"منها قنطرة تمتد حتى عاصمة الإمبراطورية الآشورية"... هل تنجح السلطات العراقية بحماية مئات المواقع الأثرية؟

الثلاثاء 30 نوفمبر 202111:53 ص

نشأت في العراق أقدم الحضارات، وأوّلها، ولعلّ الآشورية التي اتّخذت من نينوى عاصمةً لها، إحدى أبرز تلك الحضارات.

عُرف الآشوريون بالإضافة إلى شدّة بطشهم وقوّتهم، بولعهم بالفنون والرسم والتطور العمراني، كالثيران المجنّحة، والحدائق، ومدينة النمرود التي سُميت تيمّناً باسم أوّل "جبّار في الأرض"، وأحد الأربعة الذين حكموا العالم، وتقع على ضفاف دجلة، 30 كم جنوب محافظة الموصل.

تُعد المواقع الآشورية المرشح الأساسي والدائم على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، مثل موقع كنز النمرود المكتشَف عام 1988، والذي يُعدّ أبرز اكتشاف أثري، منذ الكشف عن قبر الإمبراطور الفرعوني توت عنخ أمون مطلع عشرينيات القرن الماضي، إلّا أن هذا الترشح لم يُشفع له أمام الإهمال الحكومي.

كانت هذه الآثار من أبرز مواقع الجذب السياحي، إبّان عهد النظام السابق (خلال فترة حكم صدام حسين)، حسب الباحث في الآثار، الدكتور حسن الربيعي، إلا أن إهمالها بعد عام 2003، وقلّة التخصيصات المالية لاستدامتها وصيانتها، أدّيا إلى توسّع التشققات في جدرانها، وفقدان بعض أجزائها نتيجة الأمطار والعوامل الجوية.

تُعد المواقع الآشورية المرشح الأساسي والدائم على لائحة التراث العالمي، مثل موقع كنز النمرود والذي يُعدّ أبرز اكتشاف أثري، منذ الكشف عن قبر الإمبراطور الفرعوني توت عنخ أمون

وأضاف: "كما نُهبت العديد من هذه المواقع، وبيعت آثارها عبر تجّار السوق السوداء، بمعاونة بعض المسؤولين، إلى متاحف عالمية معروفة. في عام 2014، قاد تنظيم الدولة الإرهابي حملةً تخريبيةً في مدينة نينوى الأثرية، والمواقع الأخرى الواقعة تحت سيطرتهم، دمّر خلالها 50% من المعالم التي يعود بعضها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد".

عمد التنظيم إلى تهريب العديد من الآثار، وبيعها عبر وسطائه، لتمويل عملياته العسكرية، على الرغم من تحريمه لهذه المعالم، وفرض تدميرها. وكانت الحكومة العراقية قد استعادت 17 ألف قطعة أثرية مسروقة من الحكومة الأمريكية، منتصف العام الحالي، إلا أنها لم تتوصل إلى اتفاق مع بقية المتاحف العالمية، كاللوفر وبرلين، لاسترجاع بقية الآثار العراقية الموجودة فيها.

كما نُهبت العديد من هذه المواقع، وبيعت آثارها عبر تجّار السوق السوداء، بمعاونة بعض المسؤولين، إلى متاحف عالمية معروفة

بدأ الاهتمام بالتنقيب في المنطقة الآشورية، عام 1820، وكشف الخبير الآثاري البريطاني، أوستن هنري لايارد، عن لوحة آشور ناصربال الثاني الصخرية، عام 1850. وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي، اكتشف العالم الأحفوري، ماكس مالوان، بقايا معبد التوبة، أسفل مقام النبي يونس "يونان"، وسُمّي الموقع بتل التوبة نسبةً إليه، ويقال إن "أغاثا كريستي، زوجة مالوان، استلهمت قصّتيها "جريمة في بلاد الرافدين"، و"جريمة في قطار الشرق السريع"، من هذه الرحلة الاستكشافية.

بدأ الاهتمام بالتنقيب في المنطقة الآشورية، عام 1820، وكشف الخبير الآثاري البريطاني، أوستن هنري لايارد، عن لوحة آشور ناصربال الثاني الصخرية، عام 1850.

وعن التنقيبات الآشورية الأخيرة، يقول رئيس بعثة جامعة أوديني الإيطالية، ومدير مشروع أرض نينوى الأثري، البروفيسور دانيال موريندي، إن "حفريات البعثة المشتركة بين جامعته، ومديرية آثار دهوك، اكتشفت خلال البحث الميداني (2021)، قناةً محفورةً من الحجر الجيري في منطقة فايدة التابعة لمحافظة دهوك، وتعود إلى فترة الملك سرجون الثاني 705-721 قبل الميلاد، ووجدت على ضفة القناة 12 لوحةً تمثل الملك الآشوري وهو يصلّي أمام تماثيل الآلهة، "أشور، وزوجته موليسوا، وإله القمر سين، والحكمة نابو، بالإضافة إلى آلهة الشمس شمش، والطقس أداد، وآلهة الحب والحرب عشتار"، وهي مثبتة على حيواناتهم المقدسة. ويرجّح موريندي أن تكون هذه النقوش منحوتةً بواسطة الملك سرجون، وابنه وخليفته سنحاريب.

من جانبه، يقول مدير دائرة الآثار في محافظة دهوك، الدكتور بيكه س البريفكاني، إن "البعثة المشتركة وجدت ما يقارب 1140 موقعاً أثرياً، منها قنطرة تقع في منطقة شيف أشا بالقرب من قرية بافيان، وتمتد حتى عاصمة الأمبراطورية الآشورية نينوى، بالإضافة إلى موقعي تل كومل وأسنكران، في قضاء بردرش، ويحتفظ متحف دهوك الوطني بآثارها".

"الهدف العام للمشروع، هو تحديد تاريخ الاستيطان في دهوك، واستخدام أراضيها من عصور ما قبل التاريخ، إلى الوقت الحالي، وفي الوقت ذاته تسجيل التراث الأثري الهائل والفريد للمنطقة"

وتسعى المديرية إلى الحفاظ على هذه الأماكن، من خلال تسييجها، ودراسة الأمطار السنوية، والأنواء الجوية، لضمان حمايتها مستقبلاً.

يؤكد البروفيسور موريندي أن "الهدف العام للمشروع، هو تحديد تاريخ الاستيطان في محافظة دهوك، واستخدام أراضيها من عصور ما قبل التاريخ، إلى الوقت الحالي، وفي الوقت ذاته تسجيل التراث الأثري الهائل والفريد للمنطقة، وحمايته، وصونه، وتعزيزه مستقبلاً".

تدمير الآثار الآشورية والموصلية أثّر كثيراً على نفسية العراقيين بشكل عام، إلا أن إعادة توجيه الاهتمام الحكومي والعالمي بالتراث العراقي ممكن عبر الحملات التنقيبية الحالية

وبيّن أن هناك نيةً لإنشاء حديقة أثرية في فايدة، يمكن للمجتمع المحلي والسياحة العراقية والعالمية الاستفادة منها، والتمتع بجمالها ونقوشها التاريخية.

ويموّل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعض الجهود التنقيبية المشتركة بين هيئة آثار إقليم كردستان، وبعض الجامعات الإيطالية والفرنسية العاملة في مواقع الحضارة الآشورية ضمن محافظتي دهوك والموصل، في شمال العراق.

وأدّى اهتمام منظمة اليونيسكو بإدراج مواقع أثرية عراقية على قائمة التراث العالمي، إلى زيادة الاهتمام الحكومي بهذا الجانب، حسب الربيعي، الذي يرى أن الاهتمام خجول نتيجة تردّي الوضع الأمني، خاصةً في مناطق الحرب مع داعش.

في المقابل، يرى الباحث في التاريخ، عمار الصبيحاوي، أن "هذا الإهتمام ظرفيّ، وسبق أن مرّ العراق بفترات مشابهة انتهت بالنسيان في "جرارات مكتب الوزير". ويضيف: "هذا الاهتمام ضعيف نتيجةً لتأثره بالخلافات السياسية، وضعف الخدمات التي أشغلت المواطنين بمشكلاتهم اليومية، وهذا الإبعاد فعل مقصود يعبّر عن رغبة بعض الجهات الخارجية بمحو التاريخ العراقي من نفوس أبنائه، ومحاولة طمس هويته مستقبلاً، تمهيداً لإخضاع البلد، وتالياً فإن اهتمام المواطن لم يقلّ، كما لم يضعف حافزه نحو تراثه وحضارته، ولكنه أُبعد عن هذه الاهتمامات مجبوراً".

يقول الصبيحاوي، إن "تدمير الآثار الآشورية والموصلية أثّر كثيراً على نفسية العراقيين بشكل عام، إلا أن إعادة توجيه الاهتمام الحكومي والعالمي بالتراث العراقي ممكن عبر الحملات التنقيبية الحالية، إذا ما عنيت بالرعاية اللازمة لاستمرارها، والحفاظ على مكتسباتها".

اهتمام المواطن لم يقلّ، كما لم يضعف حافزه نحو تراثه وحضارته، ولكنه أُبعد عن هذه الاهتمامات مجبوراً

يذكر أن هناك تعاوناً بين وزارة الثقافة وبعثات تنقيبية تابعة للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، وفرق آثار ألمانية تعمل ضمن موقع مدينة لارسا الأثرية، والمناطق القريبة من زقورة أور في محافظة ذي قار جنوب العراق، كما يموّل التحالف الدولي حملةً لحماية التراث في مناطق النزاع المسلح في شرق البلاد.

ويشهد القطاع السياحي في العراق انتعاشاً تدريجياً بعد زيارة البابا فرنسيس، في آذار/ مارس هذا العام، تركّز بشكل خاص على المناطق الأثرية والدينية.

ويبقى السؤال: هل سيؤثر الاهتمام الأجنبي في تحفيز الحكومة على الاهتمام بالمناطق الأثرية، بما يؤدّي إلى رعاية الحملات التنقيبية، وزيادة الجذب السياحي في البلد، أم ستُهمَل مرةً أخرى نتيجة الفساد، أو الضعف الأمني؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard