"تروما بيروت"... كيف تبقى الصدمة راسخة في أجسادنا؟

الجمعة 28 أغسطس 202006:37 م

يُشبّه الشعب اللبناني بطائر الفينيق الذي ينتصر في كل مرة على الموت ويخرج حيّاً من الرماد، إلا أن النكبات المتتالية التي لحقت بهذا الشعب "المسكين"، جعلت أجنحته تتكسر وتنزف دماً وقهراً، وهكذا تحول الطائر إلى كائن ضعيف ومكسور ويلفظ أنفاسه الأخيرة، بخاصة بعد الرابع من آب، حيث هز انفجار قوي وغامض مرفأ بيروت، وقَلَب المدينة وحياة أبنائها رأساً على عقب، فمن عاش أهوال الحرب اللبنانية يؤكد أن ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم لم يشهد لبنان مثيلاً له في تاريخه.

واليوم، وبعد مرور أكثر من 20 يوماً على هذه الحادثة الأليمة التي "خربت بيوت" اللبنانيين/ات، بكل ما للكلمة من معنى، تحاول مدينة بيروت أن تستجمع قواها وتنفض عن نفسها غبار الموت، إلا أن الصدمة النفسية ستبقى مترسخة في ذاكرة أبنائها وبناتها، وعلى الأرجح أن تبقى محفورة ومخزنة في أجسادهم/نّ لفترة طويلة.

فما هو رأي الباحثين والأطباء النفسيين في مسألة تخزين الجسم للصدمات، وكيفية محوها من ذاكرة أجسادنا، أو على الأقل عدم السماح لها بتدمير حياتنا؟

العلاقة الحميمية بين العقل والجسد

بات لدى العلماء الآن أدلة تكشف عن العلاقة الحميمية والمتشابكة بين العقل والجسد، وهو أمر يتجلى مثلاً في تأثير صحة القناة الهضمية على صحتنا النفسية، ونراه أيضاً مع المظاهر الجسدية للإجهاد النفسي، على غرار خفقان القلب ونوبات الارتجاف والآلام التي نشعر بها في الجسم، بخاصة حين نتحدث عن الصدمات التي لم تتم معالجتها بشكل كامل أو تلك التي لم يتم الاعتراف بها.

تحاول مدينة بيروت أن تستجمع قواها وتنفض عن نفسها غبار الموت، إلا أن الصدمة النفسية ستبقى مترسخة في ذاكرة أبنائها وبناتها، وعلى الأرجح أن تبقى محفورة ومخزنة في أجسادهم/نّ لفترة طويلة

وبحسب بحث أجرته الدكتورة في علم الأورام والمحاضرة كيلي تيرنر، قد يكون المثال الأكثر تطرفاً لكيفية تأثير الصدمة على الجسم، يتمثل بمرضى السرطان المصابين بأمراض عضلية، والذين تمكنوا من التغلب على مرضهم رغم كل الصعاب، مؤكدين أن إطلاق العنان للضغط العاطفي كان أحد العوامل الرئيسية في عملية الشفاء.

هذه الأمثلة وسواها دفعت البعض إلى التكهن بأن الصدمة غير المعالجة يتم "تخزينها"، ليس فقط في العقل الباطني وفي الذاكرة، ولكن في جميع أنحاء الجسم، ما جعل بعض المحللين النفسيين يعتبرون أنه وبالإضافة إلى الأساليب التقليدية في علاج الصدمات، مثل العلاج السلوكي المعرفي، فإن التحفيز الجسدي أو اللمس قد يكون من بين الطرق المفيدة لشفاء النفس، ولعلّ هذا ما يجعل بعض الناس يغرقون في البكاء تلقائياً أثناء جلسة التدليك أو الوخز بالإبر، دون سبب واضح.

الصدمة قد تمر حياتنا

من الطبيعي أن نواجه كبشر الأحداث الصادمة على الأقل مرة واحدة في حياتنا، وعلى الرغم من أننا غالباً ما نربط كلمة صدمة بالحرب، الهجوم العنيف، الاغتصاب، الإساءة أو تجارب الاقتراب من الموت، ففي الحقيقة هناك مجموعة من التجارب الأخرى الأقل وضوحاً، والتي يمكن أن تكون مؤلمة وتؤثر بشكل خطير على حياتنا، كوفاة شخص مقرب، تفكك علاقة مهمة، فقدان الوظيفة...

وتكمن المشكلة في أن الآثار النفسية والجسدية السلبية لأي نوع من الصدمات لا تحل دائماً من تلقاء نفسها، وقد تمتد إلى ما هو أبعد من الحدث الفعلي. مثال على ذلك: اضطراب الكرب التالي للرضح PTSD، وهو اضطراب نفسي يمكن أن يتطور بعد أن يمر شخص ما بصدمة قوية أو يكون شاهداً على أحداث مرعبة تهدد حياته.

تفاعل الجسم مع الصدمة

بهدف فهم أسباب استمرار الآثار السلبية للصدمة رغم مرور الوقت، ولماذا من المحتمل أن يتم "تخزينها" جسدياً، لا بدّ من أن نلقي نظرة على ما يحدث في الجسم أثناء وبعد حدوث تجربة مؤلمة.

أوضح جايمس غوردون، صاحب كتاب The Transformation: Discovering Wholeness and Healing After Trauma، أنه غالباً ما تكون الاستجابة الأولية للصدمة هي القتال أو الهروب، شارحاً ذلك بالقول: "ينبض القلب بشكل أسرع، يرتفع ضغط الدم، تتشنج العضلات الكبيرة وتستعد للجري أو القتال، ويبطىء عمل الجهاز الهضمي، أما رد الفعل الآخر الذي يمكن أن يكون لدينا هو التجميد أو الدخول في نوع من الانفصال"، مشيراً إلى أنه خلال هذه الاستجابات تصبح مناطق الدماغ المسؤولة عن الخوف والغضب والعاطفة أكثر نشاطاً، بينما يخف النشاط في مناطق القشرة الأمامية المسؤولة عن الوعي الذاتي واتخاذ قرارات مدروسة.

هذا ويمكن للبعض أن يجدوا أنفسهم عالقين في ردود الفعل هذه، حتى عندما لا يفكرون في وعيهم بالحدث الصادم. بمعنى آخر، قد تؤدي الصدمة إلى حالة من فرط اليقظة والتنبه، كما يحدث عندما يتم تسريع إيقاع الموسيقى في فيلم رعب، فيدرك المشاهدون مسبقاً أن أمراً سيئاً على وشك الحدوث.

وعليه، توجد الكثير من المظاهر الجسدية للصدمة التي تكون محفورة في أجسادنا حتى عندما لا نفكر بوعي في الصدمة الفعلية، ومن هنا يرى بعض الخبراء أن أجسامنا تخزن الصدمات وتحتفظ بها.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال غوردون: "كل ما يحدث لنا عاطفياً أو نفسياً يحدث لأجسادنا أيضاً، كل شيء مرتبط"، وتابع بالقول: "إذا نظرتم إلى الأشخاص الذين يخوضون معركة أو فراراً أو استجابة متجمدة، فما عليكم سوى إلقاء نظرة على الطريقة التي يمسكون بها أجسادهم. إنهم متوترون، متشنجون، وجسمهم بالكامل مهيأ لحمايتهم".

صدمة بيروت

بالعودة إلى الأحداث المأساوية التي شهدتها مؤخراً مدينة بيروت، تحدثت الأخصائية في علم النفس لولوا كالويروس، عن الـ collective trauma (الصدمة النفسية الجماعية) التي أصابت الشعب اللبناني كله، وتأثيرها على أجسامهم: "الناس سمعت صوت، حست بخضة، انقذفت شمال ويمين، شمت، داقت الغبار وحست بجسمها... في أحاسيس كاملة حدثت بنفس الوقت، يعني صار في نوع من ردة فعل جسدية كتير قوية، هودي كلن تجارب صغيرة تراكمت والدماغ سجلها وصار في عندو ذاكرة للحدث من عدة معطيات، مش بس الفكرة والأخبار يلي نتجت عنها، في ذاكرة تمركزت فيزيولوجياً، لأنو هالحواس كلها ما كان عندها وقت تحلل شو عم بيصير بس كانت عم تتفاعل مع كل stimuli (حافز) والtriggers (محفزات) من الخارج".

النوم دايماً بخوّف، بيحسسنا باللاوعي أنو عم نفقد السيطرة على حياتنا

وفي حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت كالويروس أنه مع الوقت من المحتمل أن يكون هناك تفاعلات مختلفة، بالأخص مع دخول عاملي التحليل والتفكير وما ينجم عنهما من تضخيم لحجم الحدث، شارحة ذلك بالقول: "دايماً لما نمرق بهيك تجربة منقول لو كنت على بعد متر كنت اقتلت... دايماً في تحاليل شو كان معقول يصير، وهالشي رح يزيد من القلق. كل واحد رح يحس حالو إنو معرض كان يكون واحد من هودي الضحايا يلي راحو وإنو نجاتو كانت بنوع من الأعجوبة، في شي صار خلي إنو ما يموت، هودولي كلن عم بيتسجلو بذاكرتنا".

وأضافت: "بعدين شو بيصير؟ هل بعد شهر أو بعد 6 أشهر مننسى؟ إيه أكيد رح يجي وقت وما رح بقا نفكر فيه للموضوع، بس ما معناتا بطل موجود بذاكرتنا وحتى بجهازنا العصبي كلو"، منوهة بأن بعض الأشخاص لن يتمكنوا من نسيان هذا الحادث على الإطلاق، وسوف يكون تأثيره عليهم أصعب من سواهم.

وعن خصوصية كل فرد في تعامله مع الصدمة، قالت لولوا: "دايماً منجرب نحكي بالعموميات وبـ profile واحد، بدنا ما ننسى إنو نحن بشر وكل واحد منا عندو قصة وتاريخ وبفسر تجاربو بطرق مختلفة، ما منقدر نتكهن كيف كل الناس رح تتفاعل".

وتحدثت كالويروس عن ردات فعل الجسم والعوارض الجسدية التي قد يختبرها البعض بعد صدمة بيروت: "في أشخاص رح يمرقو بمرحلة أرق لأنو النوم دايماً بخوّف، بيحسسنا باللاوعي أنو عم نفقد السيطرة على حياتنا، مننام ساعتين ومنوعا كأنو في alarme داخلي لحتى يضل الواحد متنبه، وهيدا الشي رح يخلق تعب جسدي، قلق، فقدان التركيز، تقلب حاد في المزاج، ردات فعل سريعة وأكبر من حجم أحداث صغيرة (startle reflex) وهي عبارة عن ردة الفعل عند الخوف ورثناها من آلاف السنين، كوابيس، تعرق في الليل، دقات قلب سريعة، آلام جسدية وبخاصة أوجاع في العضلات وفي المعدة، شعور بالتنميل كأنو مبنجين ومنفصلين عن الحقيقة".

وشددت لولوا على أن هذه الأعراض هي عبارة عن ردات فعل طبيعية للحدث، تجعلنا نستجمع قوانا ونتعافى: "كلها أمور طبيعية في أول مرحلة وليست حالات مرضية، بل هي ردات فعل طبيعية للحدث. ما فيي كون بكل المحلات وعم بحس بكل شي، جسمي بدو يحاول يحافظ على حالو وعلى سلامتو"، مضيفة بأن الجسم يتلقى الصدمة ويحاول أن يتعامل معها بذكاء: "إذا منراقب عادة كيف منتفاعل جسدياً مع أي حدث كبير، دايماً منحوش حالنا، بمسك جسمي بالإيدتين، بشد على حالي، هودي الإشياء ضرورية لأنو بتخليني حس بواقعية جسمي وبنفس الوقت بتعملّي نوع من الحركة، بتمشي الدم وبتساعد تحتى ما يصير عندي نوع من التجمد".

الوعي واليقظة الذهنية

في الواقع، إن الدماغ يتذكر ويسجل كل تجربة نمر بها مع ما يرافقها من تفاعلات حسية، وبالتالي فإن أي trigger (محفز) في المستقبل، سواء كان ذلك صوت شبيه بصوت الانفجار الذي هزّ مرفأ بيروت، أو رائحة مشابهة للدخان المنبعث في سماء لبنان، سوف يعيدنا إلى تلك الذكريات الأليمة ولحظات الخراب والدمار التي شهدها الكثير من الناس بأم العين.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت لولوا كالويروس: "ما نعتبر إنو إذا اليوم مشي حالنا يعني كل شي منيح، يمكن نكون بمرحلة مبنجين فكرياً ويمكن بعد شهر نمرق بنوع كآبة"، مشيرة إلى أن بعض الأعراض الجسدية التي ليست ناجمة عن حالة مرضية جسدية، قد تسبب مع الوقت مشاكل وأمراض جسدية بحتة: كسل في عضلات القلب، جلطة دماغية، تشنجات في أعصاب المعدة، صعوبة في الهضم، إمساك...

من هنا شددت لولوا على ضرورة الرجوع إلى ذواتنا والتحلي بالوعي اللازم لاستيعاب الصدمة قدر الإمكان وتحليلها: "نحنا لسوء الحظ ما عنا ثقافة الـ mindfulness (اليقظة الذهنية)، يعني نعمل نوع من التفكير الذاتي لشو عم بيمرق في جسمنا وننظر إلى داخلنا لنعرف وين نحن... لما يكون عنا وعي لكيف بيأثر الـ stress (الإجهاد) على جسمنا بيكون عنا سهولة اكتر بالتعاطي معه".

"ما نعتبر إنو إذا اليوم مشي حالنا يعني كل شي منيح، يمكن نكون بمرحلة مبنجين فكرياً ويمكن بعد شهر نمرق بنوع كآبة"

وأضافت كالويروس: "لما تمرق الناس بحالة (هيجان عاطفي) وتكون (حاسة حالها وين ما كان)، ضرورة نعمل شي منسميه grounding (تقنيات التأريض) أي نرجع نحس بحقيقة جسمنا، نمشي حافيين، نلمس عضلاتنا، نمسّد جسمنا تحتى يكون عنا وعي إنو نحنا موجودين"، وختمت لولوا حديثها بالقول: "ما نستخف بقديه مهم لحياتنا النفسية إنو نكون عم نمشي حافيين ونحط إجرينا بالتراب أو الرمل، لأنو بيصير في نوع من تجانس بيننا وبين الطبيعة ومنحس حالنا حقيقيين وعايشين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard