"نشعر بتجليات التغيّر المناخي على المستوى المحلي"... عن جيل أردني بدأ يهتم بالبيئة

الخميس 28 يوليو 202203:35 م

يستطيع أي شخص يُجري استطلاعاً، سواء كان عشوائياً أو محدداً لعيّنات مستهدفة، أن يدرك بسهولة أن الوضع الاقتصادي والمعيشي هو الهم الأعظم للمواطنين الأردنيين، وليس مستبعداً أن تكون له الأولوية على الصحة والحياة، في حالات نادرة.

لكن، وامتداداً لبروز قضايا البيئة، خصوصاً بعد جائحة كورونا وارتباطها بالعامل الحيواني والبيئي، بدأ أردنيون/ ات يتلقفون/ ن هذا الاهتمام بصرف النظر عن أولوية الهم الاقتصادي والمعيشي، وعن الحراك الحقوقي الأردني الخجول في ملف البيئة، ليكون خروج صوت أردني بيئي، ولو كان ضعيفاً، بمثابة "أول الغيث قطرة".

كثيرة هي المؤشرات التي تثبت أن الصوت الأردني للدفاع عن قضايا البيئة ما زال في مراحل نشأته، بدليل غياب الهيكلية للمبادرات الشبابية التي تظهر هنا وهناك للدفاع عن ملف البيئة كالمناخ والأشجار والمياه، وكلاسيكية برامج وزارة البيئة التي ما زالت تستخدم العقلية القديمة غير الملائمة للتطورات التي طرأت على المشكلات البيئية في العالم، ناهيك عن انحصار الوسط الحقوقي الأردني في قضايا المرأة والطفل والحريات والعمل وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية على حساب الحقوق البيئية.

الصوت الأردني للدفاع عن قضايا البيئة ما زال في مراحل نشأته.

"إخفاق أردني"

يتحدث الخبير البيئي والكاتب باتر وردم، إلى رصيف22، عن "الإخفاق الأردني في قضايا البيئة، بدءاً بالدستور الذي لا يتضمن الحق في بيئة نظيفة كأحد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المادة السادسة منه، على عكس الكثير من الدساتير الحديثة في العالم، وصولاً إلى عدم وجود الكثير من المحامين الأردنيين المختصين بالشأن البيئي، حتى أنه لا يوجد قضاء مختص بالقضايا البيئية، فنرى رفع قضايا للادّعاء العام من قبل وزارة البيئة على بعض المصانع والجهات التي تخالف القوانين البيئية، ولكن من النادر وجود ادّعاء للحق العام".

واستشهد بمثال على ذلك، عندما رفع المجتمع المحلي في مدينة الفحيص دعوى ضرر بيئي على شركة إسمنت في المدينة، وكان من الصعب إثبات أن الضرر الصحي مثل الالتهاب الرئوي والسرطانات ناجم بشكل رئيسي عن انبعاثات صناعة الإسمنت.

ويختم: "هذا المثال البسيط مؤشر على انخفاض الصوت الحقوقي الأردني في قضايا البيئة بالرغم من حساسية هذا الملف وأهميته وانعكاساته على الصحة والاقتصاد أيضاً".

وعي في بداياته

بدورها، تشير الخبيرة في الشأن البيئي الصحافية فرح عطيات، إلى بروز صوت أردني بيئي مؤخراً، وهو وفق رأيها "امتداد للاهتمام العالمي بموضوع التنوع الحيوي والتغيّر المناخي، وهذا الصوت طال مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبحنا نرى منشورات وحملات أردنيةً وإن لحظية تحارب أي تدمير للبيئة".

"موضوع البيئة لم يعد هامشياً مؤخراً"، تقول عطيات، مشيرةً إلى أن "المشكلات البيئية باتت تؤثر على صحة الأفراد والأمن الغذائي، وهي عامل رئيسي للفقر، وترتفع نسبة تأثيرها على الصحة مثل تسببها بالإصابة بأمراض الربو"، وتضيف: "حتى عندما نتحدث عن جائحة كورونا، لا ننسى أن أسبابها اعتداءات على الطبيعة أدت إلى تغيير ملامح سكن الحيوانات التي أصبحت قريبةً من البشر وعلى تماس مباشر معهم".

صحيح أن هناك غياباً للوعي بمفهوم التغير المناخي، لكن ربطه بمشكلات الطقس مؤشر على إدارك الأردنيين مؤخراً للمشكلات البيئية المتعلقة بطفرات درجات الحرارة، إذ أصبح الأردن يعاني من ارتفاع في نسبة الجفاف والناس بدأت تشعر بأننا تغيرنا

لكن الأردنيين بشكل عام ما زالوا غير واعين بالشكل الكافي بموضوع التغير المناخي وعلاقته بالطقس ودرجات الحرارة بحسب عطيات، بدليل نتائج استطلاع للرأي صدر مؤخراً، وكشف أن 87.6 من الأردنيين/ ات يشعرون/ ن بتغير في حالة الطقس، وحينما سئلت عيّنة الدراسة التي أجراها مركز "نماء" لاستطلاع الرأي عن التغير المناخي، ربط 54% من المستطلَعين هذه الظاهرة بتغيّر الطقس وأوقات المواسم، بينما تحدث 20% منهم فقط عن وجود رابط بين التغير المناخي والاحتباس الحراري والتلوث وارتفاع درجات الحرارة، وأشار 10% إلى مشكلات شح المياه والتصحر.

وتستكمل عطيات: "صحيح أن هناك غياباً للوعي بمفهوم التغير المناخي، لكن ربطه بمشكلات الطقس مؤشر على إدارك الأردنيين مؤخراً للمشكلات البيئية المتعلقة بطفرات درجات الحرارة، إذ أصبح الأردن يعاني من ارتفاع في نسبة الجفاف والناس بدأت تشعر بأننا تغيرنا، حتى أنه بتنا نسمع كبار السن يقولون: ‘كان موسم الشتاء زمان يا محلاه، وكانت الأراضي خضراء وخصبة’".

تختم فرح متفائلةً بالجيل الأردني الجديد الذي بات جزء منه يهتم بالشأن البيئي، وتقول: "هذا شيء مبشّر عندما نرى شبابنا يشاركون في مؤتمرات عالمية مختصة بالبيئة، ونسمع عن مبادرات تطوعية لحماية الطبيعة، ربما هذا الجيل واعٍ بأنه ووفق التقارير الدولية، لن يجد في المستقبل كوكباً للبشرية، لأن الأرض ستصبح غير صالحة للعيش".

"أصوات قليلة"

لا ترى الخبيرة الحقوقية في الشأن البيئي هلا مراد، أن بروز أصوات أردنية تدافع عن البيئة تأخّر أردني فحسب، بل هو كما تقول تأخّر عالمي، فالاعتراف بالبيئة كحق أساسي من حقوق الإنسان لم يأتِ على شكل منظومة عالمية إلا بعد شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، بعد صدور قرار من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بعدّ البيئة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.

وتضيف مراد لرصيف22: "نعم بدأت تظهر الأصوات التي تدافع عن حقوق البيئة في الأردن، لكنها قليلة، فمن يؤمنون بالعمل البيئي ما يزالون قلةً، ومن يهتم بالعمل الحقوقي العام لا يُعنى بالبيئة كواحدة من مضامين عمله، فضلاً عن وجود فجوة بين من يعملون بآليات وتقنيات وبين من يعملون من زاوية حقوقية، والجسر بينهم يتسع يوماً بعد آخر".

قضية المياه على رأس أولويات العمل البيئي الأردني.

وتشرح عن أبرز اهتمامات الناشطين البيئيين في الأردن: "قضية المياه على رأس أولويات العمل البيئي الأردني، فالوضع المائي في البلاد خطير ومرعب، وقضية الأمن الغذائي تشمل استعمال الأراضي في ظل عقود من وأد الأراضي الزراعية والحرجية، وهناك توجه لا ننكره هو التغير المناخي، وبات الاهتمام به يظهر خصوصاً بعد الطفرات في موسمي الصيف والشتاء".

ويُعدّ الأردن بلداً شحيح الموارد المائية، إذ يتجاوز حجم العجز المائي فيه 500 مليون م3 سنوياً، علماً بأن حصة الفرد من المياه في الأردن تبلغ نحو 100 م3 للفرد/ سنة، للاستعمالات جميعها، وهذه الكمية أقل من مستوى الفقر المائي العالمي المحدد بـ500 م3/ للفرد. فيما يُعدّ الأردن من أقل الدول المتسببة بظاهرة التغير المناخي، نظراً إلى قلة النشاطات الصناعية التي ينفذها وتسهم في تفاقم الظاهرة.

مبادرات واهتمام شبابي

بدأت العديد من المبادرات الشبابية بالبروز في الأردن خلال السنوات الأخيرة للدفاع عن قضايا البيئة، ومنها مبادرة "ذكرى" التي تعمل على إعادة العلاقة مع الطبيعة والأرض والمصادر من حولها من خلال العودة إلى الزراعة الشعبية، مثل زراعة القمح، ومبادرة حماية الأشجار في غابات برقش شمال البلاد ومحاولة الحد من قطعها، وحملات المطالبة بمنع قطع الأشجار في غابات ضانا جنوباً.

سألنا الناشط الشبابي غيث شقيري، عن سبب اهتمامه بشؤون البيئة ومشاركته في حملات شبابية تظهر بين فترة وأخرى، خصوصاً تلك المتعلقة بمناهضة قطع أشجار الغابات، وأجاب: "لأننا بدأنا نشعر بتجليات التغير المناخي على المستوى المحلي، ولأننا لاحظنا عدم اهتمام الدولة الأردنية بأجهزتها الرسمية بالملف البيئي".

وأضاف: "أصبحنا كشباب وشابات أردنيين/ ات نقارن أنفسنا بالدول المجاورة، ففي السعودية مثلاً هناك مشروع لزرع مليون شجرة، ونحن في الأردن نقطع الأشجار ونعتدي على الغابات ولا نراعي النظم البيئية المحيطة بنا".

ويختم: "بلدنا الذي كنا نغنّي ونحن أطفال ونقول عنه ‘نحو أردن أخضر’، أصبح عبارةً عن صحارى، وأنا أعوّل على الجيل الجديد باهتمامه بموضوع البيئة، وعلى تأثيرات الثقافات المختلفة التي يتلقّفها من مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا مهم ويجعلنا نأمل بأن يكون لملف البيئة في الأردن مستقبل أفضل".

البيئة ليست أولويةً

"بس أقدر أَطَعمي ولادي بهتم بالبيئة"؛ جواب عن سؤال عشوائي لمواطن التقى به رصيف22، عند مدخل محل خضروات في عمان.

بلدنا الذي كنا نغنّي ونحن أطفال ونقول عنه ‘نحو أردن أخضر’، أصبح عبارةً عن صحارى، وأنا أعوّل على الجيل الجديد باهتمامه بموضوع البيئة، وعلى تأثيرات الثقافات المختلفة التي يتلقّفها من مواقع التواصل، وهذا يجعلنا نأمل بأن يكون لملف البيئة في الأردن مستقبل أفضل

ضحك علي منصور (63 عاماً)، لدى سؤاله عما إذا كان يهتم ببيئة بلده، وأضاف وهو يشير إلى أكياس الخضروات التي يحملها: "كيلو الليمون أصبح بأربعة دنانير، والبندورة صار أصحاب العز فقط قادرين على شرائها، وإحنا المسخمين الله بعلم فينا، وبتقوليلي بيئة؟".

قاطعتنا سيدة سبعينية سمعت حديثنا، وعرّفت عن نفسها بأم هاشم، وقالت: "أي بيئة وزمن البركة راح؟"، وتابعت: "زمن البركة أيام ما كنا نزرع ونحصد بإيدنا مش نستورد خضروات مهرمنة، أيام ما كانت الناس الطيبة والله يجازيها بالمطر، مش ناس ظالمة الله بحرمها من المطر وبطوّل شمس الصيف فيها".

وختمت حديثها بأبيات تقول إنها كانت تسمع والدها ورفاقه في الحقل يرددونها في "زمن البركة":

رمينا الحب وتوكلنا على الرب

يا رب تطعمنا وتطعم منا

يا مطعم الطير في ظلام الليل

ومطعم الهاجم والناجم

واللي على جنبه نايم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard