ليس من الأولويات... من يقدّم الدعم النفسي للسوريين ذوي الإعاقة في لبنان؟

الأحد 31 أكتوبر 202103:32 م

"راحة البال"... كلمتان ما تزالان عالقتَين في ذاكرتي، كلما خطر لي سؤال عن أسمى حاجاتي في الحياة.

سمعتهما يوماً من جدّي، في أثناء حديث مع طفل صغيرٍ كثير الأسئلة، وهو يجيب عليها بكل رحابة صدر، وابتسامة معهودة. "ما في شي أغلى من راحة البال"، هي النصيحة التي ختم بها حديثاً طويلاً من الأسئلة الفضولية.

منذ ذلك الحين، أردد هذه الإجابة في ذهني، كلما واجهت ظرفاً صعباً. فالفكرة، على بساطتها باللغة المحكية، إلا أنها فعلاً قد تكون أحد أسمى الأهداف التي نسعى جميعاً لبلوغها، في ظل الأزمات، والحروب المتلاحقة التي نعيشها، وبشتى الوسائل، للحفاظ على ما يُعرف اصطلاحاً بـ"الصحة النفسية".

قد لا تكون هذه الحاجة جوهريةً عند الجميع، إذا ما نظرنا إليها من منظار العموم، ولكنها تبدو أهم في ميزان الضروريات التي لا غنى عنها، حين يتعلق الأمر بأشخاص عالقين في تبعات الحرب، كما هو الحال مع اللاجئين السوريين، وعلى رأسهم الأشخاص ذوو الإعاقة، إذ تصير مسألة التعامل مع مقتضيات الحياة، بحاجة إلى دعم وحلول عميقة تتجاوز حدود المسائل التقنية المرتبطة بالإغاثة والخدمات.

جلّ تركيز المنظمات الإنسانية والجمعيات المحلية، منصبٌّ على الجوانب الإغاثية والخدماتية، فيما تعاني الغالبية العظمى من ذوي الإعاقة، من تهميش كبير.

أبو محمد، يدرك حقيقة الفكرة، لا بل عاشها وتأقلم معها بشكل يومي منذ سنوات.

في الشهر الأخير من عام 2012، تبدلت حياته رأساً على عقب. قذيفة صاروخية سقطت في منزله الكائن في مدينة المعضمية، في ريف دمشق، خلّفت أضراراً ماديةً كبيرة في المكان. كُتبت النجاة للأسرة المكوّنة من خمسة أشخاص بأعجوبة، فيما دفع الأب الثمن من جسده، إذ تناثرت الشظايا في عموم الغرفة مسببةً له جروحاً عميقة، عجزت عن علاجها الإمكانات الطبية المتواضعة في محيط منطقته حينها، والنتيجة: إعاقة حركية بنسبة 50% في كلتي يديه.

بعدها بعامين، غادر الفلاح الثلاثيني مع أسرته نحو لبنان، حيث استقر بهم المطاف في أحد مخيمات اللاجئين شمالاً، وصار ملزماً بالتعامل مع متغيّرات لم يحسب لها حساباً من قبل، إذ فجأةً صار الشخص المعافى قبلاً، محسوباً على فئة الأشخاص ذوي الإعاقة.

في انتظار "الفرج"

"عايش بلطف الله وستره"... يقولها أبو محمد بثقة، فمسألة التعافي النفسي من آثار الإصابة، صارت اليوم من الماضي بالنسبة إليه، غير أنه لا ينفي صعوبة الأوضاع المعيشية التي يعيشها مع أسرته.

فجأةً، صارت الخيمة مسكنهم الدائم، ولا فرصة له في إيجاد أي عمل، نظراً لوضعه الصحي؛ لذا صار اعتماده الكلي، طوال السنوات الماضية، على عمل زوجته، ومساعدات الأمم المتحدة المتقطعة، والتي "لم تراعِ في معظم الأحيان وضعه الخاص"، حسب قوله.

تشير تقديرات صادرة عن منظمات إغاثية، إلى أن لاجئاً واحداً من كل خمسة لاجئين سوريين، يعاني من إعاقة جسدية، أو حسّية، أو فكرية، وهم يواجهون عقبات كثيرة في سبيل الحصول على الدعم، أو فرص العمل الملائمة.

لكن بالنسبة إلى أبي محمد، فقد نجح في لعب دور إيجابي، على الرغم من الصعوبات كلها، إذ لا يكل ولا يمل من البحث باستمرار عن أي فرصة؛ من التطوع في المجال الإغاثي، وصولاً إلى دورات المحاسبة، وحتى التصوير الفوتوغرافي، على الرغم من بعدها عن مجال عمله الأساسي، "لعلَّ وعسى يكون فيها مفتاح باب الفرج الذي انتظرته طويلاً"، يبرر أبو محمد.

على مدار سنوات، أثمرت هذه الجهود في إكسابه خبرةً جيدةً ساعدته على الاندماج بشكل أفضل مع المحيط، وأثمرت لاحقاً في توظيفها لدعم بقية اللاجئين من الأشخاص ذوي الإعاقة في مخيمه، والمخيمات المجاورة، إلا أن دوره ظلَّ محصوراً في دائرة المخيم.

تهميش كبير

مساحةٌ ضيقة جغرافياً، إلا أن فيها من رحابة السعي إلى الحياة، ما لا يمكن اختصاره بحدود، وإن عجز البعض عن مغادرته، فقد كُتبت الفرصة لآخرين بالمضي قدماً، كما حصل مع غفران. وهي الأخرى سورية نزحت في العام 2013 نحو لبنان، مع عائلتها، هرباً من الحرب، غير أنها وُفِّقت في إيجاد مسكن للإيجار خارج المخيم.

عانت غفران في طفولتها من مرض يُصطلَح طبياً على تسميته بـ"القيلة السحائية"، وهو عبارة عن شق مفتوح في العمود الفقري، يحصل عندما لا تكون عملية إغلاق العمود الفقري، والنخاع الشوكي، سليمةً، ما تسبب لها بصعوبات حركية في قدميها.

ست عمليات جراحية، خضعت لها ابنة الـ22 ربيعاً، لم تفلح جميعها في علاج المرض، إذ أقصى ما يمكن تمنيه من هذا الإجراء، حسب غفران، هو تخفيف تأثير العوارض، ولذا لا مناص لديها من الاعتماد على العكازين في التنقل والحركة.

نجح أبو محمد في لعب دور إيجابي، على الرغم من الصعوبات كلها، إذ لا يكل ولا يمل من البحث باستمرار عن أي فرصة؛ من التطوع في المجال الإغاثي، وصولاً إلى دورات المحاسبة، وحتى التصوير الفوتوغرافي، "لعلَّ وعسى يكون فيها مفتاح باب الفرج الذي انتظرته طويلاً"

ترفض غفران فكرة حاجتها إلى الدعم النفسي، فهي كما تقول الأقدر على تقدير حاجاتها ومشاعرها، "الإنسان إذا امتلك القناعة بهالشي، والثقة بحاله، رح يكون الوحيد القادر يعين حاله، لأنه بيعرف تماماً شو بده"، تقول، بالثقة ذاتها التي لمستها عند أبي محمد، لا بل أزود. ولربما يعود السبب من وجهة نظرها إلى اعتمادها الكبير على نفسها في مراحل مبكرة، ما ساهم في تكوين شخصيتها، ناهيك عن عدم توفر أي دعم من هذا النوع في محيطها، تضيف غفران، فجلّ تركيز المنظمات الإنسانية، والجمعيات المحلية، منصبٌّ على الجوانب الإغاثية والخدماتية، فيما تعاني الغالبية العظمى من ذوي الإعاقة، من تهميش كبير، إلا من أسعفه الحظ بالحصول على دعم محدود، أو خدمة معينة، مقرونة عادة بزمن محدد، تختفي بعده الجهات المانحة بلا رجعة.

لم توفَّق هي الأخرى في إيجاد فرصة عمل مناسبة تعينها إلى جانب دراستها الجامعية في مجال إدارة الأعمال، إذ لطالما كان وضعها الخاص بالمرصاد لكل محاولة، ما يجبرها دوماً على البحث عن فرص تتلاءم مع حركتها، وهو أمر صعب، إذ سبق لها أن حظيت بفرصة للعمل في وظيفة مكتبية تناسب كفاءتها ومهاراتها، غير أنها صُدمت باعتذار صاحب العمل منها، عقب اللقاء الأول، بزعم عدم ملاءمتها للمنصب المطلوب، على الرغم من أنها حصلت على موافقة مسبقة قبل الحضور لتسلم العمل.

"الإيد قصيرة والعين بصيرة"

تتولى المنظمات غير الحكومية الدولية، عادةً، في لبنان، مهمة تقديم معظم خدمات الصحة النفسية، والدعم النفسي والاجتماعي، بالتنسيق مع منظمات غير حكومية محلية، ومراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة لوزارة الصحة العامة، ووزارة الشؤون الاجتماعية. ويواجه عملها في هذا الإطار مصاعب مرتبطة بغياب التنسيق الجماعي، والقدرة على تنفيذ البرامج المرسومة بما يتناسب مع الاحتياجات الحقيقية للأشخاص ذوي الإعاقة بين اللاجئين، يضاف إلى ذلك غياب أي سياسة وطنية للصحة النفسية من شأنها دعم هذه الجهود، ودمجها معاً.

يصطدم الباحث في قضية دعم الأشخاص ذوي الإعاقة من اللاجئين، بندرة الدراسات والأبحاث المتعلقة بتقييم احتياجاتهم، إذ غالباً ما تشير معظم برامج المنظمات الدولية والمحلية إلى تخصيص مقاعد محددة للأشخاص ذوي الإعاقة ضمن برامجها الخدماتية، غير أن هذا الكلام يظل حبراً على ورق، بعد مقارنة المخرجات النهائية للمشاريع، مع التغيّر الحاصل في حياتهم، إذ غالباً ما تفشل هذه البرامج في الوصول إليهم، وفي حال وصلت، تصطدم بعدم كفاية التجهيزات لديها، لتهيئة الظروف المناسبة لاستفادتهم من الخدمات المقدمة، وفي أبسط التفاصيل، كصعوبة التنقل، والحركة من مراكز الخدمات وإليها، وتالياً تلجأ معظم المؤسسات إلى دمجهم ضمن برامجها الأساسية لدعم اللاجئين، بحيث تخصص لهم مقاعد محددة ضمن قوائم المستفيدين من خدماتها.

جمعية "مساواة"، واحدة من المؤسسات القليلة المتخصصة في دعم ذوي الإعاقة في لبنان وتأهيلهم، وتقدّم خدماتها أيضاً للاجئين السوريين.

تمتلك الجمعية مراكز عدة في مناطق متفرقة في لبنان، من عرسال شمالاً، وصولاً إلى صور في الجنوب، وتختص هذه المراكز بتقديم الخدمات الطبية، والدعم النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى التأهيل والمتابعة للأشخاص ذوي الإعاقة، وصولاً إلى تقديم الأطراف الصناعية والمعينات الحركية لمُصابي الحرب.

صبحي عفيفي، وهو مدير البرامج في جمعية "مساواة"، أشار في حديثه لرصيف22، إلى أن الجمعية "قدّمت خلال العامين الماضيين خدماتها لألفين ولاجئ سوري، و6146 فلسطينياً من ذوي الإعاقة، من مجموع الأشخاص المستفيدين من خدماتها"، وهو رقم جيد مقارنةً بالسنوات الماضية، في ظل نقص الدعم والتمويل المخصصَين لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، سواء من اللاجئين، أو من أقرانهم من اللبنانيين.

الشواغل الأساسية لدى معظم اللاجئين السوريين ذات طابع اجتماعي واقتصادي، بدلاً من أن تكون ذات صلة بالأحداث المؤلمة التي شهدوها في سوريا.

وتتحدث تقارير أخرى عن أن برامج العديد من الجمعيات المعنية في لبنان، تمكّنت من الوصول إلى أعداد محدودة من اللاجئين السوريين ذوي الإعاقة، لا تتجاوز بضع مئات أحياناً. وإن دلت هذه المعلومات على شيء، فإنها تدل بلا شك على حجم الفجوة الكبيرة في المساعدات، والدعم الذي يستهدف هذه الفئة، غير أن المسألة هنا لا ترتبط بفئة اللاجئين من ذوي الإعاقة فحسب، بل تشمل أيضاً أقرانهم من اللبنانيين، غير أنها أصعب وأشد مرارةً في حالة اللجوء إلى ضعف الدور الحكومي الناظم للدعم والخدمات.

افتقار المخيمات إلى أبسط التجهيزات

فايز عكاشة، وهو ناشط لبناني في مجال الدعم، والتوعية النفسية والقانونية للأشخاص ذوي الإعاقة، يؤكد هذا الكلام، بحكم معايشته لمعاناتهم على أرض الواقع، منذ العام 2013، حين تحرك الرجل الخمسيني المُقعد على كرسيه المتحرك بمشاركة مجموعة من الأصدقاء والأشخاص ذوي الإعاقة، وشكّلوا بجهود فردية، مجموعة عمل ميداني مهمتها تقديم الدعم والاستشارات للجمعيات المعنية بدعم الأشخاص ذوي الإعاقة بين اللاجئين، بالإضافة إلى تنظيم جلسات توعية بالمسائل الحقوقية والقانونية ذات الصلة.

ولأن من ذاق مرارة التجربة أعرف الناس بطعمها، يشرح عكاشة صعوبة الأوضاع في مناطق توزع اللاجئين والمخيمات، إذ لا وجود لأي شكل من أشكال التجهيزات الخاصة بذوي الإعاقة، في الغالب الأعم من أماكن وجودهم. نقصٌ في الأدوية، وأوضاع معيشية صعبة للغاية، وندرة في المراكز التأهيلية والتعليمية الخاصة بذوي الإعاقة، إذ غالباً ما تقتصر خدمات الداعمين على علاج بعض المسائل الخدماتية الفردية، من دون أي حلول جماعية، ولذا ليس مستغرباً مثلاً أن تجد بعض هؤلاء الأشخاص محرومين من أبسط البديهيات، كالحمّام، أو السرير المناسب للنوم.

اليوم، وبعد عشر سنوات على لجوء مئات آلاف السوريين إلى لبنان، تزداد احتياجاتهم النفسية إلحاحاً مع ازدياد صعوبة الظروف التي يعيشون فيها، ويستمر القصور في تقديم أي دعم لهذه الاحتياجات، على الرغم من أهميتها الكبيرة

ويروي عكاشة حكاية رجل كان يضطر يومياً إلى تأجيل دخوله الحمام، إلى ما بعد منتصف الليل، بسبب عدم توفر باب للحمام العمومي المشترك في المخيم، ناهيك عن عدم تجهيزه بشكل يلائم احتياجاته، فيما تقتصر أقصى أحلام أماني، وهي سيدة مصابة بالشلل الرباعي، على أن "تُوفَّق عائلتها بالاحتفاظ بسريرها بعد وفاتها، فهو المساحة الوحيدة القادرة على استيعاب نومهم براحة، داخل الخيمة".

المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كانت قد أجرت عام 2013، تقييماً لخدمات الصحة النفسية، والدعم النفسي والاجتماعي المقدَّمة إلى اللاجئين السوريين في لبنان، وخلص هذا التقييم إلى أن "الشواغل الأساسية لدى معظمهم ذات طابع اجتماعي واقتصادي، بدلاً من أن تكون ذات صلة بالأحداث المؤلمة التي شهدوها في سوريا. إذ كان معظمهم يكافح لتأمين المأوى الملائم، والخدمات الصحية، والغذاء، والتعليم لأطفالهم. كما كانت غالبيتهم تفتقر إلى المعلومات اللازمة حول الخدمات المتاحة، ولا يشعرون بالأمان عند التنقل، أو التجول. كانوا يشعرون بالانعزال داخل مجتمعهم، وبالرفض من المجتمع المضيف".

اليوم، وبعد عشر سنوات على لجوء مئات آلاف السوريين إلى لبنان، لا يبدو بأن الوضع تغيّر، بل على العكس، تزداد احتياجاتهم النفسية إلحاحاً مع ازدياد صعوبة الظروف التي يعيشون فيها، ويستمر القصور في تقديم أي دعم لهذه الاحتياجات، على الرغم من أهميتها الكبيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard