"توقّف الزمن وكل شيء فقد ألوانه"... مُسنّات على أرصفة بيروت

الخميس 28 أكتوبر 202103:22 م

تشيخ المدن، فتضاف إليها صفة العراقة، وتتغير معالمها، وتتعتّق بقصص المارّين بها. لكن ماذا لو كانت هذه منكوبةً؟ وماذا يحدث لسكان تلك المدن على مر النكبات؟

من يمشي في شوارع بيروت اليوم، يلاحظ ضجيجاً طويلاً مفتعلاً على شكل مقاومة، لأن انعدام الصوت من انعدام الأمل، وغرقاً طويلاً في موت مؤجل. لذا كل من في بيروت في حركة مستمرة. لا مكان للموت، في مدينة لا تعرف النوم، وكل من فيها يسيرون على عجلٍ، ويمضون نحو المجهول، ويعودون في الاتجاه نفسه.

وضمن مفهوم السلطة اللبنانية، تعرّت الفئات الأكثر حاجةً للخدمات والرعاية، من حقوقها، ومستلزماتها الأساسية، ومنها الأطفال، وكبار السن. هم كذلك يحاولون النجاة بأنفسهم، على الرغم من المعوقات والمصاعب، خصوصاً من فقدوا مساكنهم، وأدنى مقومات العيش، في ظل الأزمات المتتالية. هم أكثر من يعرف بيروت، ولكن من زاويةٍ أخرى، لعلّها أقل بهجةً وألواناً، وبعضهم أصبح جزءاً من أرصفة المدينة، فهي وحدها بقيت، بعد الانفجار الكبير، في وضعية احتضان لكل ما يتنفس، وما لا يتنفس.

"لا زلت أحبُّ بيروت"

على أحد أرصفة بيروت، ومقابل أحد المقاهي، تجلس "تيتا" (هكذا تحب أن تُعرّف)، بشعرها القصير الأملس الذي يغطي جزءاً من جبينها الصغير، وعينيها اللتين تقاومان النعاس، وتحاولان النتوء من بين فيض التجاعيد، لكن صفاءهما يذكر بالأطفال الحديثي الولادة.

المسنّون والمسنّات هم/ن أكثر من يعرف بيروت، ولكن من زاويةٍ أخرى، لعلّها أقل بهجةً وألواناً.

تلفُّ ساقيها الهزيلتين من تحت تنورتها الكحلية اللون، والمتوسطة الطول، على بعضهما البعض، وتشدّ على يديها تارةً، وتستسلم تارةً أخرى، ثم تستذكر أهم ما تملك: أكياسها الكثيرة حصيلة نهار شاق من التفتيش، والبحث، ومساعدات الجمعيات، وأصدقاء الطريق، وتمدد جسدها الصغير المنكمش، آخر اليوم، لتمر ليلة أخرى بسلام، من دون أن يداهمها الجوع.

في حديثنا مع تيتا، تخبرنا عن مشقة الحياة في بيروت، من دون أي مصدر للعيش: "عمري تخطى الـ85 سنةً، وما زلت أتجوّل في شوارع بيروت، بين الأشرفية، والجمّيزة، ورأس النبع، والطيّونة، وبدارو"، غير مدركة للمدة التي بات فيها الشارع، والأماكن العامة، سلوتها، ومصدر قوتها اليومي، وتكمل: "وحدي هنا، الظروف صعبة على الجميع، كباراً وصغاراً. تعبت ولكنني لن أستسلم، dieu ne me quitte pas (أي أن الله لن يتركني)".

بدأت معاناة تيتا مع الحرب الأهلية اللبنانية، حين خطف السوريون ابنها، وبعدها توفي زوجها، وأصبحت من دون عائلة. وبقيت المأساة مستمرةً، فبعد عشرة أعوام، قُتل أهلها في حرب الجبل، سنة 1984، "كان أبي طبيباً، لو رآني الآن لمات حزناً على ابنته الوحيدة". وبعد انفجار مرفأ بيروت، تضررت الغرفة التي تعيش فيها، في منطقة رأس النبع، فتكسّر الزجاج، وتحطّمت أغراضها، إلا أنها لم تُصَب.

الوضع أصعب من فترة الحرب. حينها كان الطعام والدواء في متناول اليد، وكنا نستطيع تناول قوتنا، أما اليوم، فأعيش على البقايا، والوجبات الأسبوعية، من مطعم المحبة الخيري الكائن في سن الفيل، وهو لم يتركني منذ 15 عاماً، أنا وكثيرات".

عند سؤالي لها عن علاقتها ببيروت، تقول ضاحكةً، وهي تفرك بأصابعها الهزيلة المطليّة باللون الخمري، عقدها الأبيض المتدلي من رقبتها: "لا زلت أحبها، لم أعرف، ولن أعرف غيرها، مدينة. حلوة، كانت أحلى صبية، لكنهم سرقوها، وسرقوا أعمارنا، تاركين من وما تبقى منا، على باب الانتظار".

تصوير ريم عثمان

في مكان غير بعيدٍ، التقينا بجورجيت (اسم مستعار)، التي قررت التخلي عن شعرها، وكل ما يعيقها في رحلتها اليومية في شوارع بيروت، بثيابها الفضفاضة، وخفّيها اللذين يمكناها من قطع مسافات طويلة، في أثناء نهارها الشاق، متحديةً أوجاعها، وسنواتها الثمانين، وحزنها الكبير الساكن بين تجاعيدها، وغضباً يظهر جلياً على تقاسيم وجهها.

تؤيد جورجيت كلام تيتا، باقتضاب وتجهّم. تخبرنا عن المعاناة اليومية، والقلق من أن تكون مواطنةً ثمانينيةً في بيروت، من دون معيل، أو قانون يضمن حقوقها: "بالمرض، والجوع، والتعب، أجد نفسي وحيدةً ومقصيّةً من هذا المجتمع، من دون أي سبيلٍ للعيش، أو حقٍ في الوجود. كل شيء فقد ألوانه، وتوقّف الوقت منذ زمن طويل، إلا أن المعاناة مستمرة، والعمر يركض بنا حاملاً بيروت معه، وعلى ما يبدو أننا جميعنا قد تعبنا".

أما عند سؤالنا عن دور السلطة اليوم، فتقول: "هي غائبة منذ سنوات، والنقمة في ازدياد مستمر، على نظام يثبت فشله وإهماله لنا، نحن غير مرئياتٍ بالنسبة إليه، وقد أجبرنا على ارتداء طاقية الإخفاء منذ سنوات". أما عن دور الرعاية، فكلتاهما ترفضان العيش فيها، لأنهما تريدان حريتهما، والعيش في منزل منفرد مع ضمان لحقوقهما، وأدنى مقومات الحياة.

"عمري تخطى الـ85 سنةً، وما زلت أتجوّل في شوارع بيروت، بين الأشرفية، والجمّيزة، ورأس النبع، والطيّونة، وبدارو. وحدي هنا، الظروف صعبة على الجميع، كباراً وصغاراً. تعبت ولكنني لن أستسلم، الله لن يتركني"

النسبة الأعلى عربياً

من الصعب الوصول إلى أرقام دقيقة حول أعداد المشرّدين في لبنان. وللتشرد تعريفات قانونية، تختلف من بلد إلى آخر، حسب المعايير الثقافية والاجتماعية، إلا أن المشترك بينها فقدان الأمان، والاستقرار، والحاجات الأساسية.

تخبرنا عميدة كلية العلوم الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت، ومديرة مركز الدراسات لكبار السن، الدكتورة عبلة محيو سباعي، عن نسبة المسنين التي تشكل 11% من نسبة السكان، وهي الأعلى عربياً، وتزداد نتيجة هجرة الشباب، وصغار السن، خصوصاً في الأزمة الحالية. وفي آخر إحصاء لوزارة الشؤون الاجتماعية، قبل نحو عشر سنوات، كان عدد المسنين في دور العجزة نحو أربعة آلاف مسنّ، ويشير هذا العدد إلى الفئة التي لا معيل، أو أسرة لها.

أما عن أرقام المسنين المرتفعة، فهي تضعنا في أزمةٍ حقيقية، من حيث تأمين الرعاية اللازمة، والخدمات الرعائية والصحية، خصوصاً لدى فئة المسنّات التي تشكّل 55% من نسبة كبار السنّ، خاصةً مع ندرة الجمعيات المتخصصة بهذه الفئة.

تصوير ريم عثمان

وتشرح لنا أستاذة علم النفس العيادي في الجامعة اللبنانية، نبال الحاج، عن مرحلة الشيخوخة: "هي المرحلة العمرية من حياة الإنسان التي تمتد من عمر الستّين، وتشهد تغيّرات فيزيولوجية، منها اضمحلال القدرات العقلية والجسدية، وتغيّرات نفسية اجتماعية، فيعتمد الشخص على الآخر، بصورة نسبية تتفاوت حسب الأفراد وخصائصهم".

وتكمل: "والحاجات السيكولوجية للمسنّات متنوعة، وأهمها المساندة، والرفقة، والاختلاط بالأنشطة، والمشاركة، وتوكيد ذواتهن، واستقلاليتهن، والاعتراف بوجودهن، وحقوقهن. جميعها حاجات أساسية، وشرط لهذه المرحلة العمرية".

نسبة المسنين تشكل 11% من السكان في لبنان، وهي الأعلى عربياً، وتزداد نتيجة هجرة الشباب، وصغار السن.

أما عن أسباب التشرّد، وظهور هذه الحالات التي لم تكن موجودةً بشكل ملحوظ سابقاً، في المجتمع اللبناني، فهي عديدة، ولا ترجع حصراً إلى الأسباب النفسية، فالحروب لها دور كبير، والأزمة الاقتصادية الخانقة حرمت الكثيرات من هذه الفئة، من القدرة على إيجاد مسكن، بالإضافة إلى عدم توفر معيل، أو جوّ أسري حاضن. بالطبع، العنصر الخفي، وهو النفسي، أساسي بامتياز، فالصدمات القاسية، والمعاناة من عدم القدرة على المواجهة، والإحباط، جميعها علامات تدلّ على الاستعداد لهذا النوع من الظواهر، ناهيك عن الاضطرابات النفسية التي تولَد لدى الشخص، نتيجة نوعية الحياة المتذبذبة، وغير المستقرة، والوحدة.

أين دور السلطة؟

في كتابها "علم نفس النمو"، تصف الدكتورة مريم سليم، تعاطي أنظمة الدول النامية مع الشيخوخة، بأنها "بصفة عامة، لا تقدّم شيئاً للمسنّين من ناحية المؤسسات الصحية والرعائية، لأن الإنفاق على هذه الأمور هو من الكماليات، خصوصاً في دول تعجّ بالتقلبات السياسية والاقتصادية".

وإجابةً على هذا السؤال، تقول الحاج: "نتساءل اليوم عن السلطة ودورها، والجمعيات التي تمارس الإهمال الزائد تجاه هذه الشريحة، مع غياب تام للقوانين، أو الضمانات، إلا أننا لا نملك سوى التمني بأن تعير السلطة الاهتمام لهذه الفئات المهمّشة، على قاعدة أن الإنسان هو المعيار في حد ذاته".

"بعد الانفجار، أثّر الدمار بشكل غير مباشر عليهم/ هن: الخوف من التشرّد، وفقدان الأمان، والضياع، والرغبة الملحة في الحماية، ونلاحظ سلوكيات تتّسم بالنكوص نحو مراحل الطفولة. عادت ذكريات الحرب الأهلية، والتاريخ الدموي الذي عاشوه، وكانوا جزءاً منه

وتخبرنا زينة ناجي، طالبة ماجستير في علم النفس، عن ساعات تدريبها في مركز المسنّين الذي يقدّم العديد من الخدمات لهذه الفئة: "كأي إنسان، هذه الفئة تحتاج إلى الأمان، والاستقرار، ضمن رعاية شاملة. ولا تختلف سيكولوجية المسنّ/ ة من طبقة إلى أخرى، فحاجاتهم النفسية واحدة، بعكس المادية، والخوف من الوحدة هو هاجس مشترك، إلا أنه ليس للجميع الإمكانات نفسها، مما يعرّض الكثيرين منهم للنبذ، والتشرّد".

وتضيف: "بعد الانفجار، أثّر الدمار بشكل غير مباشر عليهم/ هن: الخوف من التشرّد، وفقدان الأمان، والضياع، والرغبة الملحة في الحماية، ونلاحظ سلوكيات تتّسم بالنكوص نحو مراحل الطفولة. عادت ذكريات الحرب الأهلية، والتاريخ الدموي الذي عاشوه، وكانوا جزءاً منه".

أما بالنسبة إلى ظاهرة التشرّد، فتشير ناجي إلى أن الأعداد في ازدياد، ولكن من دون أرقام وإحصائيات دقيقة، والعين المجردة تستطيع التقاط التحولات الاجتماعية والنفسية في الشارع. "للأسف، هنالك شحّ بالتدخل النفسي والاجتماعي لهذه الفئة التي باتت تتوسع بين اليوم والآخر، والجدير ذكره أن المسنّ/ ة، بغض النظر عن وضعه/ ا المادي والاجتماعي، إنسان على قيد الحياة، تجاهُلُنا له/ ا هو بمثابة قتله/ ا، وهذا ما تفعله السلطة اليوم، فإذا لم تؤمَّن الحد الأدنى من حاجاتهم/ ن المادية، فما بالنا بالنفسية منها؟".

يمرّ الوقت، وتبتلعنا فجوة الأحداث، تاركةً إيّانا ظلالاً متعبةً تحاوط عتم المدينة بخطاها المثقلة. أما عن تيتا، وجورجيت، وغيرهن، فسيبقين حراساً على أبواب المدينة، المدينة التي لا تنام، وتبقى دوماً بعيون منسيّيها أحلى صبية. "كانت بيروت، وتبقى، المدينة الوحيدة التي نعرفها".

*هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard