من نصب الشهيد إلى النجف... العراق بعيون سيّاحه

الأربعاء 5 يناير 202201:15 م

كان سلمان وحيد، من بغداد، سائق تاكسي متقاعد، يعيل عائلةً مكوّنةً من سبعة أشخاص، بسيارة شيفروليه كانت تُسمّى بالعراقي (دوج أبو عليوي)، مشهورة آنذاك، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حتى ورث بعض المال من أحد أقربائه، فاستطاع شراء سيارة شيفروليه موديل عام 1969، توجد منها ثلاث فقط في العراق، ليجذب من خلالها أنظار شركات السياحة، وحصل على إجازة للعمل كمرافق سياحي في إحدى الشركات.

ما ميّز وحيد، أنه ابن الجنوب، يعرف طرقاته، وخباياه، والأماكن السياحية فيه، وكيفية تنظيم تجربة لن ينساها السائح، في كل من أهوار العراق، وزقورة أور، وشط العرب، والمقابر الملكية، وكردستان العراق وأماكنها التراثية والتاريخية، وكان أحد زبائنه وأصدقائه المقربين، الممثل السوري دريد لحام.

حتى سنوات متقدمة من الحرب العراقية-الإيرانية (اندلعت في عام 1980)، كانت الوفود تصل من كل أنحاء العالم لتغطية ما يحصل في أثناء الحرب، وخصوصاً في مناطق الجنوب، فكان سلمان أحد المرافقين السياحيين المهمين آنذاك، ومنذ عام 1985، توقفت الوفود، وأصبحت أرض العراق، التي كانت منبع الكتابة والعلم، في قاعٍ مظلمٍ في انتظار من يعيد اكتشافها.

حتى سنوات متقدمة من الحرب العراقية-الإيرانية (اندلعت في عام 1980)، كانت الوفود تصل من كل أنحاء العالم لتغطية ما يحصل في أثناء الحرب، وخصوصاً في مناطق الجنوب، فكان سلمان أحد المرافقين السياحيين المهمين آنذاك

بعد زيارة البابا فرانسيس التاريخية إلى زقورة أور، في الناصرية، وإقامته القداديس في كنائس بغداد والنجف والموصل وأربيل، التي جعلت العراق تحت أنظار العالم أجمع، قررت الحكومة العراقية، في 15 آذار/ مارس 2021، إعفاء مواطني 37 دولةً من تأشيرة الدخول إلى العراق، في محاولة لتنشيط الاستثمار، ودعم الاقتصاد العراقي، وفتح المجال أمام السياح من كل العالم، كي يأتوا إلى العراق، ويتعرفوا على حضاراته.

مقهى المسافرين

مقهى المسافرين العراقيين هو تجمع افتراضي على فيسبوك، قام بإنشائه شابان عراقيان هما أسامة موسى وديار الزهيري، وما دفعهما إلى ذلك، هو أن غالبية العراقيين يعانون من الانعزال عن العالم، بسبب عدم قدرتهم على الاندماج مع الشعوب الأخرى، والثقافات المختلفة، والبيئات الاجتماعية.

في آخر 20 سنةً، كان العراق بعيداً جداً عن مفهوم السياحة واستقبال السائحين، لذلك قررنا أن تكون المجموعة أيضاً منطلقاً للسائحين والمجتمع العراقي للتعاون معاً

يقول موسى لرصيف22: "بسبب جائحة كورونا، ركّزنا على الموضوع أكثر، من خلال تبادل الخبرات والثقافات والدراسات والتجارب الناجحة خارج البلد، من أجل نقل تلك التجارب إلى الآخرين، ونشر مفهوم المواطنة العالمية، وكيف يكون الفرد العراقي مواطناً عالمياً، وكيف ينقل ثقافته وتقاليده إلى الشعوب الأخرى، وبالعكس".

ويضيف: "في آخر 20 سنةً، كان العراق بعيداً جداً عن مفهوم السياحة واستقبال السائحين، لذلك قررنا أن تكون المجموعة أيضاً منطلقاً للسائحين والمجتمع العراقي للتعاون معاً، ومنذ قرار الحكومة العراقية بتسهيل إجراءات سمات الدخول، أصبحت المجموعة محطةً مهمةً للتعرف على العادات والتقاليد والمناطق الأثرية ومساعدة السائحين القادمين إلى العراق من كل أنحاء العالم، ودليلاً سياحياً مهماً، وآن الأوان أن تنتقل إلى أرض الواقع".

وتضم المجموعة مواطنين من كافة محافظات العراق، ويرى أسامة أن "المجتمع العراقي متعطش لتبادل الثقافات مع الآخرين، وحتى في ما بينهم كأفراد عراقيين، بالإضافة إلى مساعدة السائحين، وتعريفهم بتاريخ العراق وإرثه الحضاري والفكري ومعالمه السياحية الأثرية".

العراق منسيّ ومنعزل عن العالم منذ عام 2003، وكان يفتقر إلى أبسط المقومات، حتى أن بعض الأماكن التاريخية كانت مغلقةً

ويصف واقع الحال بالقول: "العراق منسيّ ومنعزل عن العالم منذ عام 2003، وكان يفتقر إلى أبسط المقومات، حتى أن بعض الأماكن التاريخية كانت مغلقةً، فتواصلنا مع أصحاب القرار من أجل إعادة فتحها، والاعتناء بها، وجذب أكبر عدد ممكن من السياح".

رحالة في العراق

تقول جانيت نيونهام، وهي سائحة إيرلندية، وإحدى الرحالات المعروفات حول العالم لرصيف22: "لم أكن أعرف أن العراق مفتوح للسياحة، حتى سمعت من صديق لي، وبالصدفة، وهو رحالة معروف أيضاً باسم جاي باليفراي، بأنه سوف يذهب إلى العراق، فبدأت بالبحث عبر غوغل عمّا إذا كان العراق آمناً، وما هي الأماكن التي بإمكاني زيارتها".

"سابقاً، عندما كنا نسمع الأخبار عن الشرق الأوسط، وعن العراق بالتحديد، عن الأمن والحرب مع داعش، وبعض الصراعات، كنا نشعر بأنه بلد غير مستقر، وغير آمن، لكن عندما رأيت نفسي وسط الناس البسطاء هنا في بغداد، شعرت بالأمان، ورأيت أن العراق يستحق الزيارة".

عندما كنت أزور شارع المتنبي في بغداد، رأيت الكثيرين ينادونني باسمي، ورأيت أنهم من متابِعِيّ على اليوتيوب في أثناء رحلاتي حول العالم

تتحدث نيونهام عن أماكنها المفضلة في العراق، كـ"نصب الشهيد في بغداد، وبوابات بابل، وأهوار الجبايش في الناصرية"، وكأنها تعرفها منذ زمن. تذكر قصةً لطيفةً حصلت معها: "عندما كنت أزور شارع المتنبي في بغداد، رأيت الكثيرين ينادونني باسمي، ورأيت أنهم من متابِعِيّ على اليوتيوب في أثناء رحلاتي حول العالم، حيث تمكنّا من التقاط الصور التذكارية معاً، وفرحت كثيراً عندما رأيت وجوه الناس مبتسمةً ومؤهلةً بوجودنا في بلادهم".

يصف دوغ بيرنارد، وهو يوتيوبر أمريكي معروف حول العالم بترحاله ومغامراته، زيارته الأولى إلى العراق لرصيف22، بالقول: "كانت واحدةً من أعظم التجارب التي خضتها في حياتي، التاريخ، الثقافة، الطعام، كل شيء كان عظيماً، لكن الأهم من هذا كان الشعب العراقي الذي جعل مغامرتي لا تُنسى".

ويضيف: "لم أشعر يوماً بهذا الترحيب في مكانٍ آخر، بعض أصدقائي حذروني قبل الذهاب إلى العراق، وتجنّب قول إنني أمريكي، لكنني قلت لكل شخص التقيته في العراق إنني من أمريكا، ولم أجد منهم سوى اللطف والإحسان والكرم، وأكثر الأماكن التي أحببتها في العراق كانت بغداد وكربلاء، لما تحتويان من تاريخ وتنوع".

ويذكر دوغ: "لم أتوقع سهولة الحصول على تأشيرة بهذا الشكل، لقد كانت سمات الدخول إلى العراق من أصعب السمات في العالم، لكن عند نزولنا في مطار بغداد الدولي، لم نتأخر سوى 45 دقيقةً من أجل الحصول على سمة الدخول".

لم أشعر يوماً بهذا الترحيب في مكانٍ آخر، بعض أصدقائي حذروني قبل الذهاب إلى العراق، وتجنّب قول إنني أمريكي، لكنني قلت لكل شخص التقيته في العراق إنني من أمريكا، ولم أجد منهم سوى اللطف والإحسان والكرم

يعتقد دوغ أن "الشيء الرئيسي الذي يجب تغييره من أجل زيادة السياحة إلى العراق، هو الصورة التي كوّنها الأجانب حول البلد؛ ففي الغرب تحديداً، لا يزال الناس ينظرون إلى العراق على أنه بلد خطير مزّقته الحرب، وليس خياراً للسياحة، وهذا الانطباع سيتغيّر مع مرور الوقت، إذ يزور المزيد والمزيد من الناس العراق ثم يعودون إلى ديارهم، ويغيّرون آراء أصدقائهم وعائلاتهم حوله".

محاولات محليّة

وتمكّن مدير آثار محافظة ذي قار، وتراثها، عامر عبد الرزاق، من تسويق المحافظة سياحياً، وتسهيل إجراءات دخول الوفود إليها، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وشارك بعض الشباب شغفهم ليُعدّوا أوّل دليل سياحي للمحافظة، إذ تطوعوا لمدة ستة أشهر بمساعدة آثاريين محليين من 25 مدينةً أثريةً وسياحيةً، بلغتين عربية وإنكليزية، مع صور احترافية وتعريف كامل للمدن، للانتهاء من إعداد الدليل.

كانت الوفود تأتي مرةً واحدةً في الشهر إلى المحافظة. أما الآن، فيأتي إلى المحافظة وفد على الأقل من مختلف الجنسيات في اليوم الواحد، وما يقارب 200 سائح في الشهر

وكانت الوفود تأتي مرةً واحدةً في الشهر إلى المحافظة. أما الآن، فيأتي إلى المحافظة وفد على الأقل من مختلف الجنسيات في اليوم الواحد، وما يقارب 200 سائح في الشهر داخل المحافظة فحسب، باستثناء بعثات التنقيب الموجودة حالياً في الناصرية.

يقول عبد الرزاق لرصيف22: "الاهتمام الحكومي دون الوسط. نحن نحتاج إلى الكثير من الجهود لدعم هذا القطاع، خاصةً أن السياحة أصبحت صناعةً. الآن حسب آخر إحصاء لليونسكو، فإن ما يقارب 120 دولةً في العالم تعتمد في اقتصادها على السياحة والآثار، ونحن بلد الآثار 95% من مواردنا هو النفط".

يضيف: "هذا الأمر خطير لأننا بحاجة إلى البحث عن اقتصاد بديل، والسياحة والآثار مهيّئة جداً في بلد يتربع على ما يقارب 20 ألف مدينة أثرية، ومسطحات مائية، وبادية مهمة تمتد لآلاف الهيكتارات، وهضاب وجبال ومراقد دينية مهمة لكافة الطوائف، ولدينا الآن مئات الحجاج من الطائفة المسيحية لزيارة زقورة أور، وهذه كلها عوامل تساعد على تنشيط الأسواق وخطوط النقل، وتدعم الباعة المتجولين، وتساهم في المزيد من الحركة المالية للسوق".

ورصدت الحكومة مبلغ 19 مليار دينار عراقي لبناء واحدة من أكبر المدن السياحية، محاذية لمدينة أور سميت في المدينة الإبراهيمية، كما أنها دعمت، حسب عبد الرزاق، زقورة أور، من خلال إنشاء طرق معبّدة وأماكن للاستراحة وتسييج المناطق الأثرية وإمدادها بالماء والكهرباء، وتوسيع الطريق ما بين مدن الناصرية، ومن بقية المحافظات، وإليها.

يتربع العراق على ما يقارب 20 ألف مدينة أثرية، ومسطحات مائية، وبادية مهمة تمتد لآلاف الهيكتارات، وهضاب وجبال ومراقد دينية مهمة لكافة الطوائف

كان علي، وهو من النجف، يبحث عن مكان هادئ يبعده عن ضوضاء المدينة، فاكتشف مكاناً خلف مزارع النخيل، مطلّاً على نهر الكوفة. يستيقظ مع بزوغ الفجر، ويذهب ليستمتع بشروق الشمس من خلف النهر والأشجار مع الفطور الصباحي التقليدي للشعب العراقي "القاهي والقيمر والمخلمة على الطريقة النجفية"، والقليل من السباحة، قبل أن يبدأ نهاره.

علي، وهو مرافق سياحي، وراكب دراجة هوائية، شارك روتينه اليومي مع السائحين الذين يقصدون النجف، ليرى ردة فعلهم التي كانت كما توقّعها، إيجابيةً إلى أبعد حد. للنجف حصة كبيرة في قلب علي، ويحاول من خلال عمله أن يجعل مدينته مقصداً سياحياً، وليس دينياً فحسب. هذا أيضاً ما يحاوله كُثر من شابات العراق، وشبانه، كي يطووا مرحلةً سوداء لبلاد مزقتها الحرب والأفكار الظلامية الآتية من كل حدب وصوب. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard