"أنا ملحد"... مصريون يناقشون التابوهات في غرف "كلوب هاوس"

الجمعة 16 يوليو 202104:46 م

ما بين غرف الاقتصاد والفن والأدب في تطبيق "كلوب هاوس"، تلمع غرف الدين والسياسة والجنس، التي تعد تابوهات لم يعتد المصريون الاقتراب منها علناً، فهم يتحدثون عنها فقط في الجلسات السرية المغلقة.

استغل الكاتب الصحافي محمد عبدالرحمن، رئيس تحرير موقع "إعلام دوت كوم"، التطبيق الجديد في عقد العديد من الندوات الثقافية والفنية عبر غرف ارتادها المئات من المتابعين.

"الكلام في أي شيء مباح"

لاحظ عبد الرحمن أثناء نشاطه في "كلوب هاوس" أن "فترة التجريب الخاصة بالتطبيق انتهت سريعاً، واستطاع روّاده أن يحددوا أهدافهم من وجودهم عليه، سواءً كان للاستفادة الحقيقية أم لتضييع الوقت، وملء الفراغ. فالكلام في أي شيء مباح أمام الجميع، الوعي الشخصي فقط للفرد، هو ما يتحكم في الأمر، فهو الوحيد الذي يقرر الوجود في غرفة والبعد عن أخرى، هو الوحيد الذي يقرر أن يستمع لآراء ويتجاهل أخرى".

لاحظ عبد الرحمن أيضاً أن الغرف الخاصة بالموضوعات الجنسية تبدأ في أوقات متأخرة من الليل، يقول لرصيف22: "هي متاحة للكل، لكن من الصعب على شخص له كيان وأسرة أن يزورها، لأن هويته تظهر بكل وضوح، وهذه إحدى ميزات التطبيق".

وعن تأثير التطبيق على وعي جمهوره، يقول: "من يصنفوا بأنهم معارضون للدولة المصرية استغلوا التطبيق، ولكن تأثيرهم ظل مقتصراً على الجمهور المهتم بالغرف السياسية".

"الغرف التي يديرها لادينيون تحظى بدخول ما بين 800 و600 شخص في المتوسط لكل غرفة، وأعمارهم متنوعة، ومن الجنسين، ولكن الأغلبية للشباب من 18 إلى 30 سنة"

ويشير إلى أن "غرف الإلحاد" انتشرت بشكل كبير، كذلك هناك نشطاء "يثيرون موضوعات دينية غريبة على مجتمعنا"، بحسب وصفه.

ويشيد عبد الرحمن بأداء الجمهور "الخليجي" على "كلوب هاوس" إذ "كانوا مهذبين بشكل واضح"، مقارنة بكثرة الغرف المصرية التي سرعان ما تتحول إلى غرفة سباب وشتائم، "وهذا لا يعني أن المصريين ليسوا مهذبين" على حسب قوله.

ويرى عبد الرحمن أن هؤلاء، الذين يفسدون الغرف المصرية سوف يوضعون تدريجياً في القائمة السوداء، ولن يكون مسموحاً لهم بإفساد الغرف مع الوقت، بعدما يكتسب مديروها وجمهورها الخبرة الكافية.

أما الإعلامية والكاتبة رشا الشامي فترى أن الاختلاف الذي تميز به "كلوب هاوس"، ليس مناقشة الممنوعات، لأن "الغرف حينما تنتهي تختفي، ولا يبقى منها شيء، وهذا شجع الكثيرين على الكلام بحرية في مواضيع حساسة أمام الكثيرين".

كما أن فعل الكلام (الصوت) الذي يتيحه التطبيق أكسبه تميزاً واختلافاً، وتوضح الشامي لرصيف22: "التعبير بالصوت أسهل كثيراً من الكتابة لدى الأغلبية، وهذا ما أتاح الفرصة لرواده للتعبير عن أفكارهم بحرية".

"الصوت له سلطة"

"كلوب هاوس" هو تطبيق صوتي أمريكي لا يمكن الانضمام إليه إلا بدعوة، أو طلب انضمام يدعمه أحد المنضمين إلى المنصة. ويمكن لأعضائه الاستماع، أو المشاركة في محادثات مباشرة غير خاضعة لأي شكل من أشكال الرقابة أو الشروط، تجري في "غرف" رقمية. كان مقتصراً في السابق على أجهزة "آبل"، ليشمل معظم أنظمة التشغيل مؤخراً.

كانت الغرف الجنسية كثيرة.

وتؤكد الشامي التي انضمت للتطبيق منذ بداياته، أنه في الأشهر الأولى من عمره شهدت غرف تم تأسيسها لمجرد التعارف بلا هدف، وكانت الغرف الجنسية كثيرة، لكنها لم تحاول الدخول إليها، لذلك لا تستطيع أن تقيّم محتواها.

في بداية دخولها أنشأت الشامي غرفة تحت عنوان "أنت عامل إيه بجد"، التي كانت "بمثابة مساحة فضفضة حرة عن الذات، يتحدث من يشارك فيها عن مشاعره الحقيقة التي يعيشها بلا مواربة أو تهرب، وقد شهدت إقبالاً كبيراً من العرب والمصريين في كل مكان في العالم، لأفاجأ بتقليدها على نطاق واسع".

خرجت الشامي من تجربتها باستنتاج أن "المصريين لم ينجحوا في استغلال مواقع التواصل الاجتماعية كلها، وليس تطبيق الكلوب هاوس فقط". وأعادت النظر في احتمال التحقق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تقول: "فكرة التحقق كارثية، خصوصاً عبر الكلوب هاوس، الصوت له سلطة، ويوحي للبعض أنه تحقق من خلال غرفة يرتادها العشرات، دون النظر لاعتبارات عديدة، أهمها ما هو المحتوى الذي تقدمه، وهل أنت جدير بالفعل بتقديمه، وملم بجوانبه، وتمتلك صلاحيات الكلام فيه، هل أنت شخص قادر على تمييز المشاركين، وتحديد وقت كل مشارك بناءً على أهمية ما يقوله للمستمعين".

وعن تقييمها لأداء مديري الغرف، تقول: "للأسف أغلب مديري الغرف ليست لديهم الإمكانيات التي تؤهلهم لإدارة نقاش واع، وجاد، مهما اختلف موضوعه، الكل يعتمد على فكرة المساواة في الوقت بين المشاركين، دون اعتبار لأهمية الكلام أو تفاهته".

"أنا ملحد"

من بين الغرف المختلفة على الكلوب هاوس لفتت انتباهي غرفة تحمل عنوان "أنا ملحد"، تواصلت مع صاحبها الذي قرر أن يختار لنفسه اسماً مستعاراً هو "أحمس"، اعتزازاً بتاريخ مصر "الحقيقي قبل الاحتلال العربي الإسلامي"، بحسب تعبيره.

أحمس (24 عاماً) حاصل على بكالوريوس تجارة، سألته عن تجربته في طرح أفكاره عبر تطبيق "الكلوب هاوس"، وكيف كان تفاعل غيره من المصريين معها.

يقول لرصيف22: "مع بداية انتشار خدمة الإنترنت بشكل عام، ووسائل التواصل كانت هناك معارضة شديدة، لكن في هذه الأيام أصبح المهاجمون أقلية، والذين يتناقشون أكثرية".

ويضيف: "هناك لادينيون في شتى وسائل التواصل، وهم يؤثرون في مئات الآلاف بل الملايين من المصريين، وهدفنا جميعاً نشر فكرة تقبل الآخر، ونبذ الكره بسبب الهوية، وليس نشر فكر معيّن بحد ذاته".

ترى لينا أن الغرف السياسية في مصر كثيرة ومتنوعة، و"أكثر فاعلية وتنظيماً" مقارنة بالغرف الدينية، التي تشهد معارضة للمعارضة أو "هبداً للهبد"، أما غرف الإلحاد فتصفها بأنها "الأكثر وعياً في مناقشة الأمور"

يحاول أحمس الالتزام بـ"معايير الدليل الموضوعي السليم" في مواجهة ما يسميه "المسلمات الغيبية الخرافية"، وهو منفتح على النقاش مع جميع المختلفين معه في غرفته.

ولاحظ أحمس عبر مشاهداته في "كلوب هاوس" أن "الغرف التي يديرها لادينيون تحظى بدخول ما بين 800 و 600 شخص في المتوسط لكل غرفة، وأعمارهم متنوعة، ومن الجنسين، ولكن الأغلبية للشباب من 18 إلى 30 سنة".

"التواصل سهل"

تنشط لينا النابلسي، كاتبة ومستشارة سعادة معتمدة، كثيراً على تطبيق "كلوب هاوس"، وتتنقل بين العديد من الغرف الخاصة بالأدب، والعلاقات، تقول لرصيف22: "مناقشة التابوهات على الكلوب هاوس تختلف من شخص لآخر، فهناك من يأخذ الأمور بشكل جاد، ويناقش أموراً لم يعتد التطرق إليها بشكل أكثر انفتاحاً وبساطة، وشخص لا يعرف سوى التطاول والتقليل من شأن الآخر، لا لشيء سوى أنه يطرح فكراً مختلفاً".

"جعل التواصل بين السائل والمجيب سهلاً وسريعاً".

ما يميز التطبيق في نظر لينا أنه "جعل التواصل بين السائل والمجيب سهلاً وسريعاً، وهذا أيضاً ما جعل الكثير من الفئات تحقق استفادة مباشرة منه، خصوصاً في البورصة والبيزنس المالي، وهنالك الكثير من الأطباء الذين يشاركون في العديد من الغرف للإجابة عن أسئلة الجمهور، وقد حققوا شهرة ومكاسب بشكل غير مباشر".

وترى لينا أن الغرف السياسية كثيرة ومتنوعة، و"أكثر فاعلية وتنظيماً" مقارنة بالغرف الدينية، التي تشهد معارضة للمعارضة أو "هبداً للهبد" على حد تعبيرها.

أما غرف الإلحاد فتصفها بأنها "الأكثر وعياً في مناقشة الأمور".

وسام محمد، مهندس معماري مصري، صاحب مكتب استشارات هندسية في دبي، أسس على "الكلوب هاوس" نادياً أطلق عليه اسم "مسرح البالون"، يستضيف من خلاله المواهب الفنية المختلفة. وهو يرى أن تأثير "الكلوب هاوس" يتضح بشدة لدى الشباب الذين لا يملكون خلفية سياسية أو ثقافية أو حتى دينية قوية، كما أن أغلب الغرف تفتقر لـ"حالة التحاور المنظم، وهذا ما يجعل الحوار فيها لا يرقى للاستماع، وعلى الرغم من أن تلك النوعية هي الأغلبية البارزة فإن هذا لا ينفي وجود غرف تدار بشكل محترم وواع، نحقق من خلالها استفادة كبيرة".

ولا يزال من المكبر معرفة ما إذا كان تطبيق "كلوب هاوس" سيتضخم مثل أشقائه، الفيسبوك وتويتر، خاصة بعد أن أضاف بعضهم الميزات الصوتية ذاتها، ولكن من الأكيد أن مساحات التعبير في مصر قد تشهد نمواً واتساعاً، ومن يدري قد يصبح الحديث عن التابوهات أمراً مألوفاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard