"علقت في الليمبو"... اللبنانيون بين العطب النفسي والتروما المستمرة

الخميس 16 سبتمبر 202106:03 م

تشكّلت الحكومة والتقطت الصورة التذكارية ولم يعن لنا نحن اللبنانيين هذا الأمر شيئاً. لم نشعر أن التغيير حلّ علينا أو أن الحال ما بعد الحكومة سيكون أفضل. فالفراغ الكبير الذي لا يمكن تعبئته مستمر، والأضرار الحاصلة حتى اللحظة لا يمكن تحمّلها .

إذا ما أردنا أن نحكي عن أهم الأضرار التي نعانيها، لن نذكر المحروقات أو الغلاء المعيشي ولا الظلمة المسيطرة علينا. فالضرر الحقيقي تجذّر بداخلنا وهو نفسي، والعطب الذي سبّبه أضخم من اليوميات الصعبة والذل المرافق لها، وهذا لا ينفي أن العلاقة بينهما تبادلية.

الواقع يقول إنّنا نعيش في بلد منهار من كافّة النواحي، ويتوجّب علينا التأقلم بهدف أن نحيا ونستمر. وذلك عبر امتصاص العوائق اليومية والحفاظ قدر الإمكان على صحّة عقولنا. والواقع يقول أيَضاً إن جهازنا العصبي غير مؤهّل لتحمّل كل هذه الصدمات أو مجاراة الأحداث المتسارعة. وعليه من الناحية الإنسانية يمكننا القول إن الانهيار الحالي في لبنان صعب. صعب جداً.

البشر حين يحل الوجع عليهم ينسون قدراتهم، والاستذكار يعيد ترميم الجرح. ولذلك من الضروري أن يتذكّر كل فرد نفسه ما قبل الصدمة

بحسب منظّمة الصحة العالمية، ينتحر كل عام أكثر من 70 ألف شخص .77 بالمئة من هذه الحالات تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

منذ ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، شهد لبنان ارتفاعاً بمعدل الانتحار. وبحسب أرقام جمعية “امبريس” للصحّة النفسية، ارتفع عدد الاتصالات الواردة لطلب المساعدة والاستشارات من 700 خلال نيسان/ أبريل إلى 1030 اتصالاً خلال أيار/ مايو، 550 من المتصلين تراوح أعمارهم بين الـ18 والـ25. وبحسب تقرير الأمم المتّحدة ارتفع مستوى الفقر الحاد في لبنان من 8 بالمئة عام 2019 إلى 23 بالمئة عام 2020.

تؤكّد الدراسات الاجتماعية، وتحديداً الدراسات التي أجراها عالم الاجتماع إميل دوركايم، أن مستوى الانتحار في بلد ما يرتفع حين تنهار الروابط في داخله، وبالتالي يمكن أن يحدث الانتحار بسبب عوامل اجتماعية وليس بسبب عوامل فردية فحسب.

تشرح المعالجة النفسية دارين صالح حوماني لرصيف22 التأثيرات التي يشهدها المجتمع اللبناني، تقول: “تسيطر عدّة نقاط نفسية على الفترة التي نعيشها، منها الإحباط والاكتئاب والأفكار السوداء، بالإضافة إلى الخمول الجسدي والنفسي. هذه النتائج النفسية لم تحصل بسبب الانهيار الاقتصادي مباشرة بل هي نتيجة تراكمات بدأت منذ العام 2019 وتحديداً منذ ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر”.

"علقت في الليمبو"

من شقتها الواقعة في دبي والتي انتقلت إليها قبل ستة أشهر، تشرح لمياء (25 عاماً) مسار حياتها في السنوات الأخيرة في لبنان، وتؤكّد أنها لم تدرك حجم الإحباط الذي سيطر عليها إلا حين انتقلت إلى أرض جديدة.

في الصفوف الأمامية وقفت لمياء عام 2019 وواجهت المنظومة، حينذاك لم ترد سوى أن تحظى بحياة أفضل، حياة يستحقها كل إنسان. اليوم لمياء، بحسب تعبيرها، أجبرت على الرحيل كي تحافظ على صحتها النفسية. تقول: “بعد الحجر الصحي، حين سعيت للعودة إلى العالم الخارجي لم أجده. علقت في الليمبو لمدّة عام كامل. أنا التي أحبّ الحياة وجدت نفسي بلا وظيفة وبلا أمل ولم أملك أي وسيلة لتغيير الواقع، فشعرت أن لا فائدة من البقاء على هذه الأرض. مضحك هذا الأمر لأنني حين رحلت عن لبنان عادت رغبتي بالحياة. وهكذا استنتجت أن الأفكار السوداء التي راودتني كانت نتيجة بلد محبط وليس لأنني أريد أن أموت”.

في النهاية تقبّلت لمياء أن الجيل الذي تنتمي إليه لن يشهد التغييرات الجذرية التي حلمت بها، وبالتالي رحلت عن أهلها وعن أرضها، وقرّرت أن تكون وحيدة في بلاد لا تعرف فيها أحداً كي تعيش حياة طبيعية تمكّنها من مساعدة "هؤلاء الذين بقوا هنا”.

حين رحلت عن لبنان عادت رغبتي بالحياة. وهكذا استنتجت أن الأفكار السوداء التي راودتني كانت نتيجة بلد محبط وليس لأنني أريد أن أموت

تضيف حوماني أن الناس يعيشون ضمن إطار المفاجآت، 17 تشرين كانت مفاجأة سارّة حملت توقّعات بالتغيير رصدها الناس بهدف التوجّه نحو مسار إيجابي. سُحقت هذه التطلعات وجاء الواقع مختلفاً كلياً عن مخيلة الشعب اللبناني وهنا كانت الصدمة. فشل الانتفاضة أدّى إلى خلق إحباط من ناحية عدم حدوث تطوّر معيشي أو ثقافي أو عدم انفتاح لبنان على بلدان أخرى، وبالتالي عدم وجود تغيير من شأنه أن يكون من مصلحة الشعب.

كورونا وسيطرة الموت

قبل سنة، فقد علي حمّو والده إثر إصابته بفيروس كورونا. خمسة أيام في المستشفى كانت فترة علاجه ومن بعدها تعرّض علي للصدمة الأكبر في حياته.

يقول علي إنه منذ اللحظة الأولى علم أن والده لن يخرج من المستشفى وإنه سيفقده قريباً، وبالتالي بدأ يعيش مرحلة الفراق منذ أن كان والده لا يزال على قيد الحياة، ويشرح: “صدمتي الأولى حدثت في الساحات حين أدركت أن لا خلاص أمامنا وأن حياتنا في لبنان في تدهور سريع. الصدمة الثانية والأصعب كانت حين خسرت والدي. بعد مرور عام على وفاته لم أخض مرحلة الحداد كما يجب لأن البلد يمنعني من التعبير عن حزني. لو كنت في بلد آخر، يخلو من القلق اليومي والمسؤوليات المتتالية لربما كان سيكون الوضع مختلفاً. لا أعرف إن كنت مكتئباً أم لا، ما أعرفه هو أنه يتوجّب عليّ الصمود يومياً فقط لا غير. وربّما لاحقاً، لا أدري حين يعود الوضع الخاص ليكون أهم من الوضع العام، سيُسمح لي أن أعبّر عن ذاتي وعن العطب النفسي بداخلي”.

الحياة في لبنان خسارات متتالية، من خسارة التطلعات والأمان والصحّة والأشخاص الذين نحبّهم وصولاً إلى المكوّنات الأساسية التي تشعرنا بالراحة، ممّا يجبر الشخص على طرح سؤال: “شو بعد في إخسره؟”

ترى المعالجة حوماني أنّه مع تفشي وباء كورونا وخسارة الناس لأحبائّهم والخوف المستمر من الإصابة تمّ ترسيخ وجود فكرة الموت بدلاً من فكرة الحياة، ممّا شكّل صدمات أخرى لدى الناس. ذلك بالإضافة إلى صدمة انفجار مرفأ بيروت التي فجّرت غضب الناس وقلقهم، وتداعياتها التي نشهدها حتّى اللحظة سرّعت بتوجيه مشاعر الكره والحقد مباشرة نحو الدولة. هذه المشاعر بحسب حوماني ليست مرتبطة مباشرة بالأفكار الانتحارية، بل بموجة الهجرة أو الهرب من الحكومة ومن البلاد.

وتؤكّد حوماني أن هذا المزيج من الصدمات، بالإضافة إلى الانهيار الاقتصادي، حوّل الحياة في لبنان إلى خسارات متتالية، من خسارة التطلعات والأمان والصحّة والأشخاص الذين نحبّهم وصولاً إلى المكوّنات الأساسية التي تشعرنا بالراحة، ممّا يجبر الشخص على طرح سؤال: “شو بعد في إخسره؟”.

النجاة من الانفجار والموت في الانهيار

نجا جوزيف (32 عاماً) من منزله في منطقة الجميزة الذي دمّره الانفجار كلياً، لكنه لم يتمكّن من النجاة من الانهيار الاقتصادي، ففقد قيمة راتبه وطموحه ومستقبله وأصبح شبه عاطل عن العمل.

لجوزيف صديق حاول أن ينتحر قبل مدّة إلا أنه طلب مساعدته في اللحظات الأخيرة، وعن هذه الحادثة يقول: “لقد فهمته، صديقي فقد منزله، عمله وأمواله علقت في المصرف، وحين حاول السفر إلى الخارج تلقّى ردوداً برواتب قليلة جداً فقط لأنه لبناني ويعيش في بلد تلاشت فيه قيمة العملة. أشارك هذه التفاصيل لأنني أنا نفسي وصلت لمرحلة سوداء جداً قبل فترة، وشعرت أنني خسرت كل شيء، وبالتالي لا قيمة لبقائي على قيد الحياة. ولكن بسبب المسؤوليات المترتبة عليّ حين سيطر الإحباط على كل جوانب حياتي لجأت إلى العلاج النفسي”.

الأزمات لا تستمر، والانهيار ليس أبدياً. وجزء كبير من الصدمة سببه أن جهازنا العصبي لم يعد يذكر من نحن

تقسمّ حوماني المراحل العمرية وتردداتها النفسية في ظل الوضع القائم إلى ثلاثة أقسام:

-المراهقون والشباب الذين تراوح أعمارهم بين 12 و 27 عاماً، والذين تسيطر عليهم الأفكار السوداء، وهم الفئة العمرية الأكثر عرضة لتحوّل هذه الأفكار إلى أفكار انتحارية يتم تنفيذها في بعض الحالات.

-الأطفال وصولاً إلى عمر 11 سنة، تتملّكهم أفكار سلبية، قلق وخوف وتوتر وانعدام الرؤية الواضحة للمستقبل.

-أما الفئة العمرية ما فوق 27 عاماً فتسيطر عليها الأفكار الاكتئابية الناتجة عن الضغوط المادية.

وتضيف أن سبل الوقاية من الإحباط العام هي عبر عدم التوقّف عن الحركة الفكرية والجسدية، وتحدّي الخمول الذي أصاب أغلب الناس، والخروج من المجموعات التي لا تتحدّث سوى عن الانهيار والتفاصيل السلبية، بالإضافة إلى الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي قدر الإمكان ومحاولة خلق دوائر صغيرة فعّالة. وهذه الطرق بحسب رأيها لا تلغي الواقع الصعب لكنها وسائل صغيرة لمحاربته.

 الأفراد الذين راكمت الحياة لديهم الكثير من الصدمات والذين تحدّوا طفولتهم ومراهقتهم بهدف تحقيق أنفسهم، فُرض عليهم اليوم أن يتحدوا بلداً بأكمله لكي يأكلوا وجبة واحدة

خلال الشهر الماضي أقدم شابّان على الانتحار تاركين خلفهما الكثير من الأجوبة لدى أصدقائهما والمرتبطة بالوضع العام. في السنوات السابقة أيضاً حدثت حالات انتحار مرتبطة مباشرة بالوضع الاقتصادي وذلك عبر حرق الأفراد لأجسادهم في الأماكن العامة، كوسيلة أخيرة للتعبير عن اعتراضهم على الوضع القائم، والذي على الرغم من أنه يطال الجميع فهو في صلبه شخصي.

يقول جوزيف إن الأفراد الذين راكمت الحياة لديهم الكثير من الصدمات والذين تحدّوا طفولتهم ومراهقتهم بهدف تحقيق أنفسهم، فُرض عليهم اليوم أن يتحدوا بلداً بأكمله لكي يأكلوا وجبة واحدة، وهذا الذل المستمر يؤدّي إلى العجز وإلى فقدان الرغبة بالحياة، تحديداً لأننا لم نعد نعرف ما هي الحياة الطبيعية.

وعن هذه الفكرة، تقول حوماني: “الصدمات مستمرة حتى اليوم، ولم ندخل بعد مرحلة ما بعد الصدمة، ولذلك على الصعيد التحليلي لا نعلم ماذا سيحدث في المستقبل، لكنّنا بالتأكيد سنشهد أوجاعاً كثيرة. ما يهم حالياً، هو إدراك الناس أن الأزمات لا تستمر، وأن الانهيار ليس أبدياً. والأهم من كل شيء هو أن جزءاً كبيراً من الصدمة سببه أن جهازنا العصبي لم يعد يذكر من نحن، أو ما كنّا عليه في السابق، ولذلك من الضروري أن يتمكّن الأفراد من استرجاع قيمة الذات ما قبل موجة الصدمات المتتالية. فالبشر حين يحل الوجع عليهم ينسون قدراتهم، والاستذكار يعيد ترميم الجرح. ولذلك من الضروري أن يتذكّر كل فرد نفسه ما قبل الصدمة كي يعود ويدرك إمكانياته بهدف أن يرمّم جزءاً جديداً من حياته”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard