شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"أم العيال والجماعة والحكومة"... بدائل "عورة" أسماء النساء في مصر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

السبت 28 مايو 202205:39 م

عندما انتهت من التسوق واتجهت لدفع حساب المشتريات، تناول منها البائع - الذي يعرفها جيداً واعتادت الشراء منه- أوراق العملة قبل أن يرد إليها الحساب الباقي قائلاً "اتفضلي يا مدام عماد"، إشارة منه إلى اسم زوجها الذي يعرفه جيداً، كما يعرف اسمها أيضاً، لكنه قرر مناداته باسمه، كما يتبع العديد من الرجال.

حنان سعيد ربة منزل، تبلغ من العمر 38 عاماً، لديها طفلين، أكبرهما ابنة تبلغ من العمر 8 سنوات، وآخر يبلغ من العمر 3 سنوات. ورغم أن الطفلة تتفوق في العمر عن الابن، إلا أن جيرانها ينادونها باسم الطفل الأصغر باعتباره ذكراً: "منذ انتقالي مع زوجي إلى مسكننا الحالي يناديني المحيطون باسمه، وظللت ملقبة بمدام عماد حتى جاء طفلي الأصغر زين، فأصبحت أحمل لقب أم زين"، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي تقابل به حنان هذا الموقف، فقبل الزواج كانت تواجه مثيلاً له مع أشقائها الذكور التي كانت تنادى بأسمائهم.

في مصر وعدد من المجتمعات العربية، يرى كثيرون أن اسم المرأة "عورة"، فيلجأون لمنحها لقب الرجل الأقرب إليها، الأب أو الزوج أو الأخ، وتتكرر تلك المواقف في ظروف مختلفة، فنجد دعوة لحفل زفاف بها اسم الزوج، وغائب عنها اسم الزوجة مع الاكتفاء بلقب العائلة فقط (كريمة فلان).

في مصر وعدد من المجتمعات العربية، يرى كثيرون أن اسم المرأة "عورة"، فيلجأون لمنحها لقب الرجل الأقرب إليها، الأب أو الزوج أو الأخ

"مدام عماد"، لا تواجه هذا الأمر مع المحيطين بها في الشارع أو المتجر والأماكن العامة فقط، ولكن تواجهه مع زوجها أيضاً الذي يناديها في الأماكن العامة باسم نجله الأصغر "بالرغم من أن زوجي رجل جامعي ويحمل قدراً من الثقافة، إلا أنه يتمسك بما يفرضه المجتمع، وعلى الرغم من رفضي وضيقي، يصر على مناداتي باسم زين على اعتبار أن مناداتي باسمي ينتقص من رجولته. فكما كان يفعل مع والدته وشقيقته أصبح يفعل معي، لا يردد اسمي في الأماكن العامة أو حتى بين الأصدقاء، ويناديني بزين".

"من أجل الحفاظ على المرأة، تكريما لها، غيرة عليها" لم تخرج الأسباب التي ذكرها 7 رجال لرصيف22، حول نداء النساء بأسماء الرجال القريبين منهن، عن هذه المبررات. من دون عناية بضيق كثير من النساء بهذا السلوك

وفي مقابل حنان التي ترفض مناداتها باسم زوجها أو نجلها، اعتادت سمية فتحي، التي تبلغ من العمر 49 عاما الأمر "ولدت في منزل تقليدي، ينادي والدي أمي باسم أخي الأكبر، وكبرت ويناديني أشقائي بأسمائهم، فأصبح الأمر عادياً. عندما أذهب لعيادة طبيب للكشف أدون اسم زوجي أو ابني الأكبر".

"من أجل الحفاظ على المرأة، تكريما لها، غيرة عليها" لم تخرج الأسباب التي ذكرها 7 رجال لرصيف22، حول نداء النساء بأسماء الرجال القريبين منهن عن هذه المبررات، من دون عناية بضيق كثير من النساء بهذا السلوك. تقول حنان: "لا يوجد في اسمي ما يعيبه ليخفيه من حولي من الرجال، كما أنه لا علاقة له بالغيرة علي او الحفاظ عليها، إنما هي تقاليد مجتمعية متوارثة، والدليل على ذلك أن الديانات السماوية ذكرت أسماء النساء، وهذا ما يؤكد على أن الأمر مرتبط مجتمعيا بالنظرة الذكورية التي تسود كل ما حول النساء وتحاول السيطرة عليها".

أستاذة مساعدة في دراسات المرأة: الاسم غرضه التعريف وإعلان الهوية، وإلغاء أسماء النساء في المجال العام تجلِّي للإلغاء فكرة استقلال هويتهن، واعتبارهن مجرد تابعات لذكر ما

وحول ارتباط الأمر بالموروث الاجتماعي، ترى نرمين علام الأستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية ودراسات المرأة بجامعة روتجرز، أن الأمم والقوميات أنشئت على أن النساء هن "مجرد حوامل بيولوجية"، فهن اللاتي ينتجن الذكور والذي يكون موقعهم دائما في مقدمة الأمم والقوميات، فبدأ التحكم في أجساد السيدات من خلال السيطرة عليهن، ومن صوره التحكم في زواجها، وعدد الأطفال الذين تنجبهم، ليصبح جسد المرأة لا يخصها، وصولا للتحكم في كل ما يحيط بها واسمها الذي أصبح تابعا للرجل أيضاً، فالاسم غرضه التعريف وإعلان الهوية، و"إلغاء أسماء النساء في المجال العام تجلِّي للإلغاء فكرة استقلال هويتهن واعتبارهن مجرد تابعات لذكر ما قد يكون زوج أو أخ أو حتى ابن هي من جاءت به إلى العالم. هو شكل من أشكال اكتمال الهيمنة الذكورية".

وتضيف علام لرصيف22، أن المرأة تحولت لتحمل عبء التمثيل الثقافي، فالأوطان والأمم أصبح يشار إليها بالمرأة، وعادة ما تكون هذه المرأة أم، لتصبح المرأة تحت قيود التحلي بأخلاق الجماعة وصفاتهم التي يحددها المسؤولون عن تلك الجماعة وهم الذكور، و"حتى يخرج أطفالها يحملون الشرف والصفات الجيدة التي يفرضها الذكور، وإلا يتعرضون للوصم من قبل المجتمع، ثم تحول هذا العبء من الجماعة الكبرى، للجماعة الصغرى وهي الأسرة، فأصبحت المرأة تحميل عبء تمثيل الأسرة ثقافياً"، وعليها أيضا اتباع العادات والتقاليد التي أصدرتها الجماعة الكبرى، واختزال دورها لتلبية مطالب الجماعة الصغرى، الممثلة في كافة الأعمال المنزلية المختلفة، والتبعية للرجل في كل ما يخصه، وحتى في اسمه".

الألقاب التي يستعملها الرجال لمناداة زوجاتهم أو أمهاتهم أو بناتهم كثيرة، ومنها "الجماعة، الحاجة، أم الولاد" وأحياناً "الحكومة" في إشارة إلى الزوجة.

هذه الألقاب، تقول سمية عالم* أنها جعلتها على مقربة من نسيان اسمها الحقيقي "منذ زواجي من 20 عاما وزوجي لم ينطق اسمي إلا مرات قليلة، ويناديني بأم العيال عندما نكون بمفردنا، أو ماما عندما نكون مع آخرين". وبالرغم من أن سمية لم تبد انزعاجها من الأمر الذي "أصبح عادياً"، تقابله حنان بالرفض "عندما يقول زوجي اسم غير اسمي أطلب منه مناداتي باسمي، وهو ما أصبحت اتبعه مع الآخرين في الشارع أو السوبر ماركت والأماكن العامة، أطلب منهم مناداتي باسمي حنان".

وتتفق أسماء دعبيس مؤسسة مجموعة بنت النيل التي تنادي بحقوق السيدات في مصر، أن الرجال فى المجتمعات الشرقية يرون السيدات تابع لهم، وتصل تلك التبعية باعتبارهم "عورة"، "ولسن أشخاص مكتملات الإرادة، والاختيار، ولهن كافة الحقوق، ولذلك نرى في العديد من المجتمعات العربية الرجال ينادون النساء باسم ‘حريم’، وفى تأصيلها اللغوي، نجد اللفظ مأخوذة من ‘الحرام’ فيتم التعامل معهن كعورات، ويصل الأمر لأن الرجال يرون أن أسماء السيدات أيضاً عورات".

وأضافت لرصيف22، أن الرجال يعتبرون مناداة السيدات سواء كانت زوجات أو أمهات بأسمائهن، شكل من أشكال الوصمة المجتمعية وانتقاص من رجولتهم، وضربت مثل عندما تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صورة لرجل يحمل رضيعه ويساعد زوجته في المنزل، وانهالت التعليقات التي سخرت من الرجل والتي انتهت بطلاقه زوجته.

وبينما اعتادت سمية على لقب "أم العيال" الذي أصبح في الحقيقة وعلى هاتف زوجها أيضا، بدأت حنان مع نجلها الأصغر زين، الذي يبلغ من العمر 3 سنوات، توضح له أن للجميع أسماء علينا مناداتهم بها، وأولهم شقيقته ‘ورد’، ليكبر ويتعامل معها باسمها الحقيقي، وليس باسم "الجماعة" كما يفعل والده.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard