شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
يتناقلنه سرّاً... الشعر سفينة النساء للبوح الممنوع

يتناقلنه سرّاً... الشعر سفينة النساء للبوح الممنوع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الاثنين 1 نوفمبر 202108:31 ص



لم تنتهِ جريمة وأد الإناث أحياءً، بانقضاء زمن الجاهلية، فما زالت الجريمة مستمرةً، وإن أضحى الوأد معنوياً، بحرمانها من حقوقها كإنسان، وإبقائها في قفص الحريم، لا تغادره إلا بأمر الذكر الذي قد يكون الأب، أو العم، أو الأخ، أو الزوج.

وعلى الرغم من صيحات التحرر كلها، ما زالت المرأة في عدد من المجتمعات المغلقة تحاول جاهدةً الخروج من الشرنقة، والإفلات من قبضة أفكار ذكورية ما زالت ترى المرأة عديمة الأهلية.

لكن المرأة لم تقف مكتوفة اليدين، وقاومت مقاومةً سرية شفهية، بعيداً عن مجالس الرجال، فأفضت بمكنون غضبها شعراً حانقاً وغاضباً. ولدينا تجربتان مهمتان في هذا الصدد، متقاربتان في المضمون، ومتباعدتان في الجغرافيا: الأولى في مصر في ما يُعرف بـ"شعر الغناوة"، والثانية في أفغانسان في "شعر اللانداي".

"الغناوة" في مصر

في مصر، وفي صحرائها الشرقية، وتحديداً في قبيلة عرب الهنادي في الشرقية والبحيرة، توارثت النساء لوناً شفهياً من الغناء، لم يُنسب لشاعرة محددة، فهو تراث أنتجه العقل الجماعي لنساء القبيلة.

صغْنَ عبر هذا التراث مشاعرهن المكبوتة التي حرمها الرجال من الانطلاق في فضاء الكون. عُرفت تلك الأشعار بـ"شعر الغناوة"، وكادت أن تظل تراثاً سرّياً لا يعرفه سوى أبناء القبيلة، لولا دراسة فريدة ووحيدة أصدرتها أستاذة الأدب العربي في جامعة أريزونا الأمريكية، الروائية والكاتبة ميرال الطحاوي، في كتاب حمل عنوان أحد تلك الأشعار، "بعيدة برقة عن المرسال"، جمعت فيه تراث نساء قبيلتها الذي استمعت إليه سنواتٍ، من خلال جدَّتها.

جاء الكتاب لينقل لنا صورةً من عالم لا نعرفه، عالم له مخزونه الفولكلوري، وهو ما عبّر عنه بدءاً من عنوانه، فإقليم برقة كان يخضع لنفوذ الحكم المصري القديم، وبعد الفتح الإسلامي صار ملاذ قبائل بني هلال، وبني سليم، وصار فردوسهم المفقود الذي تركوه بسبب النزاع القبلي، والجدب، إلى وادي النيل... فظل الحنين إلى "برقة" حياً في الوجدان، يعبّرون عنه في أشعارهم، ويرون أن الحبيب بعيد عنهم، بُعدَ برقة.

جاء الكتاب من واقع تجربة معيشة للطحاوي، التي عاشت في الصحراء، واستمعت إلى تلك الأهازيج والأشعار من جدّتها. وقد خالفت قانون النساء شاعرات "الغناوة"، إذ ليس مسموحاً على الإطلاق إذاعة تلك الأشعار، لكنها أفشت سرّ تلك الجلسات النسائية، لتدوّن هذا التراث الشفهي البليغ، لسببين كما بيّنت هى في دراستها. الأول: "أن أمزّق تلك الصورة المرسومة لي سلفاً، كابنة عرب تعيش وتموت مثل الناقة البكماء، ولا تتجرأ على الكتابة، أو البوح، والتأوّه، والشكوى، والوجد".

عُرفت بـ"شعر الغناوة"، وكادت أن تظل تراثاً سرّياً لا يعرفه سوى أبناء القبيلة لولا دراسة فريدة ووحيدة عرضت تلك الأشعار التي تتناقلها نساء قبيلة عرب الهنادي في الشرقية والبحيرة، في مصر

أما السبب الثاني للتدوين، فهو رغبة باحثةٍ أكاديمية متخصصة في الأدب العربي، في كسر تلك الحلقة الطويلة من حجب الإبداع الشفاهي الأنثوي، اللهم إلا أشعار الرثاء التي عُرفت بها الخنساء، أو أغاني الأفراح. فكما شرحت الكاتبة أنه على الرغم من أن المرأة في تراث البادية كانت موضوعاً للغزل الصريح حد الابتذال، إلا أنه لم يكن مسموحاً لها التعبير عن ذاتها علناً، فكانت جلسات النساء المسائية الملاذ الذي يبدعن فيه، وينقلن هذا الإبداع شفاهةً، من جيل إلى آخر، ويتداولن ما سمّي بـ"غناوة علم"، تلك الأغنيات القصيرة التي تتغنّى بالمحبوب، ويشار إليه بلفظ علم، على سبيل الاستعارة، أو الكناية، أو التخفّي.

تضمن الكتاب مختاراتٍ من "الغناوة"، جمعتها الطحاوي من قبيلتها عرب الهنادي، في الشرقية، والبحيرة، والفيوم، من التراث الشفهي الجماعي الموروث، غير المنسوب إلى شاعرة، منها:

بنيت قصر في الآمال أكبر/ الياس جه وهدمه (بنيت قصوراً من الآمال، وكبرت في محبتك، فجاء اليأس وهدمها)

نار يا عزيز غلاك/ كلت جميع ما حاز النظر (نار محبتك أكلت كل ما في مرمى البصر)

نبكي العمر يوم بيوم/ عليك نين يا غايب تجي (أبكي العمر يوماً تلو يوم عليك يا حبيبي الغائب حتى تعود)

بيني وبينهم بلدان/ والخاطر/ بين نارين (بيني وبين من أحب بلاداً، وعقلي مشغول بنار المحبة، ونار الغياب)

بين ياسين ورجا/ خليت يا عزيز/ العقل (بين يأسين ورجاء واحد، تركت عقلي يا محبوبي)

خطورك على سهوات/ بكى العقل والعين يا علم (عندما تخطر على بالي سهوا تبكي عيني وقلبي معاً)

نساء الرماح

على النقيض من ذلك، في قطاع آخر من صحراء مصر الشرقية، نرى صورةً مغايرةً، من خلال نساء قبيلة الرماح التي تعود جذورها إلى المغرب العربي، والتى استوطنت منخفض الفيوم. في هذه البقعة الجغرافية، بدوٌ لهم طبيعة مغايرة، كما يقول الروائي حمدي بوجليل، وهو ابن تلك البيئة البدوية التي نسج عالمها سطوراً في رواياته.

يقول بوجليل، إن أشعار النساء في قبيلته، مليئة بالفخر، والزهو، وهي امتداد لأشعار الخنساء. والنساء في قبيلته، لا يخفين مشاعر الحب، خوفاً، أو رهبةً من قانون القبيلة، ولكن لأن الإفصاح عن تلك المشاعر علناً، يتعارض مع قوّتهن.

لكنه مع ذلك، لا ينكر أن الثقافة البدوية في قبيلته، وبشكل عام، تظلم المرأة، فتحرمها من الميراث، ومن الزواج من رجل من غير رجال القبيلة، وتغرس في الصبي التباهي برجولته، بينما تربّي الفتاة على وأد أنوثتها، وهو ما أفرز السعار الجنسي لدى الرجل، والعزوف عن الجنس لدى المرأة.

وأشار إلى أن نساء قبيلته، عندما يكبرن في السن، يقمن بأمرَين: ترديد الشعر في الأفراح، وفي المآتم، ويتحررن فيه إلى حد الإباحية، وتدخين نوع من الأعشاب يشبه "القات".

الشعر ضد القمع

عانت النساء الأفغانيات من قسوة الرجال المستمَدة من قسوة الجبال. ولم تجد نساء "البشتون"، وهم القومية التي تنتمي إليها طالبان، سوى الشعر متنفساً يعبّرن من خلاله عن مشاعرهن المكبوتة، وأحلامهن المسحوقة.

لم تجد المرأة سوى الشعر، لتعبّر من خلاله عن غضبها، وكراهيتها لعالم الرجال، خصوصاً الزوج الذي قد يكون عجوزاً يكبرها بعقود، وهذا واقع قائم حتى قبل ظهور حركة طالبان، وسيطرتها على أفغانستان.

"تتناقل نساء البشتون أشعار ‘اللانداي’، وتعني القصير، أو الموجز، في لغة الباشتو، والتي ظلّت تراثاً شفهياً، حتى قرر المثقف والشاعر الأفغاني سيد بهاء الدين مجروح (1928-1988)، جمعها في كتاب أحدث دويّاً"

تتناقل نساء البشتون أشعار "اللانداي"، وتعني القصير، أو الموجز، في لغة الباشتو، والتي ظلّت تراثاً شفهياً، حتى قرر المثقف والشاعر الأفغاني سيد بهاء الدين مجروح (1928-1988)، جمعها في كتاب أحدث دويّاً.

وبهاء الدين مجروح، من أهم الأدباء في تاريخ أفغانستان الحديث، وكان قد نُفي إلى بيشاور في باكستان، بسبب معارضته للسياسات التشددية، واغتيل عام 1988.

اتّسمت أشعار نساء البشتون بالجرأة في التعبير عن الحب، ومناجاة العشيق، وفي تسجيل معاناتهن الوجودية:

لتقطف الورد ملء راحتَيك

أنا بستانٌ أنت مالكه

خفيةً أكتوي

خفيةً أبكي

أنا امرأة البشتون التي لا تقدر على الإفصاح عن حبّها

وهبني الرجل رجلاً طفلاً

لكن يا إلهي عندما يكبر ويشتد عزمه

أكون قد أصبحت كهلةً هزيلةً.

وعن لوعة فقدان الحبيب، قلن:

إذا مات حبيبي لِأكُن كفنه

هكذا نتزوج الرماد معاً

إما أن تكون على صدري دائماً

وإلا فالأفضل أن تكون بين ذراعَي الأرض المعتِمتَين.

وتبالغ المرأة البشتونية في جرأتها، لتكسر قيود الطوق الذكوري:

تعال قبّلني دون تفكير في المجازفة

إذا قتلوك ليس هذا مهماً

يستشهد الرجال الحقيقيون دوماً في سبيل الجميلة.

وتعبّر عن معاناتها الأكبر، حين تُجبَر على الزواج من رجل عجوز:

أيها البشر القساة

ترون كهلاً يجرّني إلى فراشه

وتسألون لِمَ أبكي وأنشد شعري؟

وقد تعرضت النساء اللواتي يكتبن شعر "اللانداي"، للاضطهاد والتعذيب، كما حدث مع الشاعرة زارمينا التي انقضّ عليها أهلها بالضرب، وحبسوها في المنزل، بعدما سمعها أحدهم تلقي قصيدة حب على الهاتف، فانتحرت بإشعال النار في جسدها، وكانت تكتب أشعار "اللانداي" باسم مستعار هو "راحيل"، وكانت عضوةً في جمعية شعرية نسائية سرّية اسمها "ميرمَن بَهير"، في مدينة قندهار.

هل الشعر قارب نجاة نفسيّ للنساء؟

في يقين الكاتب والشاعر أحمد الشهاوي، "لا يوجد جنس أدبي محدَّد يمكن أن يكون مناسباً للمرأة، أو على مقاسها النفسي والاجتماعي، عن سواه من الأجناس، أو الأنواع، أو الأشكال الأدبية الأخرى المطروحة في الحقل الأدبي"، فـ"المرأة بوَّاحةٌ عادةً في أي ثقافة، وهي أكثر بوحاً واعترافاً من الرجل الذي هو صندوق مغلق".

يقول: "أنا بطبيعتي لا أعوّل كثيراً على من يعتقدون، أو يعتقدن، أنَّ الكتابة بوح واعتراف فحسب، والتحرر من ربقة المجتمع الذكوري، والنضال من أجل قضايا المرأَة، إذ هي في الأصل بناء فني محكم، يحتاج إلى لغةٍ، وعمارةٍ، ومخيَّلة جموح، وأعرف أنَّ هناك كاتباتٍ لا يستطعن الكتابة خارج ذواتهن؛ ولذا فهن يكررن تجاربهن وحيواتهن على الورق، وفي النهاية يتوقَّفن عن الكتابة، من فرط التكرار".

"تاريخ الأدب عرف إقصاءً مقصوداً ومتعمَّداً، لطرد المرأة الشاعرة من جنَّة كتابة الشعر، إذ غُيِّبت بقسوةٍ، وتم تهميشها شعرياً، بل محوها من المدوَّنة الشعرية العربية عبر العصور؛ لذا بدا لنا أنَّ عدد الشاعرات العربيات قليل"

ويضيف: "أنا لا أعوّل أيضاً على كتابة الهجاء، أو الاقتصاص من الزوج، أو الرجل عموماً، أو كتابة التلسين، أو الملاسنة؛ لأنَّ الكتابة أسمى وأعلى من الشتم والسباب، والانتقاص من الآخر".

منذ الشاعرة الإغريقية سافو (630-570 قبل الميلاد)، وهي أقدم من كتبنَ الشعر،
"والشاعرات كأنهن يُحرَجن، أو يخجلن، أو يخفن من الشعر، لأنه، على العكس من الرواية، يهتك الستر، ويكشف المحجوب، ويفضح المخفي، ربما للجوء أكثر الشاعرات إلى كتابة الذات، والخوض في التجربة الشخصية، بعيداً عن استخدام الأقنعة والرموز"، يقول الشهاوي.

ويتساءل: "هل كانت وما زالت كتابة المرأة للسرد، أقرب إليها، بحكم الفطرة، والطبيعة الأنثوية التي تمتازُ بالتفاصيل، والشؤون الصغيرة، والدقة المتناهية في الصغر، وأنَّ السرد يحمل بوحها، خصوصاً أنه يتخفّى تحت شخصيات في العمل المكتوب، ولا يعبّر بالضرورة عن حال كاتبته، بينما في الشّعر قد تلجأ المرأة إلى الكتابة بأسماء مستعارة، خوفاً من الاصطدام بالأسرة، والمجتمع، وسلطة العادات والتقاليد الصارمة والمتشددة، إذ هناك حساسية في ذكر الاسم الحقيقي، والتصريح به، حتى لا يسقِط القارئ النصّ على كاتبته، وأعرف أن هناك شاعراتٍ وكاتباتٍ قد انسحبن من المشهد، قبل الإصدار الأول أو بعده، والاحتماء بجدران البيت والعائلة؟".

ويطرح مي زيادة مثلاً: "ألم تكن حينما تريد كتابة قصيدة شعرية، تكتبها باللغة الفرنسية، وهي العارفة باللغة العربية، والمتمكِّنة منها؟ لكنها رأت أنَّ الفرنسية يمكن أن تكون فيها أكثر جرأةً، ومغامرَةً، وحريةً، كما أنها -في الأخير- تظلّ لغةً أجنبيةً".

ويشير الشهاوي إلى أن "تاريخ الأدب عرف إقصاءً مقصوداً ومتعمَّداً، لطرد المرأة الشاعرة من جنَّة كتابة الشعر، إذ غُيِّبت بقسوةٍ، وتم تهميشها شعرياً، بل محوها من المدوَّنة الشعرية العربية عبر العصور؛ لذا بدا لنا أنَّ عدد الشاعرات العربيات قليل"، وهذا الواقع "ينسحب أيضاً على المبدعة الغربية، ولنتأمل ما كتبته الكاتبة الإنكليزية المنتحرة غرقاً، فيرجينيا وولف".

ويخلص إلى القول "إن أي امرأة تولد بموهبةٍ عظيمةٍ لابد أن تصبح مجنونةً، أو تنتحر، أو تقضي أيامها وحيدةً في كوخٍ منعزلٍ خارج القرية، نصف ساحرة، أو نصف عرّافة، يخشاها الآخرون ويسخرون منها، ذلك أننا في حاجة إلى قليلٍ من الفهم، لنتأكّد من أنَّ الفتاة الموهوبة التي تحاول أن تستخدم موهبتها لكتابة الشعر، سيخذلها الناس، ويعوقونها عن الأمر، وستعذّبها وتمزّقها غرائزها الشخصية المتناقضة، بحيث أنها لا بد أن تفقد صحتها، وسلامة عقلها".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard