"تأثيرات لا رجعة عنها"... ما الذي ينتظر البلدان العربية في إفريقيا بسبب تغيّر المناخ؟

الثلاثاء 22 مارس 202203:43 م

انطلقت يوم أمس الإثنين، عملية المصادقة على تقرير أصدرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغيير المناخي IPCC، يناقش ضمن مجموعة من النقاط، السيناريوهات التي يمكنها المساهمة في الحد من ظاهرة احترار المناخ وما تحمله من آثار مدمرة لكوكبنا. وقد وصفت وكالة الصحافة الفرنسية المفاوضات التي سبقت عملية المصادقة واختُتمت في نهاية شباط/ فبراير عبر الإنترنت، بأنها "محتدمة".

وبمراجعة التقرير الذي يشير إلى أن "تغيّر المناخ تهديد خطير ومتزايد لرفاهيتنا وصحة كوكبنا"، وأن "الأشخاص والنظم الإيكولوجية الأقل قدرةً على التكيّف هم الأكثر تضرراً"، يتبين أن إفريقيا بشكل خاص عانت من خسائر وأضرار واسعة النطاق بسبب تغير المناخ، بما في ذلك فقدان التنوع البيولوجي، ونقص المياه، وانخفاض إنتاج الغذاء، وفقدان الأرواح، وانخفاض النمو الاقتصادي، بالرغم من أن هذه القارة لم تسهم إلا قليلاً في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وأوضحت الدراسة أن درجات الحرارة في العديد من المناطق الإفريقية ارتفعت بسرعة أكبر من المتوسط العالمي، ويُعدّ غرب إفريقيا من أكثر المناطق المعرضة لخطر الوفيات المرتبطة بالحرارة، نتيجةً للزيادة في كل من الحرارة والرطوبة.

وتوقع القائمون على الدراسة أن خطر الوفيات المرتبطة بالحرارة في إفريقيا سيرتفع عند الوصول إلى درجتين من الاحتباس الحراري، ويصل إلى متوسط تسعة أضعاف عن المعدل الطبيعى، خاصةً أن ما بين 55% و62% من القوى العاملة في إفريقيا يشتغلون في جنوب الصحراء الكبرى في الزراعة، وتالياً هم معرضون بشدة للإجهاد الحراري.

وأكدت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار السنوي، سيؤديان إلى تفاقم ظروف الجفاف والصراع على المياه في أجزاء من إفريقيا، خاصةً أن القارة تضم ثاني أكبر عدد من السكان الذين يعيشون في الأراضي الجافة، ويقع ربع المدن الأفريقية تقريباً والتي يزيد عدد سكانها عن 300،000 نسمة بالفعل، في مناطق شديدة التعرض للجفاف.

تحديات على كافة المستويات

وجد مسح أفروباروميتر وشمل 34 دولةً إفريقيةً في مختلف أنحاء القارة، أن ثلثي الأفارقة يرون أن الجفاف الشديد هو السبب الرئيسي لتدهور الإنتاج الزراعي في العقد الماضي، الأمر الذي يزيد من حدوث النزاعات ونشوب الصراعات الأهلية.

عانت إفريقيا بشكل خاص من خسائر وأضرار واسعة النطاق بسبب تغير المناخ، بالرغم من أنها لم تسهم إلا قليلاً في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتهدد التغيرات المناخية في إفريقيا بارتفاع مستوى سطح البحر بنسبة 20%، وقد يتضاعف الخطر ثلاث مرات بحلول عام 2050 في سيناريو انبعاثات عالية، وسيتعرض المزيد من الناس لخطر الفيضانات نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر في مصر وموزمبيق ونيجيريا، ومن المتوقع أن تصبح الأعاصير، مثل إعصار إيداي الذي حدث عام 2019 وأثّر على ما يقرب من مليون شخص ووصفته الأمم المتحدة بأنه "أمر لم يسبق له مثيل"، أمراً أكثر تكراراً.

ومن أصعب التحديات التي تواجهها إفريقيا اليوم بسبب التغيرات المناخية هي الأمن الغذائي، أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، إذ يعتمد 8%؜ من السكان الأكثر ضعفاً على الزراعة لكسب عيشهم، وكانت الأحداث المناخية الشديدة هي المحرك الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية لملايين الناس، إذ أدى التغير المناخي إلى خفض إنتاجية غلة المحاصيل من الذرة والأرز والقمح، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 50% إذا وصل الاحترار إلى درجتين مئويتين. وستعاني القارة من أضرار اقتصادية جسيمة من دون إجراء تخفيضات في الانبعاثات، إذ ستقل قدرة العمالة في الزراعة بنسبة تتراوح ما بين 30% و50% في جنوب الصحراء الكبرى، مما سيؤدي إلى خسائر فادحة في الرفاهية وارتفاع أسعار المحاصيل.

ووجدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، أن تغيّر المناخ في المستقبل سيهدد أيضاً إنتاج الثروة الحيوانية ومصايد الأسماك في إفريقيا التي تُعد المصدر الرئيسي للبروتين لما يقرب من 30%؜ من سكان القارة، مما سيؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المنطقة، إذ إن الماشية أكثر عرضةً لندرة المياه والغذاء والإجهاد الحراري والأمراض، وبالفعل أبلغ عدد كبير من مربّي الماشية في إفريقيا عن انخفاض إنتاج الحليب وزيادة تفشي الأمراض وسوء التغذية بين حيواناتهم نتيجة نقص الأعلاف والمياه.

سيناريو غرق مدينة الإسكندرية وبعض المناطق في الدلتا وارد في حال استمرار ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين، ما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر

بالإضافة إلى ذلك، تكشف الدراسة عن تعرض 12 مدينةً ساحليةً إفريقيةً كبرى لأضرار تبلغ كلفتها 65 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2050، في ظل سيناريوهات الانبعاثات المتوسطة، و86.5 مليار دولار أمريكي في سيناريوهات الانبعاثات العالية، ويمكن أن تكلف الظواهر المناخية المتطرفة ما يصل إلى 248.3 مليار دولار أمريكي في أضرار البنية التحتية حتى عام 2100، ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر تقلبات هطول الأمطار المتزايدة على أسعار الكهرباء في البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الكهرومائية.

وتستثمر إفريقيا في التكيف مع المناخ منذ عام 2017، إذ أنفقت الحكومات ما بين 2% و9% من ناتجها المحلي الإجمالي على تمويل برامج التكيّف، إلا أن الفجوة المقدّرة بين المبلغ الذي يتم إنفاقه وما هو مطلوب للتكيف المناخي تعادل 80%، إذ إن التمويل السنوي أقل بكثير من تقديرات تكلفة التكيف، وهو ما يؤكد أن إفريقيا ستعاني من تأثيرات مناخية لا رجعة فيها.

الآثار واضحة في البلدان العربية

سجلت الجزائر العام الماضي خسائر فادحةً بسبب الاحتباس الحراري، إذ دمرت حرائق الغابات آلاف الهكتارات من الأراضي في 18 ولايةً في البلاد وتسببت في مقتل العشرات.

ولم تسلم تونس من الأمر أيضاً العام الفائت، إذ اندلعت عشرات الحرائق في مناطق مختلفة في وسط البلاد وفي شمالها، وسجلت درجة الحرارة في العاصمة التونسية رقماً قياسياً، إذ بلغت 49 درجةً مئويةً خلال ساعات النهار في شهر آب/ أغسطس الفائت.

وفي حديث إلى رصيف22، يشير الخبير البيئي شاكر أبو المعاطي، إلى أن سيناريو غرق مدينة الإسكندرية وبعض المناطق في الدلتا وارد في حال استمرار ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين، ما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، وهو أمر تعمل الحكومة المصرية على تلافيه بوسائل عدة، منها إزالة التعديات على مخرّات السيول، أي الطرق التي تسلكها عادةً، وصيانتها كل عام تحسباً لأي سيل.

ترصد بعض النماذج تأثير التغيرات المناخية على الزراعة في مصر، وتكشف عن انخفاض إنتاجية القمح عن المعدل الطبيعي بنسبة 9% إذا ارتفعت الحرارة درجتين مئويتين، وسيزداد الاستهلاك المائي للقمح نحو 6.2% مقارنةً بالاستهلاك المائي له تحت الظروف الجوية الحالية

ومن جانبه، علق الدكتور علي محمد ذكي، المتخصص في علم الفيروسات، على تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وقال إن إفريقيا تعاني من ارتفاع غير متناسب في الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة، وترتفع نسبة الإصابة بالذبحة الصدرية عند الأطفال خاصةً في الريف، الأمر الذي يشكل ضغطاً إضافياً على النظم الصحية والاقتصادية في جميع أنحاء القارة.

وأوضح ذكي أن الإجهاد الحراري والطقس القاسي وزيادة انتقال الأمراض المعدية، تؤثر بالفعل على صحة عشرات الملايين من الأفارقة، إذ إن درجات الحرارة الأكثر دفئاً بيئة مناسبة للفيروسات التي ينقلها البعوض إلى الإنسان، مثل حمى الضنك وزيكا، متوقعاً أن تزداد عمليات الانتقال خاصةً في ظل الجفاف الذي تعاني منه إفريقيا وصعوبة الحصول على مياه صالحة للشرب، وضعف نظم الصرف الصحي، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى إصابة عشرات الآلاف من المواطنين بالأمراض في وسط إفريقيا وفي شرقها.

كما أكد الدكتور محمد داود، الخبير الدولي ومستشار الموارد المائية في هيئة البيئة في أبو ظبي، أن ظاهرة التغيرات المناخية تساهم في رفع حرارة الأرض، وهو ما يؤدي إلى اختلال في الطقس وظهور التقلبات المناخية السريعة والحادة، مما يتسبب في زيادة الآفات وأمراض النبات والتأثير على إنتاج الغذاء، بجانب نقص الإنتاجية الزراعية لبعض المحاصيل.

وأشار داود في حديثه إلى رصيف22، إلى أحد النماذج التي رصدت تأثير التغيرات المناخية على الزراعة في مصر، وكشفت عن انخفاض إنتاجية محصول القمح، وهو أحد المحاصيل الإستراتيجية، عن المعدل الطبيعي بنسبة 9% إذا ارتفعت درجة الحرارة درجتين مئويتين، وسيزداد الاستهلاك المائي لهذا المحصول نحو 6.2% مقارنةً بالاستهلاك المائي له تحت الظروف الجوية الحالية، في حين سيصل معدل النقص إلى 18% إذا ارتفعت درجة الحرارة أربع درجات مئوية، وستقلّ إنتاجية الذرة الشامية بنسبة 19% بحلول منتصف هذا القرن إذا ارتفعت درجة الحرارة ثلاث درجات مئوية ونصف الدرجة.

ولفت داود إلى أن شحّ الموارد المائية الذي تعاني منه البلدان العربية سيكون له تأثير كبير على التنمية الاقتصادية للبلدان التي تعتمد على الزراعة مثل مصر، إذ سينخفض الإنتاج الزراعي في بعض البلدان بنسبة قد تصل إلى 60%، ويؤدي ذلك إلى انتشار البطالة في القوى العاملة الزراعية التي قد تصل إلى 30% من إجمالي القوى العاملة في بعض البلدان الزراعية في المنطقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard