"أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من كوارث"... لبنانيون/ ات ينقلبون على الأديان

الخميس 13 يناير 202201:08 م

"نحن لا نختار وطننا، ولا ديننا، حتى أهلنا لا نختارهم، نولد مجرّدين من كل شيء، ومرغمين على تقبّل واقعنا، لكن لدينا حرية اختيار ما نريد، وأين نعيش، وبمن نؤمن"؛ هي رؤية مشتركة لشباب وشابات من لبنان، قرروا/ ن الانقلاب على الموروثات والمعتقدات الدينية المدعومة من الخطاب الطائفي المسيطر على بلدٍ عانى من ويلات حرب أهلية طائفية عنيفة.

"أسطورة العيش المشترك ليست إلا شعاراً تافهاً، فكلما سنحت الفرصة أظهر جزء من اللبنانيين حقدهم الطائفي؛ يخرجون إلى الشوارع لمقاتلة بعضهم بعضاً إرضاءً لزعيم طائفتهم ليس إلا. هذا ما أوصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم من كوارث وأزمات متتالية". يقول هؤلاء عبر صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل.

أسباب متعددة دفعت عدداً من الشباب لهجرة الدين، والمطالبة بالدولة المدنية، أبرزها الأزمات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالمحاصصات الطائفية، ناهيك عن الانفتاح التكنولوجي الذي بات يتيح الحصول على المعلومة، ومقارنتها من مصادر عدة، وليس من رجل الدين حصراً.

بعد قراءات معمّقة، توصلت إلى أن "الله خدعة لتخويف البشر، ورجال الدين يستغلونه للسيطرة على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية.

تناقضات كثيرة وغير منطقية

"كنت في سن العاشرة أدرس الفقه الإسلامي في معهد العلوم الشرعية في منطقتنا، ولم أكن أشبه بقية الطلاب في تلقي المعلومات، كانت لدي تساؤلات كثيرة حول تفسيرات القرآن. مثلاً قصة النبي موسى الذي ورد ذكره 136 مرةً في 34 سورةً قرآنيةً، كانت بداية الشك عندي. سألت الشيخ لماذا تختلف قصته من سورة إلى أخرى، فكان رده أن ما يهمنا هو أخذ العبرة من قصص الأنبياء، وليس الدخول في تفاصيل، أو المجادلة في كلام الله المقدس"، يقول طه الزعبي، ابن مدينة طرابلس في شمال لبنان، التي تعيش منذ سنوات أوضاعاً أمنيةً غير مستقرة بسبب الاقتتال المبني في كثير من الحالات على خلفيات طائفية ودينية.

فرض والد طه على أبنائه الستة، الذكور والإناث، تعلّم الشريعة الإسلامية، لأنها الأبقى لهم في الحياة والآخرة. عن ذلك يقول الشاب: "بقيت حتى سن الخامسة عشر أعيش صراعاً مع أفكاري الباطنية، وما يقوله الإسلام، وما يريد الله منّا، والصلاة له طوال الوقت على مبدأ ‘ما خلقتكم سوى لتعبدوا’. لماذا حرّم علينا الموسيقى والذهاب إلى البحر ومشاهدة التلفاز وحتى ارتداء لباس على الموضة؟ ولماذا صوت المرأة عورة ولا تجوز مصافحتها؟ كلها أمور لم يتفهمها عقلي كشاب مراهق".

يضيف الشاب ذو الخمسة وعشرين عاماً: "في تلك السن، كنت أظن أن من لا يشبه عقيدتنا هو كافر يستحق الموت، وأن الحب من مظاهر التشبه بالغرب والكفار، حتى وصلت إلى قناعة بأن النبي محمد حلل لنفسه ما حرّمه لغيره، فهناك تناقضات كبيرة في أحاديثه، في مواضيع مختلفة، منها الزواج من غير مسلمة، والتبني".

"في أثناء المرحلة الجامعية، تبلورت لدي العديد من الأمور، حول الحرام والشرك والكفر. صرت أفهم أن الصداقة بين الشاب والفتاة ليست عاراً، ولا حراماً، كذلك الموسيقى، وأن الذهاب مع الأصدقاء من الجنسَين لمشاهدة مبارة كرة قدم أمر ممتع جداً"

"في سن السابعة عشر، التقيت بشاب من المذهب الأشعري، ودار جدل طويل بيننا، وتوصلت إلى أنّ الخلافات العقائدية ليست بين مسلم ومسيحي، بل بين أهل السُنّة أنفسهم، وبين الشيعة أيضاً. نرى حروباً بين المسلمين حتى اليوم، يموت بسببها الآلاف ويزداد الفقر والأمراض والتخلّف، لأن طائفةً تريد السيطرة على أخرى".

يضيف طه أنه بعد قراءاتٍ معمقة، توصل إلى أن "الله خدعة لتخويف البشر، ورجال الدين يستغلونه للسيطرة على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية. لدي نحو عشرة أصدقاء كانوا ملتزمين إسلامياً، وأصبحوا ملحدين، خاصةً بعد ثورة 2019".

"أختي تضع الحجاب أمامي"

نشأة طه في سن المراهقة، تزامنت مع أحداث أمنية خطيرة عايشتها مدينة طرابلس، التي سيطرت عليها لفترة أحزاب إسلامية متطرفة، كعصائب أهل الحق، وفتح الإسلام، وداعش، وغيرها.

هو اليوم يعمل في مهنة النجارة، ويقيم في مكان عمله، لأن علاقته مع شقيقه الأكبر وعائلته عموماً متوترة، إذ إن شقيقه انخرط في صفوف داعش قبل أن يُسجَن، وهو لم يحتمل تطرّفه الذي وصل إلى حد تهديده بالقتل لكونه كافراً برأيه. "حاول التأثير على والدي لطردي من المنزل، وتأثرت شقيقتي بفكره حين كانت تزوره في السجن، فطلب منها أن تقاطعني، وألا تخلع حجابها أمامي، وكذلك الأمر من والدتي، وقال إنه سيقتلني حين خروجه من السجن".

"كنت أظن أن لبنان كله شيعة"

تعرّف ريم وهبي (29 سنةً)، بنفسها، بأنها لا دينية، تؤمن بالله حاكم الكون كما تقول لرصيف22؛ "نشأت وسط عائلة والدتي المتعصّبة للمذهب الشيعي، في سن التسع سنوات تحجّبت أسوةً ببنات العائلة. يومها سعدت بتلك الخطوة، منتظرةً أن أصبح في الخامسة عشر لأرتدي اللباس الأسود الشرعي الرسمي عند الجعفريين".

كانت تظن، وهي في سن الثانية عشرة، أنّ كل اللبنانيين هم شيعة، "حتى دخولي كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، حيث خالطتُ نماذج مختلفة، وبدأت الصدمات".

لدي نحو عشرة أصدقاء كانوا ملتزمين إسلامياً، وأصبحوا ملحدين، خاصةً بعد ثورة 2019.

تضيف: "في أثناء المرحلة الجامعية، تبلورت لدي العديد من الأمور، حول الحرام والشرك والكفر. صرت أفهم أن الصداقة بين الشاب والفتاة ليست عاراً، ولا حراماً، كذلك الموسيقى، وأن الذهاب مع الأصدقاء من الجنسَين لمشاهدة مبارة كرة قدم أمر ممتع جداً، لكن كل هذه الأمور لم تكن السبب للقناعة التي أنا عليها اليوم".

تعترف ريم بأن قراراها بخلع الحجاب، وهي في سن الخامسة والعشرين، لم يكن غيرةً من صديقات لها سبقنها إلى هذه الخطوة، بل رغبة في أن تعيش أنوثتها التي كانت منقوصةً: "لماذا أحجب شعري وضحكتي وأناقتي كي لا تتحرك غريزة الرجال تجاهي؟ هل أنا علبة حلوى مغطاة كي لا أجذب الحشرات صوبي، كما يقول رجال الدين؟ أخبرت والدي المتفهم جداً لقراري، ووافق عليه".

"بعد نزع حجابي، لجأت إلى قراءة كتب الفلسفة وعلم الاجتماع والدين، أبحث عن حقيقتنا في الحياة، ولماذا تلك الحروب في العالم العربي والأزمات المتلاحقة في لبنان، الشيعة والسنة يتقاتلون منذ 1،400 سنة لأسباب تافهة. اقتنعت بأن الدين الذي كنت عليه وهم كبير، وعبارة عن دستور وضعه شخص، ربما كاتب أو فيلسوف، ادّعى النبوة، وبأن القرآن والأحاديث النبوية ليست منزلةً، بل صنعها إنسان، قرر وضع دستور لخنق الحريات والحقوق، بما فيها حرية المرأة".

وتختم حديثها متسائلةً: "كيف نصدّق أحاديث متناقَلةً شفوياً من زمن النبي محمد، وكل عالم دين يغالط الآخر، ويفتي بما يتناسب مع أهوائه وذكوريته، ونحن اليوم إذا عدنا إلى قضية موثّقة بصور ونصوص حدثت منذ عشر سنوات، نجد اختلافاتٍ في الروايات حولها؟".

"الروايات الدينية ليست إلا خرافات"

"بعد اطّلاعي على الأديان كافة، وخاصةً دراستي للإنجيل، وصلت إلى قناعة بأنّ الروايات الدينية ليست إلا خرافات، تشبه العديد من الأساطير، وأبطالها هم مجرّد شخصيات وهمية تعلّقت بها الأجيال وأورثتها للأجيال التالية، تماماً كالشخصيات الكرتونية التي يتعلّق بها الأطفال، أو ما يشبه اليوم نجوم الفن وكرة القدم، وحالياً المؤثرين على مواقع التواصل الذين يتابعهم مئات الآلاف، هؤلاء أيضاً لهم جمهورهم، فهل نقول عنهم أنبياء؟ من يثبت لي بأن المسيح مشى على ماء بحيرة طبرية؟ من يؤكد لي، غير الأحاديث المتناقَلة، بأنه أحيا الأموات، أو تكلم في مهده؟"، يقول جورج فرح (35 سنةً)، وهو شاب لبناني تخلّى عن مسيحيته منذ ثلاث سنوات، بعد بحث عميق في الكتب والمراجع كما يقول.

بعد اطّلاعي على الأديان كافة، وخاصةً دراستي للإنجيل، وصلت إلى قناعة بأنّ الروايات الدينية ليست إلا خرافات، تشبه العديد من الأساطير، وأبطالها هم مجرّد شخصيات وهمية تعلّقت بها الأجيال وأورثتها للأجيال التالية

يختصر جورج فكرته بأنه شخص علمي، يؤمن بقاعدة "واحد زائد واحد يساوي اثنين"، ويضيف: "أتعجب من عائلتي ومحيطي الذين يسجدون لتمثال قدّيس للتبرك منه، معتقدين أنه سيباركهم في صحتهم وحياتهم ويشفيهم كما تقول الخرافات في بعض قرى لبنان، وأن القديس فلان شفى أحدهم من مرض مستعصٍ، أو جعله يمشي بعدما كان مُقعَداً، هل هذا منطقي؟".

يردف قائلاً: "في لبنان نتبرع لبناء الكنائس والمدارس والمستشفيات التابعة للرهبنة، وفي المقابل لا يقدمون أي خدمة مجاناً، رجال الدين يحملون الصولجانات الذهبية، ويخطبون في الناس، ويدفعونهم إلى التطرف ضد الآخرين، ويتدخلون في السياسة وفي تفاصيل حياتنا، حتى في الزواج والطلاق. لبنان لن ينهض إقتصادياً إلا بعزل الطائفية السياسية، وإعلانه دولةً مدنيةً مطلقة".

"ردة فعل متوقعة"

من وجهة نظر علمية، يرى الدكتور المحاضر والمتخصص في علم النفس الوجودي، بول دواليبي، أنّ حالة لبنان مختلفة عن دول عربية أخرى، لأنه بلد طائفي بامتياز، نسبة كبيرة من شعبه متديّنة بطريقة تغلب عليها العصبية المذهبية، ويضيف: "حين نكبر نرى أن الدين شيء جيد، لكن رجاله يعطون صورةً خطأً عنه، وحين نكسب النضوج من خلال التثقف والاحتكاك بالآخرين، نجد أن رجال الدين يعملون لصالح الطبقة السياسية، وهنا تبدأ أولى ردات الفعل على الدين".

يضيف في حديثه إلى رصيف22: "الإنسان بفطرته لا يمكنه العيش بلا طاقة روحية، وبلا شعوره بأن هناك قوة عظيمة في الكون تساعده، فالإيمان بوجود طاقة أكبر من البشر موجود منذ الأزل، لكن خيبات أمل الشباب من رجال الدين، هي التي تدفعهم لهجرة الأديان، ولا بد من تصنيف نوعين من هؤلاء؛ فئة ضعيفة مستسلمة للأفكار الدينية، وللقيادات الحزبية والسياسية ولسلطة رجال الدين، وفئة ترفض واقعها فتنقلب على الدين الذي تشبّهه بأفعى تحت التراب، وهو ما يحصل في لبنان تحديداً".

تزداد نسبة الانتحار لدى فئة الشباب، الناتجة عن فقدان الأمل بالدين أولاً، ثم بالسلطات السياسية والأوضاع الراهنة.

ويلفت الدكتور دواليبي، إلى أن من مظاهر التخلي عن الإيمان، اللجوء إلى علم التنجيم والفلك والروحانيات، وهي ظاهرة واضحة جداً في لبنان: "هؤلاء لو كانوا غير ملحدين، لكنهم غير مقتنعين بقدرة الله، فيلجؤون إلى قوة يظننوها أقوى، وربما تعطيهم الأجوبة حول مصيرهم. اليوم معظم الناس مصدر قلقها الفقر والبطالة، وفي الجهة المقابلة نرى رجال الدين والمسؤولين يعيشون بنعيم، وأقل ما في الأمر أن تكون ردة فعل الشباب التخلي عن دياناتهم، وهنا لا أبرر لهم، بل أشرح ما يحدث".

يكمل: "أريد التنويه بظاهرة أخرى هي الانتحار لدى فئة الشباب، الناتجة عن فقدان الأمل بالدين أولاً، ثم بالسلطات السياسية والأوضاع الراهنة. في الماضي، كان من يفكر في الانتحار يردعه خوفه من عقاب الله. اليوم اختلف الوضع أيضاً".

بالنسبة إلى القانون اللبناني وتعاطيه مع الملحدين واللا دينيين، يقول المحامي أسعد المعري: "المواد القانونية 473 و474 من قانون العقوبات، تُستخدم لملاحقة المجدّفين، وإدانتهم، على خلفية نشر نكتة، أو منشور يتناولان المقدّسات، ومن ضمنها تقييد حرية التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي، بذريعة أن التعبير بحرية عن معتقد أيّ شخص، قد يؤدي إلى صراع طائفي، وإلى تهديد السلم الأهلي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard