المعالجون النفسيون في لبنان: "نفسيتنا تعبت من كل شي عم بيصير"

الأحد 14 نوفمبر 202104:21 م

يمرّ اللبنانيون اليوم، مع تفاقم التحديات والكوارث التي تمر بها البلاد، بما يشبه حالة اكتئاب جماعي، فنادرة الوجوه المبتسمة في الشارع، وحتى سؤال بسيط كسؤال "كيفَك" أو "كيفِك"، بات من الأسئلة التي يتفادى اللبنانيون طرحها لأن جوابها معروف، وكأن كونك لبنانيّاً لوحده كافٍ ليعرف الجميع بأنكّ "لستَ بخير".

هي أزمة اقتصادية أرهقت اللبنانيين وجعلتهم من بين أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم، بحسب ما ظهر في تقرير "غالوب العالمي للمشاعر 2020".

فنسبة اللبنانيين الذين قالوا إنهم يشعرون بالحزن تضاعفت من 19% إلى 40% في عام واحد، بحسب التقرير نفسه؛ ونسبة القلق زادت من 40% إلى 65%، والشعور بالغضب تضاعف من 23% إلى 43%، والتوتر ارتفع من 46% إلى 61%.

تدعيات أزمة لم يسلم منها حتى المعالجون النفسيون أنفسهم الذين زادت التحديات التي يواجهونها كلّ يوم.

كيف حال  المعالجين النفسيين اليوم؟

تؤكّد ليال عزيزي، أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية، التي تساهم من خلال صفحتها على إنستاغرام بنشر الوعي، من خلال مشاركة النصائح المختصة بالصحة النفسية للأفراد، أنها تعيش بقلق دائم بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

تضيف ليال: "بحكم عملنا ودعمنا الدائم للأشخاص، قليلاً ما نستطيع أن نتوقف للحظة لنعالج مشاعرنا الناتجة عن الصدمات المتكررة التي نعيشها. نسمع من الكثير من زملائنا عن حالات الإرهاق الكبير التي يعانون منها نتيجة الطلب الزائد على جلسات الدعم من جهة، وقلة عدد الأخصائيين من جهة أخرى".

يمرّ اللبنانيون اليوم، مع تفاقم التحديات والكوارث التي تمر بها البلاد، بما يشبه حالة اكتئاب جماعي، فنادرة الوجوه المبتسمة في الشارع، وحتى سؤال بسيط كسؤال "كيفَك" أو "كيفِك"، بات من الأسئلة التي يتفادى اللبنانيون طرحها لأن جوابها معروف، وكأن كونك لبنانيّاً لوحده كافٍ ليعرف الجميع بأنكّ "لستَ بخير"

تضيف سماح سالم، أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية، أنّ المعالجين النفسيين يعانون اليوم من ضغوط شديدة، نتيجة عوامل عدّة: طبيعة عملهم المستنزِف، انهيار سعر صرف الليرة، انهيار القيمة الشرائية لرواتبهم باعتبارهم أيضاً أفراداً ومستهلكين، والطلب الزائد على جلسات العلاج اليوم مع اشتداد حدّة الأزمة.

ومن جهتها تؤكّد علا الخضر، المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين، أنّ من أهمّ التحديات التي يواجهها المعالجون النفسيون اليوم هي عدم قدرتهم على تطوير أنفسهم ومواكبة أجدد الأساليب المعتمدة التي تُقدّم عادة في سيمنارات أو ندوات تتطلّب من المعالجين الدفع بالدولار للاشتراك بها. وتضيف علا: "كان المعالجون النفسيون يتقاضون 50 دولار أقّله مقابل جلسة العلاج. اليوم زادت أسعار الجلسات من 75 ألف ليرة إلى 200-300 ألف ليرة، وهو ما يوازي اليوم 9$ أو 13$، وهو ما لن يغطّي بأي شكل من الأشكال تكاليف التطور والمتابعة".

القصص المؤلمة

ومن أكثر القصص التي تؤثّر بشكل كبير على نفسية ليال عزيزي، أخصائية علم النفس العيادي، القصص المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت والصدمات العاطفية الناجمة عنه، والقصص المتعلقة أيضاً بالعائلات التي تزور ليال لتحضّر أولادها نفسياً للهجرة، وتوفر لهم الدعم النفسي اللازم في هذه المرحلة الانتقالية.

تقول ليال: "هذه القصص تكسر القلب، خاصة أننا نسمع بها كل يوم، فالحاجة للهروب صارت موصولة بالنجاة وبالبحث عن فرصة لحياة أفضل".

وتقول أخصائية علم النفس العيادي، سماح سالم، إن أقسى القصص التي تعاملت معها كانت القصص المرتبطة بالاعتداءات الجنسية، الاغتصاب، إيذاء النفس ومحاولات الانتحار.

وتضيف الأخصائية النفسية وردة بو ضاهر قائلة إن حالات العنف التي تتعرّض لها النساء والأطفال من أكثر الحالات التي كانت تؤثر فيها في بداية مشوارها في مجال الصحة النفسية.

الأزمة الاقتصادية أرهقت اللبنانيين وجعلتهم من بين أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم، بحسب ما ظهر في تقرير "غالوب العالمي للمشاعر 2020"

من أين يستمدّ المعالجون النفسيون الطاقة لمتابعة عملهم؟

تقول ليليان شربجي، خريجة علم نفس وطالبة ماجستير تتخصص في علم النفس العيادي: "نفسيتنا طبعاً تعبت مع كل شي عم بصير، كرمال هيك لازم نعرف إيمتى نحنا بحاجة نسلخ حالنا عن الواقع لو لساعات، ونبتعد عن أي شي سلبي لنحاول نستعيد طاقتنا".

وتضيف ليليان أنها تستمد الطاقة التي هي بحاجة إليها للاستمرار في عملها عندما تلمس أنها ساعدت شخصاً على تخطي أزمته النفسية وساهمت بتغيير حياته، ولو بشكل بسيط، للأفضل. كما أنّ الوقت الذي تقضيه مع العائلة والأصدقاء، بعيداً عن كل المشاكل والهموم، كفيل بتعزيز طاقتها.

تستمدّ أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية ليال عزيزي الطاقة للعمل والاستمرار في مجال الصحة النفسية من الشغف المزروع فيها لمساعدة الآخرين: "فكرة أننا يمكن أن نفتح طاقة أمل في حياة أشخاص يعيشون بسوداوية تامة تعطينا طاقة رهيبة".

ومن جهتها تقول المعالجة النفسية دُنيز أبي راشد إنها تستمد الطاقة من الأشخاص المتعبين أنفسهم الذين يلجؤون إليها: "هني بيعطونا طاقة رغم كل التعب، لأنوّ الأشياء يلي منكون عم نشتغلها مع الناس أو عم نقولا للناس منكون عم نشتغل عليها وعم نقولا لحالنا كمان. كرمال هيك عملنا نفسه هوي يلي بيعطينا طاقة لنكفّي".

فيما تركز المعالجة النفسية سحر صليبي على نشاطات عدّة تقوم بها للتفريغ: مثل الرياضة والتأمل وتمارين التنفس والاسترخاء وممارسة هواية معينة، "كل هذا يندرج تحت ما يُسمّى  بالـSelfcare الذي نحرص عليه في عملنا".

وتؤكّد علا الخضر أن لجوء الأخصائيين النفسيين أنفسهم لجلسات علاج نفسيّة أمر ضروري للحفاظ على موضوعيتهم ولتفادي أي إسقاطات شخصية قد يقع فيها المعالج أو المعالجة النفسية، "لأنه من الضروري أن لا تؤثر مشاعر المعالج النفسي على المريض بأي شكل من الأشكال"، تختم علا.

كيف نتعامل مع كلّ ما يحدث؟ نصائح من 7 أخصائيين نفسيين

"أقول للبنانيين إن ما تمرون به اليوم صعب جداً. اسمحوا لأنفسكم بالاعتراف بصعوبة الوضع الذي تمرون به. وكونوا أكيدين من أن ما تمرّون ليس من الطبيعي أن يمر به أيّ إنسان. ولكن للأسف هذه ظروف بلدنا. هذه الظروف ليس أمر واقع يجب أن نرضى به. وكل شخص فينا مطلوب منه أن يسعى لتغيير الأحوال إلى الأحسن". الأخصائية النفسيّة وردة بو ضاهر

أقول للبنانيين إن ما تمرون به اليوم صعب جداً. اسمحوا لأنفسكم بالاعتراف بصعوبة الوضع الذي تمرون به. وكونوا أكيدين من أن ما تمرّون ليس من الطبيعي أن يمر به أيّ إنسان

أما المعالجة النفسية سحر صليبي فتقول: "نصيحتي للبنانيين أن يتعاملوا مع الضغوطات الكبيرة التي تواجههم باعتبارها ضغوطاً جماعية وليست فردية، لأن التفكير بهذه الطريقة يخفف من وطأة الأزمة، ومن تأثيرها على الشخص. كما أنه من الضروري جداً أن يبحث الأشخاص عن نشاطات يحبونها ويمارسونها لتفريغ الضغوطات النفسية التي يمرون بها".

و تقول ليال عزيزي أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية: "قد يكون المشهد سوداوياً اليوم، لكن على المرء أن يتذكر دائماً أنّه ليس لوحده. كلّ مشكلة ولها حلّ وهناك دائماً أشخاص حولنا مستعدون للمساعدة... فما تحطّوا بقلبكم!".

أما سماح سالم، أخصائية علم النفس العيادي والمرشدة التربوية النفسية، فتنصح: "حاولوا التفكير في الأشياء التي يمكنكم التحكم بها وتغييرها. التفكير في الوضع العام سيحبطكم فقط ويجعلكم دائمي الشعور بالعجز. فكروا بجوانب حياتكم التي يمكنكم تولي مسؤوليتها والتحكم بها".

وتنصح نصيحة ليليان شربجي، خريجة علم نفس، بضرورة أن "تقبلوا كل شيء يحدث معكم، ولا تلوموا أحداً. اللوم لا يفيد. حددوا الأمور الخارجة عن سيطرتكم. ضعوا أهدافاً صغيرة واعملوا لتحقيقها. خففوا التوقعات من الأشخاص ومن الحياة. كونوا واقعيين، لا سلبيين ولا إيجابيين. تذكروا أنّ أفكاركم ومشاعركم نابعة منكم وعندكم القدرة على التحكم بها. أحبوا أنفسكم واجعلوها أولوية الأولويات".

وتنصح علا الخضر، المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين بالقول: "إذا شعرتم بأعباء كبيرة وبضغوط نفسية باتت تؤثر على حياتكم اليومية، من الضروري أن تلجأوا إلى العلاج النفسي لأنه سيساعدكم بالتأكيد. صحيح ارتفعت كلفة بعض جلسات العلاج إلاّ أنّ جمعيات عدة باتت تقدم خدمات الدعم النفسي مقابل مبالغ رمزية أو بشكل مجانيّ.

لا تهملوا صحتكم النفسية وتكلموا عن الأمور التي تزعجكم للأشخاص الذين تثقون بهم، وإن كان ذلك لا يُغني عن جلسات العلاج إلا أنّه سيريحكم ولو قليلاً".

أما المعالجة النفسية دُنيز أبي راشد فبرأيها أنه "من الضروري أن نؤمن بأنفسنا وبالإنسان الجيد الذي بداخلنا. وكلّما أجدنا التواصل والاتصال معه كلّما تمكّنا من تخطي كل العقبات والظروف الصعبة التي قد تواجهنا".

هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard