابها إلى محل عملها في شارع الهرم، وكانت درجة الحرارة تقارب 38 درجةً مئويةً، ولم يلتزم بالموعد، ولكنه تعامل مع الموقف بفلسفته الخاصة.

ويحكي الشاب: "لم أستطع الخروج لمقابلة حبيبتي بسبب الطقس الحار، وخشيت من غضبها، فقررت أن أرسل إليها شقيقي التوأم ليحل محلي، إنقاذاً للموقف، ولكن تاج رفض، خوفاً من أن تكتشف اللعبة، وبعد إقناعه بالذهاب، تلجلج أمامها فكشفته، واتهمتني بالإهمال وتعمّد إدخال العلاقة في حالة من الفتور غير المبرر".

يعتمد أمير على توأمه في كل الالتزامات والواجبات العائلية، على الرغم من اختلاف شخصيتيهما، فشقيقه تاج يتمتع بشخصية هادئة وعقلانية، بينما شخصية أمير فكاهية ونشطة يصاحبها الجنون. لا يذهب أمير إلى المناسبات العائلية لأنه لا يحب التجمعات والزحام، خاصةً تلك التي تقام في فصل الصيف، ويحضرها عنهما توأمه، الأمر الذي أصاب علاقته بعائلته بشيء من التوتر، ما زاد من أعباء تاج الدين.

يقول أمير: "شعرت بأنني بدأت أخسر كل شيء، وتدهورت تجارتي وعلاقاتي الشخصية والعاطفية، وشعرت بحرج من توأمي الذي أصبح يقوم بالعمل كله من دون أن يعترض"، ويتابع: "تأثرت تجارتي بسبب عدم قدرتي على الحركة في ساعات النهار، فقررت أن أخفض وزني بشكل صارم حتى أستطيع التكيف مع الأجواء المتطرفة، ولكن هذا القرار أدخلني في حالة نفسية سيئة وصلت إلى درجة الاكتئاب".

لم أستطع الخروج لمقابلة حبيبتي بسبب الطقس الحار، وخشيت من غضبها، فقررت أن أرسل إليها شقيقي التوأم ليحل محلي، إنقاذاً للموقف، ولكن تاج رفض، خوفاً من أن تكتشف اللعبة، وبعد إقناعه بالذهاب، تلجلج أمامها فكشفته، واتهمتني بالإهمال

وعند تعرض الإنسان لأبسط تغيّر في نمط حياته اليومية، يصاب بالقلق والريبة، ويعجز نفسياً عن أن يألف العيش في بيئة غير التي اعتاد عليها. وأكدت دراسة حديثة نُشرت في مجلة BMJ OPEN الطبية البريطانية، بعنوان "الآثار الصحية لتغيّر المناخ: نظرة عامة على المراجعات المنهجية"، أن هناك آثاراً سلبيةً لتغيّر المناخ على الصحة العقلية للإنسان، إذ تتأثر نفسيته مباشرةً عند مواجهته للظواهر الجوية المتطرفة.

الاضطراب الوجداني

يقول الطبيب جمال محمد فرويز، استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب وعلاج الإدمان، لرصيف22، إن الكثير من الأمراض النفسية تزداد بحلول الفترة المناخية بين فصلَي الخريف والربيع، ويصاب البعض خلالها بأمراض الاضطراب الوجداني، وهو اضطراب عقلي يتسبب في حدوث بعض التغيرات غير العادية على طاقة المصاب ومستويات نشاطه ومزاجه وتركيزه، وقدرته على القيام بمهامه اليومية المعتادة.

وكشف فرويز، أن هرمون السيروتونين، المعروف باسم "هرمون السعادة"، هو أحد الهرمونات التي يفرزها القولون وجلد الإنسان، وخلال فصل الصيف يؤثر ازدياد ارتفاع درجات الحرارة على الحالة المزاجية للإنسان، ويحدث الاضطراب الوجداني، على شكل نشاط زائد أو اكتئاب حاد.

وفسر الطبيب الأمر بأن الحالة المزاجية للأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات درجة حرارة مرتفعة، تكون سريعة التغير، فيما الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات مناخ معتدل أو بارد تكون حالتهم المزاجية جيدة.

وحول مدى تأثر الأشخاص ذوي الوزن الزائد بالتغييرات المناخية، قال: "من المؤكد أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض السمنة، والأشخاص أصحاب الوزن الزائد، يتأثرون بالتغير المناخي، ويصعب عليهم أداء مهامهم اليومة المعتادة في ظل الأجواء المتطرفة، وهم أكثر عرضةً للإصابة بالاضطرابات الوجدانية".

خلال فصل الصيف يؤثر ازدياد ارتفاع درجات الحرارة على الحالة المزاجية للإنسان.

وعن العلاقات العاطفية وتأثرها بالأجواء المتطرفة ضمن تداعيات التغير المناخي، يقول فرويز: "تصاب العديد من العلاقات العاطفية بالفتور في ظل تغير المناخ، وعندما تتأثر الحالة المزاجية لأطراف العلاقة، هناك من لا يستطيع أن يقدّر إصابة الطرف الآخر بالاضطرابات النفسية الناتجة عن الأجواء المناخية، لا سيما أن الطرف الأول ربما يعاني من الاضطرابات ذاتها من دون أن يعلم، ويتهمه بالتغير المفاجئ، ويلقي اللوم عليه، ويظن أنه سبب هذا الفتور، وقد يؤدي ذلك في أسوأ الحالات إلى التسريع في نهاية العلاقة".

حين تعجز الأم عن الحب

تواجه كريمة لطفي، ربة المنزل ذات الأعوام الستة والثلاثين، أصعب تحدٍ لها منذ أن تزوجت قبل قرابة 13 سنةً، وهي المرأة التي يُشهد لها بالمهارة في تدبير شؤون منزلها، وإدارة ميزانيته، وتسيير الأمور براتب زوجها المحدود، من دون أن يُنقِص ذلك من احتياجات أسرتها شيئاً.

شعرت كريمة في الأشهر الثلاثة الماضية، بما لم تشعر به من قبل، إذ أثّرت التزاماتها المادية وارتفاع الأسعار وفواتير الكهرباء بالتزامن مع لهيب الأجواء والمناخ، على حالتها المزاجية، وعجزت عن تقديم المقدار عينه من الحب والاهتمام والرعاية الذي كانت تقدمه سابقاً لأسرتها.

تأثرت الحالة النفسية لكريمة، بسبب حجم الضغوط التي تعرضت لها، وهي الأم الواقعة بين مطرقة حالتها المزاجية التي تغيرت مع كل المتغيرات من حولها، خاصةً ارتفاع درجة الحرارة، وسندان مسؤولياتها في تقديم الاهتمام والرعاية وتوفير الاستقرار والسكينة التي لطالما بذلت كل الجهد للحفاظ عليها من أجل أسرتها الصغيرة.

تقول كريمة لرصيف22: "اقتطعت فاتورة الكهرباء التي ارتفعت من دون سابق إنذار، بسبب استخدام جهاز التكييف في المنزل، من ميزانية الشهر، الأمر الذي تسبب في أزمة مادية لم أجد لها حلاً. لجأت إلى ترشيد الاستهلاك، ولكنني وجدت أن ارتفاع درجة الحرارة المستمر والمتزايد لا يصلح مع هذا الحل".

لم تيأس كريمة سريعاً، وبحثت عن بدائل من أجل الوصول إلى الاختيار الأنسب: "قررت أن أستخدم مفهوم الترشيد في احتياجات المنزل، بالاستغناء عن كل ما هو استهلاكي، مقابل توفير قيمة فاتورة الكهرباء، نظراً إلى عدم قدرتنا على الاستغناء عن التكييف، ولكن وجدت أن ارتفاع الأسعار لم يترك لي مساحةً أتحرك فيها، فازدادت العُقد عُقدةً جديدةً".

اقتطعت فاتورة الكهرباء التي ارتفعت من دون سابق إنذار، بسبب استخدام جهاز التكييف في المنزل، من ميزانية الشهر، الأمر الذي تسبب في أزمة مادية. لجأت إلى ترشيد الاستهلاك، ولكنني وجدت أن ارتفاع درجة الحرارة المستمر والمتزايد لا يصلح مع هذا الحل

وتضيف: "التغير الذي طرأ على نمط حياتنا، كسر حاجز الاستقرار والسكينة، وأحدث شرخاً في ثقتي بنفسي، فعجزت عن المواجهة، وكان لذلك بالغ الأثر على حالتي النفسية، وتضاعف هذا التأثير بالضغط الذي تحملته خلال ثلاثة أشهر، حاولت خلالها أن أخفي العجز الكبير في ميزانية المنزل، من أجل ألا يشعر أحد بالأزمة، ولكن عجزت أنا نفسياً عن تقديم الحب إلى أسرتي، وضعفت، وكشفتني ملامح وجهي".

وضمن هذا السياق، تقول الدكتورة آمال إبراهيم، استشارية العلاقات الأسرية ورئيسة مهرجان المرأة العربية للإبداع، لرصيف22، إن التغييرات المناخية تؤثر بشكل مباشر على حياة الإنسان، الذي هو فرد من أفراد الأسرة الصغيرة، التي هي بدورها مكوّن من مكوّنات المجتمع.

ولفتت الدكتورة آمال، إلى أن هذه المتغيرات تمثل تأثيراً كبيراً ومباشراً على الحالة الاقتصادية للمجتمع، وتزيد من الأعباء المالية على الأسر الصغيرة، وتنتج عنها صعوبة في مواجهة التحديات والتصدي للمشكلات، فتنمو وتتفاقم بدرجة تحول دون الحفاظ على استقرار الأسرة، وقد تصل النتيجة إلى الطلاق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard