"هل هو مجرد رفاهة؟"... لا بدّ من الاهتمام أكثر بقطاع الصحة النفسية في لبنان

الاثنين 15 نوفمبر 202102:49 م
في محاضرتي الأولى في اختصاص علم النفس، أذكر جيداً عندما بدأ المحاضر حديثه عن الصعوبات والضغوط التي تحيط بهذا المجال، واصفاً إياه بمهنة الصعوبات، وليس در الأموال والمكتسبات والشهرة، فهو مجال إنساني بحت، ويحتاج إلى أخلاق وصبر كبيرين، خصوصاً في البلدان التي تعيش ظروفاً غير إنسانية، وأقل حقوق المواطنين مهدورة فيها.

"لذا، يتوجب علينا أن نكون الجزء الداعم والمساعد لتخطي الأوقات الصعبة، وغالباً هي كثيرة جداً، وكذلك علينا أن نعتني بأنفسنا جيداً، وأن نقوم بـ‘صيانتها’ بين الفترة والأخرى، فأدوات عملنا هي نحن أنفسنا!"، أضاف المحاضر، وحينها ابتسمت، وتذكرت مرةً أخرى لماذا اخترت هذا المجال.

موارد غير كافية

تُقدَّر الميزانية المخصصة للصحة النفسية بنحو 2% من كامل ميزانيات الحكومات، في معظم البلدان، خاصةً الفقيرة منها، على الرغم من أن عائدات الاهتمام بهذا القطاع تُعدّ استثماراً مهماً في المديَين القريب والبعيد.

الاهتمام بقطاع الصحة النفسية في لبنان يشهد تطوراً واهتماماً متزايدين في السنوات العشر الأخيرة، على الرغم من السلبيات المحيطة به.

وفي لبنان، تتوفر ثمانية أجنحة للأمراض نفسية في المستشفيات العامة، تقدّم خدمات الصحة النفسية، حسب التقرير الذي نشرته وزارة الصحة عام 2015، أي ما يقارب 5.1 سريراً للصحة النفسية، لكل مئة ألف شخص، بالإضافة إلى ذلك، هناك خمسة مستشفيات للأمراض النفسية ناشطة في لبنان، توفر نحو 52.28 سريراً لكل مئة ألف شخص. أما عن الموارد البشرية، والتي نجدها في الصفوف الأمامية في حالات الطوارئ والأزمات، فتُقدَّر أعداد المتخصصين العاملين في منشآت الصحة النفسية والعيادات، بما يقارب 71 طبيباً، و193 اختصاصياً في علم النفس.

تشكل الصحة النفسية مشكلةً متصاعدةً من مشكلات الصحة العامة في لبنان، خاصةً في العامين الأخيرين، ونلاحظ قلة الدراسات والإحصاءات التي تتناول هذا الموضوع، لكن ليس من الصعب أن نلاحظ ازدياد نسبة الاكتئاب، والإقبال على تناول الأدوية النفسية على اختلافها، والصعوبات التي يعاني منها العاملون في هذا المجال. وفي المقابل، وعلى الرغم من الصعوبات كلها، يتطور العمل في هذا المجال نسبياً، عاماً بعد آخر، ويتحول شيئاً فشيئاً من أمر "مسكوت عنه"، إلى مفهوم لا بد من تناوله وعلاجه بالشكل الصحيح.

تطور مفهوم الصحة النفسية في لبنان

يخبرنا الدكتور في علم النفس العيادي، أنطوان الشرتوني، وكاتب قصص الأطفال: "صحيح أن هذه المهنة فيها الكثير من الضغوط، لكن عبر الخبرة والوقت نتأقلم معها، كما أن التدريب والمتابعة النفسية لممارسي المهنة مهمان لكي يستطيعوا تقديم المساعدة".

يكمل: "الكثير من اللبنانيين، وبسبب الأحوال السوداوية التي نمرّ بها، يستيقظون صباحاً ‘ما عندن خلق على شي’. يشعرون بالتعب الجسدي والنفسي، من دون القدرة على إنهاء مهامهم. هذا كله يُسمّى بالانحطاط النفسي الذي يشعر به الجميع، الكبير والصغير، ويمكن أن تستمر أعراضه أشهراً، وصولاً إلى سنوات عدة، حتى يتحوّل إلى اكتئاب، إذا لم يعالج. نلاحظ أيضاً اضطرابات النوم، وتقطعه، وترافقه مع كوابيس مزعجة، وجميعها تؤدي إلى التعب الجسدي".

يضيف الشرتوني أن الإحصاءات المتعلقة بالصحة النفسية في لبنان، لا تزال حتى اليوم ضعيفةً، ودون المستوى المطلوب، كما أن الموارد الضرورية للعناية بالصحة النفسية قليلة، إلا أن الاهتمام بهذا القطاع، وفق رأيه، يشهد تطوراً واهتماماً متزايدين في السنوات العشر الأخيرة، على الرغم من السلبيات المحيطة به.

"كانت حصيلة الاتصالات على الخط الساخن عام 2019، ما يقارب 2240 اتصالاً، لترتفع إلى أكثر من 6،100 اتصال عام 2020، نتيجة الأحداث المتتالية، وهي الثورة اللبنانية، وجائحة كورونا، وتأزم الوضع الاقتصادي، ثم انفجار المرفأ الذي شكّل حدثاً صادماً وضاغطاً"

"لأن الحكي بطوّل العمر"

في حديث رصيف22، مع مديرة التواصل والعلاقات العامة في جمعية "إمبريس Embrace"، هبة دندشلي، تخبرنا عن أهداف الجمعية، وأولها تسليط الضوء على مفهوم الصحة النفسية، وأهميتها، وتطبيقها كجزء من خدماتها، بالتعاون مع الدولة اللبنانية، وذلك عبر مشاركتها مع البرنامج الوطني للصحة النفسية، وإتاحة الخط الساخن "1546" الذي يستقبل الاتصالات على مدار الساعة.

"كانت حصيلة الاتصالات عام 2019، ما يقارب 2240 اتصالاً، لترتفع إلى أكثر من 6،100 اتصال عام 2020، نتيجة الأحداث المتتالية، وهي الثورة اللبنانية، وجائحة كورونا، وتأزم الوضع الاقتصادي، ثم انفجار المرفأ الذي شكّل حدثاً صادماً وضاغطاً"، تقول المتحدثة، في ما يشي بتدهور الصحة النفسية في لبنان، وفي الوقت نفسه في ازدياد الوعي حول أهمية العناية بها.

أما في العام الحالي، فأعداد المتصلين في ازدياد مستمر، وفق دندشلي، ووصلت حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر إلى 7،498 اتصالاً، وهو الأعلى بين السنوات كلها، والنسبة الأكبر لمن يعانون من اضطرابات عاطفية، والجزء الآخر لديه أفكار انتحارية، مما يستدعي التدخل بأسرع وقت، لإنقاذ حياتهم، خاصةً مع ارتفاع حالات الانتحار في العام الحالي.

وتشير الإحصاءات كما تقول المتحدثة، إلى أن بيروت تضم أكبر عدد من المتصلين، "لذلك نسعى إلى نشر الثقافة والرعاية النفسية في أكبر عدد من المناطق، وخصوصاً النائية منها، كما نقدّم العلاج النفسي المجاني في ظل ارتفاع أسعار الجلسات العيادية، وعدم قدرة اللبنانيين/ ات على تحمّل كلفاتها".

والجدير ذكره، وفق حديث دندشلي، أن الضمان الاجتماعي لا يغطّي كلفة العلاج النفسي، مما يحرم العديدين من الوصول إليه، "لذلك فإن وجود القوانين والتشريعات التي تضمن الوصول إلى الصحة النفسية كأي خدمة أخرى، ينقذ أرواحاً كثيرةً لا تملك ترف العلاج والمساعدة النفسية، خصوصاً أننا شبه تحررنا من الوصم الاجتماعي المتعلق بالاضطرابات النفسية، إلا أن الوضع الاقتصادي لا يزال عائقاً أمام كثيرين".

الضمان الاجتماعي في لبنان لا يغطّي كلفة العلاج النفسي، مما يحرم العديدين من الوصول إليه.

برنامج وطني شامل: متى التطبيق؟

أما على الصعيد الرسمي، فهناك تطور في ما يخصّ الصحة النفسية في لبنان، ففي العام 2014، قررت وزارة الصحة العامة أن تكون لها رؤية بعيدة المدى للصحة النفسية، فأطلقت البرنامج الوطني للصحة النفسية، بإدارة الدكتور ربيع الشماعي، وبدعمٍ من منظمة الصحة العالمية، والهيئة الطبية الدولية، واليونيسيف.

بعد مرور عام، وُضعت أول إستراتيجية وطنية للصحة النفسية في لبنان، وهي تهدف إلى تقديم أفضل ما يمكن من ناحية الصحة النفسية للبنانيين، وللمقيمين على أراضيه كافة، وكانت عملية تطوير هذه الإستراتيجية تشاركيةً، شملت الجهات الفاعلة جميعها في الصحة النفسية، والدعم النفسي والاجتماعي.

بعد تواصلنا مع القائمين على البرنامج الوطني للصحة النفسية، أشاروا إلى أنه يمكن تعريف الخطة ضمن خمسة مجالات.

الأول مخصص للقيادة والحوكمة، ومن النشاطات ضمن هذا المجال تغيير القوانين، وتم إقرار قانون ينظّم مهنة المعالجين النفسيين، وتقديم ثلاثة قوانين تناقَش حالياً في البرلمان، لكن الأزمة السياسية في لبنان أوقفت الأمر. وهذه القوانين هي قانون الصحة النفسية الذي يسعى إلى تنظيم الصحة النفسية بما يتماشى مع حقوق الإنسان، وإلى إنشاء دائرة للصحة النفسية في وزارة الصحة، وإلى توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات النفسية. وقانون إلغاء تجريم استخدام المواد المسببة للإدمان، وقانون تأسيس نقابة حصرية بأخصائيي الصحة النفسية، والمعالجين النفسيين، المجازين من قبل الوزارة.

ويتمحور المجال الثاني حول توسيع نطاق الخدمات الصحة النفسية، بحيث يتمكن اللبنانيون/ ات من الوصول إليها أينما كانوا. والمجال الثالث مخصص للوقاية، وتعزيز الصحة النفسية، بإطلاق مبادرات من أهمها "خط الحياة". والمجال الرابع أساسه تطوير نظام المعلومات الصحية والبحوث، وتوسيع نطاق التدخلات النفسية القائمة على الأدلة العملية.

من بين المشاريع المقدَّمة في هذا السياق، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تطبيق "خطوة خطوة" المجاني، المعتمد على تدخلات علمية أثبتت فعاليتها في معالجة الاكتئاب ضمن السياق اللبناني. من خلال هذا التطبيق، يمكن للشخص استخدام تقنيات المساعدة الذاتية، وإتمام مكالمة أو محادثة أسبوعية مع أخصائي/ ة نفسي/ ة.

أخيراً، يهدف المجال الخامس إلى العمل مع 13 مجموعةً مستضعَفةً، ومعرّضةً أكثر للاضطرابات النفسية بسبب الظروف الصعبة التي تمرّ بها، ومنها عاملات المنازل، والأشخاص ذوو الإعاقة، أو الذين يعانون من ظروف صحية معينة، واللاجئون، وأعضاء مجتمع الميم.

من المشاريع التي يقدمها البرنامج الوطني للصحة النفسية، تطبيق "خطوة خطوة"، المعتمد على تدخلات علمية أثبتت فعاليتها في معالجة الاكتئاب ضمن السياق اللبناني. من خلاله، يمكن استخدام تقنيات المساعدة الذاتية، وإتمام مكالمة أو محادثة أسبوعية مع أخصائي/ ة نفسي/ ة

ومع أهمية هذه المحاور كلها، يبقى الأهم التطبيق الفعّال على الأرض، عن طريق فرض الرقابة على المهنة، وسنّ القوانين، وتطبيقها، ومتابعتها، وتطويرها، وإلغاء كلفة العلاجات النفسية، وتخصيص ميزانية أكبر للرعاية النفسية.

خبرة متزايدة

"نملك اليوم خبرة سبع سنوات في العمل النفسي، نتيجة عملنا على الأرض، وقربنا من الناس المستفيدين من خدماتنا، مما ساعدنا على أخذ ملاحظات ومعرفة كافية"، تقول المتخصصة في علم النفس، ومؤسسة مركز "نفسانيون"، هبة خليفة.

تشير خليفة إلى أن مفهوم الصحة النفسية في لبنان، تطوّر منذ عشر سنوات حتى اليوم، وبرز دوره خلال الأزمات المتتالية، بدايةً مع وباء كورونا الذي كان حدثاً جديداً وصادماً، وسبباً للفت انتباه الأشخاص إلى وضعهم النفسي.

ولمبادرات المجتمع المدني، والجمعيات الخاصة، وفق حديث الخبيرة، دور كبير في نشر الثقافة النفسية، وتقديم المساعدة، على الرغم من الظروف السيئة، ومحدودية الموارد أحياناً، فهناك جمعيات وأشخاص يبذلون مجهوداً شخصياً بسبب حرصهم على القطاع النفسي، في ظل عدم كفاية الجهود الحكومية في هذا الصدد. "أكبر مثال هو عدم وجود نقابة وقوانين تنظّم هذه المهنة حتى الآن. صحيح أنه في عام 2017 صدر القانون رقم 8 في هذا الخصوص، إلا أنه غير كافٍ، فهو بحاجة إلى تعديلات كثيرة، وعلى الرغم من لفت انتباه الدولة إلى وجوب تعديل هذا القانون، إلا أنها تعد، ولا تفي".

هذا العام فاق عدد المترشحين لاختصاص علم النفس 2،600 طالب/ ة، بعد أن كان شبه غائب عن تفضيلات الطلاب بسبب الوصم المحيط به.

أما عن الرقابة، فهناك حاجة ماسة إليها، كما تقول خليفة، "خصوصاً أن المبادرات في هذا القطاع، والاهتمام به، في ازدياد مستمر، فهذا العام فاق عدد المترشحين لاختصاص علم النفس 2،600 طالب/ ة، مما يبيّن مدى أهميته، بعد أن كان شبه غائب عن تفضيلات الطلاب واهتماماتهم بسبب الوصم المحيط به سابقاً، كما أن هناك مجموعة تحديات تواجه من يرغبون في دراسته في المرحلة الجامعية، ومنها التحديات المادية، والمراقبة، والتنظيم، وافتقاد لبنان للمكوّنات الأساسية للراغبين في خوض هذا المجال من العمل".

تعود المتحدثة للسلطة، وتشدد على الغياب التام للدولة برأيها، على الرغم من حاجة الكثيرين إلى المساعدة النفسية، إلا أنهم لا يستطيعون تحمّل كلفاتها الباهظة، إذ إن الضمان لا يغطّي كلفات العلاج النفسي.

"كما أن الصحة الجسدية مهمة، فالصحة النفسية أهم، وهي اليوم لا زالت إلى حد كبير رفاهة لا يملك الجميع ثمنها. قطاع الصحة النفسية هو من أهم القطاعات الفعالة، ويبقى على الدولة أن تعيره انتباهها، خاصةً أنه أصبح يؤثّر، ويلعب دوراً مهماً في الحركة الاقتصادية."

هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard