"عيب وليس من عاداتنا"... مصريات لم يزرن البحر قط

السبت 18 يونيو 202201:22 م

أتحدث مع أمي عن البحر والمصيف، فتضحك وتقول: "المصيف ده بتاع الناس الفاضية"، فهي لم تعِش هذه التجربة أبداً، ولم تشعر طوال حياتها في القرية بأن شيئاً ينقصها، ففي رأيها هناك أمور أخرى يجب أن نهتم بها وننفق عليها أموالنا.

كلام متكرر نسمعه كل عام مع بداية الصيف، ونزاع يدور بين النساء والرجال أيضاً بسبب لباس السباحة "البكيني والبوركيني"، وكأن كل نساء مصر ينتظرن الصيف للزحف إلى البحر، بينما يمكن ملاحظة أن العدد الأكبر منهن قضين حياتهن من دون أن يصيّفن ولو مرة واحدة.

البعض يعتقدون أن المصيف رفاهة لا ضرورة لها، ويرى آخرون أنه للذكور فحسب، بينما العدد الأكبر يؤمنون بأنه "عيب" وليس من التقاليد.

المصيف ده بتاع الناس الفاضية.

"كلام فاضي"

على غرار الأمهات والجدات، ترى نساء في الريف المصري أن المصيف "رفاهية" لن تضيف إليهن شيئاً، ولذلك لا تطلب المرأة من الزوج أن يأخذها إلى البحر هي وأبناءها، بينما تكّرس أولوياتها لأمور المعيشة.

تقول كريمة خلف، وهي سيدة ستينية من إحدى قرى محافظة كفر الشيخ، لرصيف22: "نحن نقول نهر النيل بحراً، ننزله عندما تنقطع المياه لنغسل المواعين أو لأغراض أخرى. في ناس هنا أسمع أنها تذهب للبحر في بلطيم والإسكندرية ولكن أنا عمري ما صيّفت ولا هفكر أصيف، لا أنا ولا أولادي".

أضافت كريمة: "هل سنموت لو حُرمنا من المصيف؟ لا. يمكن أن نموت من قلة الأكل والعمل. والنقود التي سنذهب بها إلى البحر من الأفضل أن ننفقها على تعليم الأحفاد وشراء كسوتهم".

"لو طلبت من زوجي أن أذهب إلى البحر لن يقبل، فهذه عادة غير منتشرة هنا، ويرى الناس أنها عيب. لا ينقصنا المال ولكن نفكر دائماً في الأمور الأهم"، هكذا قالت سامية محمد (38 سنةً)، من محافظة البحيرة، لرصيف22.

وأضافت سامية: "فكرة الترفيه غير شائعة عندنا، فأقصى ما يمكن أن أقوم به هو أن أذهب إلى عند أمي لأمكث معها يومين. بالنسبة له هذه هي الفسحة وغير ذلك اسمه ‘بتر على النعمة’، والحمد لله أدينا عايشين".

في بيتنا المصيف لأخي فقط، وهناك الكثير من العائلات تفكر بالطريقة نفسها. طلبت من أبي أكثر من مرة أن أذهب إلى البحر ولكنه رفض، بينما يسمح لشقيقي بالذهاب مع أصدقاء له والمبيت في الخارج، وهذا الأمر يستفزني كثيراً

البيت أولى بالمصاريف

"عدد كبير من الأسر المصرية في الريف المصري وخاصةً النساء، ربما لم يروا شاطئ البحر أبداً، ولم تعرف أقدامهم طريق المصيف طوال حياتهم، ومنهم أمي وخالتي وعمتي والكثيرات، وذلك ليس بسبب سوء الحالة المادية فقط، بل إن المصيف بعيد كل البعد عن تفكير هؤلاء السيدات اللواتي لم تنشغل إحداهن أو تهتم يوماً إلا بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها، إذ تعيل كثيرات منهن أسرهن، ويساهمن في العمل والإنفاق على البيت والأسرة"، يقول الباحث في التراث خطاب معوض لرصيف22.

ويضيف: "لو سألنا واحدةً من هؤلاء النساء عن رأيها في الذهاب إلى المصيف، لبادرت بالقول إن البيت أولى بالتكلفة، فشراء كسوة الصيف للأولاد أو لحمة العيد أو دفع مصروفات المدارس أهم من التفكير في الذهاب إلى البحر".

"المصيف لأخي فقط"

من جهة أخرى، يسود اعتقاد لدى بعض الفئات في المجتمع المصري بأن المصيف للرجال فحسب، فنرى الشباب يذهبون مع أصدقائهم للترفيه عن أنفسهم في أقرب مكان يطل على البحر، في حين قد لا يسمحون لشقيقاتهم بالذهاب.

علياء محمود (25 سنةً)، من محافظة الجيزة، قالت لرصيف22: "في بيتنا المصيف لأخي فقط، وهناك الكثير من العائلات تفكر بالطريقة نفسها. طلبت من أبي أكثر من مرة أن أذهب إلى البحر ولكنه رفض، بينما يسمح لشقيقي بالذهاب مع أصدقاء له والمبيت في الخارج، وهذا الأمر يستفزني كثيراً".

وأضافت علياء: "أخي نفسه يقول إن المصيف عيب للبنات وهو للشباب فقط، وطبعاً هذه ازدواجية ولكن ما في اليد حيلة. أغضب عندما أرى زميلات لي يذهبن مع أسرهن إلى البحر، ولكن في منطقتنا يندر أن يحدث هذا. سأنتظر إلى ما بعد الزواج، ويجب أن أختار رجلاً يوافق على ذهابي إلى المصيف".

هذه النظرة يؤكدها هيثم سيد (28 سنةً)، من محافظة القليوبية، إذ يشير في حديثه مع رصيف22، إلى أن المصيف برأيه للشباب فقط، بالطبع لو توافرت النقود، أما البنات والسيدات فلا يمكنهن الذهاب إلى البحر. "من جهة هذا الأمر ليس من عاداتنا، ومن جهة أخرى نخاف عليهن من التحرش، فعلى الشاطئ هناك كثير من الرجال والشباب ويمكن أن يجرحهن أحد ما بكلمة".

السفر من منطقة إلى منطقة من أجل المصيف صعب ومكلف جداً على كثير من المصريين.

وعند سؤاله إن كان يذهب إلى المصيف وكيف يتعامل مع البنات هناك، ضحك وأضاف: "إحنا بنسافر نغير جو وأكيد التحرش عيب وحرام هذا ما تربينا عليه. أنا أعلم أن كثيرات من النساء يذهبن إلى المصيف، ولكني لا أحبذ ذهاب أختي، وكذلك عندما سأتزوج لن أذهب مع زوجتي".

خارج حسابات المرأة

أسماء رمضان (34 سنةً)، من مركز إدفو في محافظة أسوان، قالت لرصيف22: "عشت في أسوان عمري كله ولم أذهب إلى المصيف ولا مرة، ولم أسمع بهذه الكلمة إلا عندما جئت إلى القاهرة ودرست في الجامعة، وعندما انتشر المصطلح أكثر في الصعيد مؤخراً لم نهتم به لأنه ليس من أولوياتنا ولم نعتَد عليه. هنا لا يفكر أحد في الرفاهية، بل نهتم فقط بأساسيات الحياة".

أسماء أضافت: "في القرى الموضوع أشد تعقيداً، فالناس هناك ترتبط بالأرض ومن غير الممكن أن يتركوها لأي سبب، كما أن ثقافتهم ترفض الفكرة وخاصةً أن مكان المصيف بعيد عنا، وأيضاً زي المصيف لا يتناسب مع الست الصعيدية".

وضمن هذا السياق يضيف مصطفى محمد (32 سنةً)، وهو من محافظة سوهاج، أن بعض التغيرات حدثت من دون شك في المجتمع المصري، إذ ازدادت نسبة تعليم الفتيات، وعاشت العديد من العائلات خارج البلاد لسنوات فاكتسبت عادات جديدة. "مع ذلك لا زلنا في الصعيد لا نهتم كنساء ولا كرجال بالمصيف، فالمال من الأولى أن نستخدمه في أمور أهم، والمرأة هنا تتمسك بالعادات والتقاليد والموروثات".

عدد كبير من الأسر المصرية، ربما لم يروا شاطئ البحر أبداً، ولم تعرف أقدامهم طريق المصيف طوال حياتهم، ومنهم أمي وخالتي وعمتي والكثيرات، فالمصيف بعيد كل البعد عن تفكير هؤلاء السيدات اللواتي لم تنشغل إحداهن يوماً إلا بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها

يؤكد محمد جمال سباق الحويطي، الباحث المتخصص في تاريخ صعيد مصر وتراثه، على هذه الفكرة، ويقول لرصيف22: "المصيف للمرأة الصعيدية خارج حساباتها، وليس لديها الترفيه الزائد لتفكر فيه، إلا في حالات نادرة لعائلات عاشت خارج الصعيد طويلاً، مع أن كثيرين يذهبون إلى مدن أخرى خاصةً القاهرة للعمل، أو حتى خارج مصر".

وأضاف الحويطي: "الترفيه بالنسبة إلى أهل الصعيد محصور بالزيارات المنزلية، والأمر ليس فقط بسبب التكلفة المادية وإنما العادات المتوارثة. هناك حالات قليلة لأسر تذهب إلى البحر، وحينها تجلس المرأة على الشاطئ فقط. أنا مقيم في القاهرة ووالدي ووالدتي تربيا في الصعيد ولكننا لم نذهب أبداً إلى المصيف وهكذا تكيفنا ولا نعدّه ضرورةً".

ويختم الحويطي، وهو عضو عامل في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقول: "السفر من منطقة إلى منطقة من أجل المصيف صعب ومكلف جداً على كثير من المصريين اليوم. لو سألنا إحدى الجدات إن كانت قد ذهبت إلى البحر من قبل يمكن أن تعدّ السؤال سخريةً، فهناك نساء عشن في القرية ومتن قبل أن يخرجن منها. لا ينفي ذلك طبعاً خروج الجيل الجديد للتعليم، أو لقضاء الحاجات الضرورية. أما الذهاب إلى البحر، فهو أمر مختلف ما زال نادر الحدوث في مجتمعنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard