تحلّل للمعالم وتقشّر وتغيّر... آثار بلاد النهرين بين فك المناخ وسطوة البشر

الأحد 8 مايو 202211:30 ص

ما بين كتب التاريخ وليالي السرد الأدبي، تحكي الكثير من الأساطير العراقية عن كفاح جلجامش وحروبه في سبيل استمرار الحياة، ولكن طبيعة هذه الحكايات الأسطورية تغيرت في عصرنا الحالي، وتحولت من صراع ضد الوحوش والكائنات الخيالية إلى كفاح من أجل حماية التاريخ من التهديدات المناخية.

فالبلاد التي عُرفت بعراقة تاريخها، تحتل المرتبة الخامسة في قائمة الدول الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وتهدد هذه التغيرات البيئية ما تبقّى من آثار حضارات ما بين النهرين، والمتوزعة على طول مساحة العراق، من الخليج العربي جنوباً حتى مدينة زاخو في أقصى شماله.

خدش للآثار وتآكل للأسطح

تصاعدت موجات الكثبان الرملية خلال السنوات الماضية في العراق، وشهدت البلاد عواصف ترابيةً عدة خلال الأسابيع الفائتة، كان آخرها قبل أيام، وتسببت بآلاف حالات الاختناق، ويؤثر هذا التصاعد المقلق بشكل سلبي على سلامة المنشآت الأثرية.

يؤثر التصاعد المقلق للعواصف الترابية في العراق بشكل سلبي على سلامة المنشآت الأثرية.

ولهذه العواصف في العراق على وجه الخصوص مخاطر كبيرة، بسبب تميزها بصلابة كتلتها الغبارية، والتي تؤدي تالياً إلى خدش المعالم المكشوفة وخاصةً الآثار الصورية مثل الزخارف والرسوم، وذلك بحسب الباحث في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، صفوان عامر.

وينبّه عامر في تصريحه لرصيف22، إلى أن جانب الضرر الآخر يتمثل في ما تسببه قوة هذه الرياح من تآكل الأسطح وتفتت حوافها، وهو ما يسمى بظاهرة "نحر الرياح".

ويتفق مع عامر الباحث والمنقب في مفتشية آثار محافطة بابل، أحمد لفتة الخيكاني، في مدى الضرر الذي تلحقه الرياح بالآثار المكشوفة، ولكنه يرى أن وقع الرياح يكون أكبر إذا كانت رطبةً أو مصحوبةً بالأمطار.

ويفسر رأيه بأن الرياح الغبارية الرطبة تدخل في مسامات الأثر وتمتزج معه، وينتج عن ذلك تغيّر ألوان المعالم الحقيقية، وهو ما تعرّض له معبد "زقورة أور"، الواقع في محافظة ذي قار جنوب العراق، ويعود تاريخه إلى أكثر من ألفي عام قبل الميلاد.

ويضيف الباحث في حديثه إلى رصيف22: "من المعروف أن زقورة أور بُنيت باستخدام الطوب الأحمر الشائع استخدامه إبان حكم سلالة أور الثالثة، ولكن خفّ لونها تدريجياً بفعل هذه الرياح الرطبة بالإضافة إلى تأثير الأمطار".

تجمّع المياه على أسطح المعالم الأثرية يسبب ضغطاً هائلاً على الجدران والسقوف، وهو ما يزيد من احتمال انهيار المعلم، كما أن تغلغل الأمطار إلى داخل الجدران يؤدي إلى انتفاخها وتقشرها وتالياً إصابتها بالهشاشة

علاقة الأمطار بتلف الآثار

تؤدي كثرة الأمطار والرطوبة إلى إذابة المعالم الأثرية ذات الطبيعة الطينية، وهو ما يعلل مخاوف الآثاريين من تأثيرات هذا العامل المناخي على المناطق التراثية المكشوفة.

وضمن هذا السياق يقسم الآثاري المتقاعد، غانم التكريتي، نواحي خطر الأمطار إلى جانبين، إذ إن تجمّع هذه المياه على أسطح المعالم الأثرية يسبب ضغطاً هائلاً على الجدران والسقوف، وهو ما يزيد من احتمال انهيار المعلم، ويتمثل الجانب الثاني في أن تغلغل الأمطار إلى داخل الجدران يؤدي إلى انتفاخها وتقشرها وتالياً إصابتها بالهشاشة، والتي تظهر آثارها على شكل حفر وتجوفات في البنية الأثرية.

ويلفت في تصريحه لرصيف22، إلى خطر آخر ناتج عن الأمطار، ويقول: "أمطار العراق ذات طبيعة حمضية، وهي تتفاعل سلباً مع ثاني أوكسيد الكربون في الجو، ويؤدي تفاعل هذين العنصرين إلى إنتاج حمض الكربونيك، الذي يُعدّ السبب الرئيسي في تحلل الطوب الخزفية والطينية".

التجاوزات البشرية في الواجهة

بالإضافة إلى التأثير المناخي، فإن العامل البشري لم يكن بعيداً عن ساحة المؤثرات، إذ ألحق الكثير من الأضرار بالمواقع الأثرية، من خلال الإهمال والتجاوزات وعمليات السرقة والنهب المنظمة التي سادت بعد عام 2003.

وفي هذا السياق، يقول عضو هيئة التنقيب في قسم الآثار في جامعة سامراء، حسن الشكرجي، أن المناطق الأثرية تعرضت لتجاوزات بشرية كثيرة، على رأسها إقامة المشاريع الزراعية وكذلك المستوطنات السكنية داخل المعالم الأثرية أو بالقرب منها، بالإضافة إلى انتشار عمليات النبش واستخراج اللقى الأثرية بطرق غير شرعية والمتاجرة بها، ويرى إن استمرار هذه العمليات كفيل بتدمير إرث الحضارات القديمة.

وإلحاقاً بهذه الإشكالات، يوضح لرصيف22، أن هناك العديد من القوانين والنصوص الدستورية التي كفلت حماية المواقع والأطلال التراثية، ولكن ضعف تطبيق هذه النصوص جعل منها مسرحاً للسرقة خلال السنوات الماضية.

أكد دستور العراق على عدّ المواقع والبنى والمخطوطات والمسكوكات الأثرية والتراثية من أهم الثروات الوطنية للبلاد.

وأكدت المادة 113 من دستور العراق، على عدّ المواقع والبنى والمخطوطات والمسكوكات الأثرية والتراثية من أهم الثروات الوطنية للبلاد، كما يعاقب القانون كل من أخفى أو اعتدى عليها بالسجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أو الإعدام في حالة سرقة الآثار أو المتاجرة بها، وفق القانون رقم 55 لسنة 2002 والساري العمل به حتى الآن.

وتعرض العراق بعد عام 2003، إلى حملة منظمة لسرقة آثاره وتهريبها، وأحبطت القوات الأمنية بعض هذه المحاولات، وكان آخرها القبض على عصابة متخصصة بتهريب القطع الأثرية في محافظة الأنبار مطلع العام الجاري.

حلول لحماية الآثار

تزداد الحاجة إلى حماية المعالم الأثرية يوماً بعد آخر، خاصةً وأن العراق فقد الكثير من آثاره نتيجةً للظروف المناخية وعمليات السرقة، بالإضافة إلى العمليات الإرهابية.

ويرى الباحث غانم التكريتي، أن هناك حاجةً ماسةً إلى فرض طوق أمني حول المناطق الأثرية، وتوظيف كوادر التدخل الطارئ، المختصة بالتعامل مع الأوضاع البيئية المتقلبة.

وينبّه إلى أن عمل هذه الكوادر يكون محدداً بالتعامل السريع مع درجات الحرارة أو الأمطار، من خلال تبريد السطوح والنقوش أو تغطيتها وعزلها بالمواد الواقية مثل البلاستيك، كما يرى ضرورة تخصيص أموال لشراء معدات التنقية والتجفيف، واستحداث فرق متخصصة في صيانة المعالم وإدامتها.

ويرى مصدر في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، وقد فضّل عدم ذكر اسمه بسبب حساسية الوضع الحالي، أن الوزارة عاجزة عن إتمام هذه الاحتياجات، بسبب ضعف التمويل الحكومي المقدَّم لرعاية الآثار، ونتيجةً لذلك تعمل الجهات المختصة على التعاون مع منظمات وجامعات أجنبية في مهمات الصيانة والتنقيب، وكمثال على ذلك، تعاون وزارة الثقافة والسياحة والآثار مع جامعة فيلادفيا في تثبيت إيوان كسرى في مدينة المدائن شرق العاصمة بغداد، والعمل مع جامعات إيطالية وألمانية في عمليات التنقيب.

هناك حاجةً ماسةً إلى فرض طوق أمني حول المناطق الأثرية، وتوظيف كوادر التدخل الطارئ المختصة بالتعامل مع الأوضاع البيئية المتقلبة، ويكون عملها محدداً بالتعامل السريع مع درجات الحرارة أو الأمطار، من خلال تبريد السطوح والنقوش أو تغطيتها وعزلها بالمواد الواقية

وبرزت مساعي الوزارة خلال السنتين الماضيتين بعد نجاحها في إدراج بعض المعالم الأثرية ضمن قائمة اليونيسكو للتراث، كما استعادت بعض القطع القديمة من المتاحف الأمريكية والسويسرية، وهي جهود فردية بحسب مصادر مطلعة، لم تموّل ضمن الموازنة المالية للعراق.

يُذكر أنه حتى الآن لا يمتلك البلد أي لجنة برلمانية أو وزارية مختصة بدراسة الشأن الآثاري ومتابعته، ويكتفي بتمويل رواتب موظفي وزارة الثقافة وبعض نشاطاتها الخارجية والاحتفالية، وهو ما يصفه البعض بابتعاد البرلمان عن أهمية الحفاظ على تاريخ البلد.

رد الفعل الشعبي

بناءً على كل ذلك، يتخوف الكثير من العراقيين على سلامة تراث بلدهم، فمن مدينة الموصل يقول عمر الجنابي (33 عاماً)، لرصيف22، إن آثار المدينة تعاني بعد كل موجة أمطار من تجمّعها، ولا تؤدي مفتشية الآثار في المدينة أي دور من أجل وقايتها، وهو ما يزيد من تخوف الناس بخصوص فقدان المزيد من الآثار الآشورية، لتضاف إلى ما فقدوه إبان احتلال تنظيم الدولة الإسلامية للمحافظة، وما فعله من هدم الكثير من الآثار فيها، ومنها ما يرجع إلى بداية العهد الآشوري في العراق، بالإضافة إلى مزار النبي يونس والمنارة الحدباء.

يتخوف العراقيون بخصوص فقدان المزيد من الآثار الآشورية.

وإجابةً عن سؤال رصيف22، حول مدى الضرر الذي يلحقه استمرار الغبار على الآثار، يؤكد جعفر الخزعلي (42 عاماً)، وهو من محافظة ذي قار جنوب العراق، أن لهذا الضرر جانبين، الأول معنوي، خاصةً وأن التغيرات المناخية بدأت تلقي بثقلها على معبد زقورة أور، وتظهر آثارها على شكل تكسّرات في جدرانه، وتنتشر شائعات بين الناس حول احتمال تضاعف هذه التكسرات بما يهدد سلامة المنشأة وتالياً سلامة الهوية العراقية وعمق تاريخها.

ويضيف الخزعلي حول الضرر المادي الذي يصفه بأنه سيكون ذا وقع أكبر على الجانب السياحي في البلاد، والذي بدأ ينعش الاقتصاد المحلي تدريجياً. وقد ارتفعت نسبة السياحة الداخلية والأجنبية في العراق منذ العام الماضي، خاصةً بعد زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية فرانسيس إلى العراق في آذار/ مارس 2021.

إن الوضع الآثاري في العراق بحاجة ماسة إلى معالجة حاسمة في سبيل حمايته من الاندثار، لا سيما وأن التغيير المناخي يشد أزره على البلاد ويرافقه نشاط تجار الآثار والمهربين، ترافق كل ذلك تساؤلات عن مستقبل الأزمة، وهل سيتحول تراث البلاد إلى حبر يملأ كتب التاريخ، أم يدفع المسؤولين إلى الالتفات والتدخل السريع من أجل حمايته؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard