"عمرِك كِبِر"... هوس الكلّ بتزويج الـ"بِنت"

الاثنين 8 نوفمبر 202104:09 م

ترى والدة أميرة أن نحافة ابنتها هي سبب عدم زواجها. بالإضافة إلى حقنها بالكورتيزون، تصرّ على إطعامها أطباقاً متتابعة من المقليات والسكريات، وتعد لها وجبة شعبية تعرف بـ"المفتقة"، وهي طبق حلو، ولكنه غني بالسعرات الحرارية، وحينما ترفض الفتاة الأكل، ترد الأم عليها: "كلي بدل ما انتي مسطحة كدة.. مش عارفة اللي هيتجوزك هيتجوزك على إيه؟!"، فتأكل الفتاة تجنباً للتعليقات.

لم يخفف تراجع عدد عقود الزواج في مصر خلال السنوات الماضية من الضغوط التي تواجهها الفتيات، فبينما كان عدد الزيجات في 2016 عشر زيجات لكل 1000 من السكان، انخفض في 2020 إلى 8.7، بحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020.

العمر والجسد

لا تعاني أميرة (25 عاماً) من أي مشكلة صحية، ولكن والدتها أصرت على اصطحابها لطبيب كتب لها أدوية تساعد على زيادة وزنها لتجذب انتباه الراغبين في الزواج، وهو ما تقوم به الأم دورياً منذ أتمت ابنتها 18 عاماً.

تعيش أميرة في إحدى قرى محافظة الغربية، ورغم تأخر سن الزواج بشكل عام في مصر، فإن بلوغها 25 عاماً دون زواج، منحها وصم "عانس"، وتعليقات من الأسرة والأقارب والجيران على فرصها المحدودة للزواج، والتي يجب أن تقتنصها بعيداً عن مؤهلات الزوج.

اشترت الأم خلطات وزيوتاً لزيادة حجم صدر ابنتها والمؤخرة، وراحت الفتاة تضعها على جسدها. وخضعت لطلبات والدتها، وفقدت الثقة بنفسها وجسدها. تتفحص نفسها بعين والدتها، وتأكل وتضع خلطات وتأخذ حقناً، فتزيد خمسة كيلوغرامات لا أكثر، وتفقدها لاحقاً بعد انتهاء جرعة الكورتيزون فتعيدها والدتها للطبيب، الذي يمنحها جرعة جديدة.

تقدم شاب لخطبة أميرة، وفرح الجميع ولكن العروس لم تكن مرتاحة، بالنهاية وافق والدها على الخطبة، وقبلت هي أيضاً بعد تعليقات نقول إنّ تقدُّم عريس لفتاة في مثل سنها فرصة، وإنها لن تحصل على فرص كثيرة بسبب جسدها الطفولي "اللي مالوش ملامح".

"مين حيتجوزرك بجسمك ده اللي ما لوش ملامح (مسطح)؟"، "إنتي مش عارفة عندك كام سنة ولا إيه؟"، "ابسطيه، ولا عايزة الناس يشمتوا فينا، وتبقي مطلقة؟" أسئلة ذكورية وعنصرية، تحاصرنا كنساء، فما إجابتكن؟

حرص الخاطب على التقرب لها، وكانت هي بحاجة لبعض التقبل واللطف، وبعد أشهر من ثنائه على جمالها ورشاقتها، شعرت أنها تحبه وتقبله زوجاً.

بعد أيام فقد الشاب نصف مزرعة الماشية الصغيرة التي يمتلكها، وطلب تأجيل الزواج لمدة عام حتى تستقر أوضاعه المادية، ولكن والد أميرة، الذي وافق منفرداً على الخطبة في البداية، أنهاها منفرداً أيضاً.

لم تفلح محاولات أميرة في عدم فسخ الخطبة، ورد والدها قائلاً: "انتي مش عارفة عندك كام سنة ولا إيه؟ مينفعش تستني أكتر من كده؟".

ورغم أن أميرة لم تبتعد كثيراً عن العمر المتوسط لسن الزواج (24 عاماً)، الذي حدده الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في نشرة الزواج والطلاق للعام 2020، فإن تجاوز الخامسة والعشرين يبدو مثيراً للقلق وطارداً للخاطبين.

"هاتجوز عليكي"

رغدة شابة أخرى من إحدى قرى محافظة بني سويف، كانت مضطرة منذ أن جاوزت العشرين عاماً دون خطبة للقاء كل شاب أو رجل يمر بقريتها ويفكر بالزواج، دون النظر لحالته الاجتماعية أو المادية.

تصطحب عمة رغدة الباحثين عن عروس لرؤية الفتاة، التي لم يستجب أحد من والديها لتذمرها، حتى أنها بدأت في استقبال الأمر بالسخرية.

أسرتها لا تهتم بمن سيتزوجها، إذ تهتم فقط بتزويجها.

تقول رغدة (28 عاماً)، حاصلة على شهادة جامعية في التربية، إن أسرتها لا تهتم بمن سيتزوجها، إذ تهتم فقط بتزويجها، وتتابع: "آخر 4 سنين شفت عرسان مش فاهمة اختاروهم إزاي، واحد كان مطلق ومعاه طفلين عايزني أربيهم وأنا لسة 20 سنة، وواحد أكبر مني بـ15 سنة، وواحد مش متعلم وعايزني أعيش في أوضة في شقة والدته".

تبتسم رغدة بأسى ممزوج بالفكاهة، وتقول: "أظرفهم كان راجل أكبر مني 10 سنين، أول مرة جه يتعرف عليا، قاللي أنا هاتجوز عليكي عشان تبقي عارفة من دلوقتي ومتعترضيش بعدين، ده حقي الشرعي، ونفخ صدره كده، وكمل آه أنا راجل مقتدر، ساعتها فضلت أضحك وأعيط بهيستريا، حسيت أنا قد إيه رخيصة"، على حد تعبيرها.

التقت رغدة أيضاً بشاب يتمتع بمستوى اجتماعي وثقافي ومادي جيد، والأهم أنه أعجبها، كما استشعرت إعجابه بها، وانتظرت رده، وبعد يومين اعتذرت الوسيطة، وقالت إن العريس لن يعود، وحين سألتها عن السبب، قالت إنه أعجب بها، ولكنه قلق من فرصها في الإنجاب، ويبحث عن فتاة أصغر.

لا يبدو أن العريس الهارب وحده من يفكر بتلك الطريقة، إذ كشفت النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن العام 2020، أن سبعاً من كل عشر زيجات كان عمر العروس فيها أقل من 25 عاماً.

عانت رغدة من اكتئاب حاد، بعد أن خدش الرفض وسببه قلبها، وبدأت بتناول الطعام بشراهة، مع شعور بالإرهاق والتعب الدائمين والأرق المزمن. ذبلت، وتوقفت أسرتها أخيراً عن إجبارها على مقابلة الخاطبين، واستبدلتهم بالمعالجين بالقرآن لمعرفة هل ابنتها "مربوطة" أي لا يمكنها الزواج بسبب سحر أو تعويذة، أو هل هي "ممسوسة"، وهو إجراء متبع في الثقافات الشعبية عند البحث عن أسباب تأخر الزواج.

اغتصاب ومحاولة انتحار

لا يختلف الأمر كثيراً في معظم أحياء القاهرة الشعبية، حيث واجهت ياسمين (26 عاماً) نفس المشكلات التي واجهتها رغدة، ربما مثل آلاف الفتيات ممن لم يرتبطن بخطبة أو زواج في العمر الذي تفترضه مجتمعاتهن.

تستعد ياسمين لمناقشة رسالة الماجستير، كما تعمل مدرسة خصوصية بعد أن فشلت في العثور على عمل يناسب تخصصها وتطلعها. اعتقدت في بداية عملها أن والدتها لن توافق على العمل في منازل الطلاب، ولكنها فاجأتها ووافقت. متابعةً: "يمكن تتشافي، ولا تقابلي حد عايز يتجوز بدل الماجيستير اللي وقف حالك ده"، ابتلعت الفتاة القسوة كما تفعل دائماً، واكتفت بنجاحها عبر الهرب المؤقت من جحيم المنزل، الذي لا يتحدث سوى عن تراجع فرصها في الزواج.

الفتيات الحاصلات على درجات جامعية عليا هن الأقل عدداً بين المتزوجات.

لم تكن رؤية والدة ياسمين خاطئة تماماً، فالفتيات الحاصلات على درجات جامعية عليا هن الأقل عدداً بين المتزوجات، وبلغت نسبتهن 0.1%، أما النسبة الأكبر من الفتيات اللواتي تزوجن في 2020 فكن من صاحبات الشهادات المتوسطة بنسبة 31%، بحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق.

لاحقاً تقدم ابن خالة ياسمين لخطبتها، لم يكن هناك تناسب بينهما في المستوى التعليمي أو المادي، ولم يكن يحظى بعمل مستقر، ولكن والدتها قررت أن كونه ابن أختها فهذا يكفي، وأنه سيحافظ عليها ويكرمها، فضلاً عن مدح قبوله عروساً "داخلة ع التلاتين".

اشترت الأم خلطات وزيوتاً لزيادة حجم صدر ابنتها والمؤخرة، وراحت الفتاة تضعها على جسمها، وخضعت لطلبات والدتها، وفقدت الثقة بنفسها وجسدها

رفضت ياسمين مرات ومرات، ولكن والدتها قررت إقناعها بنوبات مرضية متلاحقة من ارتفاع الضغط، مدفوعة بالغضب من رفضها، والهرولة للمستشفيات، مع مخاصمتها حيناً، ومحاولة إقناعها باللين أحياناً أخرى، حتى لم تجد الفتاة مفراً، وتزوجت مكرهة.

بعد شهرين من الزواج ضربها زوجها لأنها رفضت شراء السجائر له، ومرة أخرى لتركها أطباقاً على الطاولة، وحين رفضت ممارسة العلاقة الحميمية معه بعد ضربها، سحبها من شعرها واغتصبها بالقوة.

لم تصدق والدة ياسمين ما قالته ابنتها حتى رد قريبها: "هي اللي بتستفزني"، ومجدداً تحدثت الأم عن "الست الشاطرة" التي لا تغضب زوجها، ولا تضطره لضربها، وعن حقه في ممارسة العلاقة الخاصة في أي وقت، وعدم أحقيتها بالرفض، مع لوم مبطن للزوج الذي "لم يحترم خالته وضرب ابنتها".

تكرر الاعتداء على ياسمين. وبعد ثلاث سنوات من ضغط الأم عليها للاستمرار "عشان متبقيش مطلقة"، أمسكت ابنتها موسى الحلاقة، وهددت بقطع شرايين يديها إن أصرت على إعادتها لمنزل زوجها. وبعد عامين من طلاقها تقول ياسمين لرصيف22: "كنت هاموت نفسي بجد مكنتش باهددها، الموت كان أهون من العيشة مع الشخص ده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard