من الإيمان إلى الشك فالإنكار... هل نعود من الانتحار كما ذهبنا؟

الأربعاء 20 يناير 202110:36 ص

"ها قد وصلت إلى العدم".

بدأت أسبح في الظلام، كأنني تعلمت التنفس للتوّ. ضحكت بصوت عالٍ: "لقد تخلصت من الحياة"، "انتحرت"، "انتحرت"، "أنا ميتة"، "أنا على قيد الموت".

لم تمضِ إلا ثوانٍ، ليمزق "الله" سعادتي في بكرها. وقف أمامي كأنه ناطحة سحاب شاهقة وقال: "كلما انتحرتِ سأعيدك إلى الحياة الدنيا"، "كل انتحار بمليون حياة"، "لن تموتي حتى آذن لك".

بدأتُ أخنق نفسي، أريد أن أموت، بينما هو يضحك مبتعداً. انقشعت العتمة وسقطتُ.

عندها فقط استيقظت من نومي وأنا أشعر ببرد قارص، رغم أن الطقس كان صيفياً خانقاً. لماذا أنفاسي متسارعة؟ وكأنّي عدت من النوم جرياً.

اجتاحتني نوبة ربو. باستسلام مبالغ به، أحضرت رذاذ الأكسجين وأنا أستحضر اللحظة التي عدت فيها من الانتحار وليتني لم أعد.

ما قبل ليس كما بعد

كنّا على مشارف عام 2015. "عيشها غير"، كان شعار المرحلة وفق الحكومة السورية. كلما قرأت هذه العبارة على لوحات الإعلانات في الشوارع، كنت أشعر بالغربة أكثر. هل كنّا حقاً "نعيش". هل نحن السوريون ما زلنا نصنَّف من جنس البشر؟ هل نجونا من حيونة الإنسان؟ أم أننا نتأرجح بين البهيمة والبشر؟

ربما. لكن الشيء الوحيد الذي أنا مقتنعة به أننا تخلّفنا كثيراً عن ركب مشروع الإنسان.

بالنسبة إليّ، خلعت عنّي ثوب الحياة منذ أن ذهبت لإجراء عملية جراحية لاستئصال كتلة دهنية غير خبيثة في مستشفى دار الشفاء في العدوي في دمشق. مررنا من مخيم اليرموك وكان قد خرج طازجاً من اشتباكات عنيفة بين حماس والجيش السوري.

كان الرصاص قد تبعثر على الأرض كالنمل، والمارة يمرّون عليه بينما يذهبون إلى أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم، يريدون أن يمارسوا حياتهم الطبيعية، حتى ولو لساعات قليلة.

كنّا قد اعتدنا على الاشتباكات كل ليلة. بتنا نتقاسم الشوارع والأحياء بيننا وبين المتحاربين، من السادسة صباحاً حتى التاسعة ليلاً للحياة الطبيعية ومن التاسعة ليلاً وحتى السادسة صباحاً للاشتباكات.

ما إنْ تخلد الاشتباكات للنوم حتى نخرج نحن إلى الحياة، لكن هذه المرة خرجت من المدينة ولم أعد إليها مرة أخرى. ما يقارب التسع سنوات مرت على هذه الذكريات.

كما خلعَت شوارع مدينتنا بيوتها عنها، خلعت أنا عنّي الحياة، رغم أنّي انتقلت للعيش في منتصف جبل قاسيون، أدنى بقليل من مسرح أول جريمة في التاريخ: مغارة الدم في جبل الأربعين، وفيها صخرة عليها مساحة لونية حمراء تمثل الأداة التي قتل بها قابيل أخاه هابيل، وفي الأسفل منّي قبور محيي الدين بن عربي وعبد القادر الجزائري وعبد الوهاب البياتي.

لم يخفف قربي منهم ألم نزوحي من بيتي. كان الألم ينهشني، يطحنني، يحرقني، كما لو أنه أسيد يُسكب في عينيّ.

تركنا كل شيء خلفنا، وبدأنا نؤسس لبيت جديد وحياة جديدة ونحن لا نملك في جيوبنا إلا ما بقي من رواتبنا.

صرت أفكّر بهذا الدين الذي بسبب أتباعه غادرت منزلي والجيران والأصدقاء والأحباب. افترق أهل حيّنا في أصقاع الأرض قاطبة. لا أمل في أن نعود ونلتقي مرة أخرى في مدينة "الحجر الأسود" التي تقع جنوب دمشق وستصبح لاحقا معقلاً لداعش.

قبل أن ننزح من مدينتنا بشهور، كنت جالسة على سطح منزلي، أقرأ مجموعة أعمال نازك الملائكة، وقصة بعنوان "منحدر التل". بكيت حينها كثيراً لنزوح أهالي قرية فلسطينية بسبب الاحتلال الإسرائيلي. أقتبس منها هذه الفقرة:

"ـ لم أحتمل أن أترك كل كتبي هنا فحملت أهمها.

ـ سميه، عزيزتي، الكتب تعوض...

وقالت سمية ثائرة وهي تكاد تبكي: الكتب تعوض؟ حقاً ولكن هذه كتبي أنا يا سعاد وبين صفحاتها، وعلى كل سطر فيها، وكل حاشية، حياتي، وما من شيء يعوض حياتي".

هذه الفقرة أبكتني كثيراً، واستغربت من نفسي لماذا كل هذا البكاء.

لم أعلم حينها أنني أبكي على حالي لاحقاً. بعد شهور نزحت بسبب مقاتلي حماس، "المقاومة الفلسطينية". يا لسخرية القدر! وخلفت كل كتبي خلفي. لم أبكِ على شيء في حياتي مثلما بكيت على فراق كتبي وعلى حرق بعضها بملء إرادتي بسبب الخوف.

يوماً بعد يوم، بتّ أشعر أن هنالك حبلاً يلتف حول رقبتي، بدأت أشعر بالضيق والاختناق، بت أنفر من الله بسبب جماعته الذين سيطروا على منطقتي وعاثوا فساداً فيها.

بدأت أكره هذا الدين الذي يبرر القتل والفساد والإجرام وتشريد الملايين من بيوتهم. للأسف الـ"تشريد" مجرّد كلمة، لكن وقعها على النفس كبير جداً بالأخص عند مَن ابتلوا بها.

"الحرب" أسوأ ما قد يتعرض له الإنسان في الحياة، و"التشريد" أسوأ ما قد يتعرض له الإنسان في الحرب. أقسم أن الموت أرحم ألف مرة من البقاء بلا مأوى.

من كثرة التفكير بالله والدين تأزمت حالتي النفسية، لكن لم انتبه للأمر إلا بعد فوات الأوان. لم أعد أستطيع الوقوف على سجادة الصلاة والنطق بـ"الله أكبر"، لقد اقترن عندي لفظ "الله أكبر" بالذبح.

وهرباً من الصلاة، بتّ أنام ساعات طويلة، وأنا التي لم أؤخر أي فريضة صلاة حتى توقفت عن الصلاة نهائياً. لم يكن الأمر سهلاً عليّ أبداً، بعد 20 عاماً من الالتزام بهذه "الفريضة".

يوم انتهى كل شيء

على غير العادة، عدت من عملي الساعة السادسة مساء. كانت الكهرباء مقطوعة. جلست بجانب المدفأة وتناولت صحناً من السبانخ ودخلت غرفتي ونمت.

"من كثرة التفكير بالله والدين تأزمت حالتي النفسية، لكن لم انتبه للأمر إلا بعد فوات الأوان. لم أعد أستطيع الوقوف على سجادة الصلاة والنطق بـ’الله أكبر’، لقد اقترن عندي لفظ ‘الله أكبر’ بالذبح"

لم أعلم كم مضى من الوقت، لكن استيقظت مع ألم صارخ في صدري، وعرق يتصبب منّي بشدة. حاولت جاهدة أن أنزل من سريري لكنّي لم أستطع، لأسقط ويغمى عليّ، ثم لاستيقظ هذه المرة مع ألم أشد. ضغطت على نفسي ووصلت بشق الأنفس إلى الباب وفتحته وصرخت لأختي لأعود وأدخل في غيبوبة لم أستيقظ منها إلا بعد ساعتين في مستشفى المواساة، وطبيبان فوق رأسي.

"شبك عمو؟ مين مزعلك؟ عشقانة؟"، هكذا استقبلني الطبيب بعد عودتي من الغيبوبة، الأمر الذي آلمني كثيراً. كيف يتم الاستخفاف بألمي هكذا، ولكن لم ألُمْهُ، وماذا سيكون هم فتاة عشرينية؟ خسارة بورصة مثلاً؟!

في منتصف الليل، عندما عمّ الهدوء المستشفى، ونامت والدتي، نزلت من سريري ومشيت صوب النافذة التي لن أعود منها أبداً.

كان المطر اللعين يهطل بشدة، والبلاط بارد جداً. مشيت حافية القدمين، "فلا أشهى من موت تمشي إليه حافياً".

قلت لنفسي: "لِمَ الانتظار؟! كوني عزرائيل نفسك، ابصقي روحك، دعيه يمضي وارتاحي".

كان هنالك كرسي أبيض بلاستيكي تحت النافذة. صوّبت هدفي نحوه، وأنا أقنع نفسي بأن هنالك مكافأة كبيرة إذا استطعت الوصول بنجاح دون أن أصدر ضجيجاً.

مشيت ومشيت وأنا أتنفس بصعوبة وعيناي تنظران بلا معنى، كما لو أنهما سبقتاني إلى الموت، وإذا بي أصل في نهاية رحلتي الشاقة، صعدت على الكرسي وفتحت النافذة ودون أن ألتفت إلى الوراء أو ألقي بنظرة وداع على هذه الحياة الفاجرة، دفعت بجسدي إلى الأمام.

ها أنا أسقط، لكن نحو أرض الغرفة حيث قامت أمي بسحبي إلى الخلف وهي تصرخ بصوت عالٍ جعل كل مَن في المستشفى يهرع صوب غرفتنا.

لم أستسلم. كانت فرصتي الأولى والأخيرة. حاولت أن أقاوم الأيدي الكثيرة التي كانت تمسك جسدي وتدفعه نحو السرير، لكنّي فشلت.

وضعوني على السرير مع قيود في اليدين والرجلين وحقنة مهدئة نمت على أثرها لليوم الثاني.

هل نعود من الانتحار كما ذهبنا؟

بالنسبة إليّ لا. رغم أن جسدي لم يسقط من النافذة في تلك اللحظة إلا أن نفسي سقطت وتحطمت وتبخرت.

"انتحرت فكرياً، وهذا أشد أنواع الانتحار إيلاماً".

"شنيع أن تعيش لامبالياً بأي شيء في هذا الوجود اللعين، لا الحلو منه ولا المر، كما لو أنك لعبة سيليكون تضاجعك الحياة، ‘تغتصبك’، ثم تلقي بك جانباً"

لم أعد هنا. أصبحت هنالك في العدم. باتت حياتي بلا معنى. لا طموح ولا شغف ولا حب. كل شيء جميل سكبته خارجي.

بتّ لا أستطيع أن أفكّر بالثانية التالية التي أعيشها، لا أستطيع أن أقول غداً، مؤلم جداً بالنسبة إليّ التفكير بالحياة لثانية أخرى فكيف ليوم آخر.

تمضي الأيام وجل تفكيري في الانتحار الجسدي، في أن أقتل هذا الجسد، وأدعه وليمة شهية للديدان والجراثيم والحشرات. على الأقل هكذا أكون قد تبرعت بجسدي اللعين للحيوانات.

قد تسألونني: "لماذا لم تنتحري حتى الآن؟".

أنتم محقون في سؤالكم. المنتحر لديه مبالاة عظيمة، وأنا فقدت المبالاة عندما سقطت نفسي من نافذة المستشفى وانتحرت فكرياً.

شنيع أن تعيش لامبالياً بأي شيء في هذا الوجود اللعين، لا الحلو منه ولا المر، كما لو أنك لعبة سيليكون تضاجعك الحياة، "تغتصبك"، ثم تلقي بك جانباً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard