أتعرفين ما هي الـ Anxiety يا صفية؟

الجمعة 20 أغسطس 202102:16 م

سأل سعيد، في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، زوجته صفية، ما إذا كانت تعرف ما هو الوطن، ولم يعطها الوقت لتجيب، بل أردف قائلاً: "ألا يحدث ذلك كله؟". ونحن، منذ ذلك الزمن، نعيد تكرار هذه المقولة، عند كل حادثة أو حدث، ثم ما يلبث أن يحدث أكثر من "ذلك كله".

لكن، ما لم يخطر ببال كنفاني، أو سعيد، في هذه الحالة، هو أن يسأل صفية ما إذا كانت تعرف ما هي الـ"Anxiety"، أو القلق الذي يولد معنا منذ ولادتنا، في هذه الأوطان التي يحدث ذلك كله فيها؟ معذور كل من غسان، وسعيد، وصفية، فالزمن الماضي علّم من سبقونا، أن الأوطان تأتي قبل صحتنا النفسية، وقبل قلقنا المتجذّر في تربة هذه الأوطان، التي علمونا أن نحبها ونقدسها.

في الحقيقة، القلق الذي أتكلم عنه منعني لأشهر، من أن أخط هذه الكلمات، فتدور الأفكار في رأسي، وتختنق في حلقي. لحظة بعد أخرى، أشعر أنني لن أقوى على الاستمرار، وأنسى، أو أتناسى، أن أفرغ القلق هذا، في مقال قد يزيد من منسوب الأنا عندي، والتضامن أيضاً، فيهدّئ من روعي. لكن ليلة البارحة، وطائرة العدو الإسرائيلي التي حلّقت فوق رؤوسنا بشكل منخفض، كانت كفيلة بأن تجعلني أعيد ترتيب كلماتي.

معذور كل من غسان، وسعيد، وصفية، فالزمن الماضي علّم من سبقونا، أن الأوطان تأتي قبل صحتنا النفسية، وقبل قلقنا المتجذّر في تربة هذه الأوطان، التي علمونا أن نحبها ونقدسها

حالة القلق لدي، بدأت البارحة عصراً، عندما بدأ مخزون الوقود في سيارتي ينقص. لكن "فسحة أمل" ضئيلة ظهرت، عندما علمنا، نحن شعوب هذه الأوطان المنكوبة، أن الوقود سيتوافر غداً صباحاً. وعلى الرغم من الإيجابية في هذا الخبر، ارتفع منسوب القلق لدي، لأبدأ بالتفكير في كيف سأحصل على الوقود، في ظلّ هذه الأزمة؛ في أي ساعة يجب أن أستيقظ، وأي محطة وقود يجب أن أختار، لأجد ما أريد، وأصل إلى مكان عملي؟ هذه الأمور، على سخافتها، تزيد من منسوب القلق، لا بل تجعل الشخص يشعر أنه عبارة عن قنبلة موقوتة تريد أن تنفجر في أي لحظة. حاولت ألا أستسلم، وهاتفت أمي. في سياق الحديث، أخبرتها عن عارض صحي آني ظهر عليّ، وسألتها إذا كانت تعرف عنه شيئاً… ثم أردفت: "تعرفين شيئاً؟ لا أريد لهذا الوسواس القهري أن يأكلني أكثر. لا أريد أن أعرف ما يحصل. غداً سأتصل بطبيبي، وسيكون كل شيء على ما يرام".

حاولت أن أجلس على شرفتي، لأحصل على أكبر قدر ممكن من الهواء، في ظل انقطاع الكهرباء، وأنا أفكر في أني يجب أن أكتب عما يحصل في داخلي، وفي داخلنا جميعاً… لكني استسلمت، وبدأت بقراءة كتاب "مأساة ديمتريو"، الذي أهدتني إياه صديقتي مطلع هذا العام، وكتبتْ على الصفحة الأولى، أمنياتها بأن يكون عامي الجديد أقل قلقاً من العام الماضي... للحظة، شعرت بالفرح، وأنا أقرأ السطور، وبالامتنان لهذه اللحظة من السكينة، ومن الراحة النفسية، كوني تمكنت من جعل طفلي الصغير "القلق"، ينام باكراً.

لكن هذه الأوطان لا تعرف إلا أن توقظ القلق. اعترضت طائرة العدو سماء هذا الوطن الفسيح، وحلقت على علو منخفض. رأيتها، وحاولت الهرب. لدقائق معدودة، كنت أفكر أين سيجدوني متوفاةً؟ في غرفة النوم؟ أو سينشطر زجاج الشرفة الكبير على جسدي، تماماً مثلما حدث يوم تفجير بيروت، في الرابع من آب/ أغسطس؟ تذكرت صديقي في العمل، الذي نجا من التفجير، لأنه اختبأ في الممر الضيق لمنزله، يومها. فعلت مثله، وبدأت أعد اللحظات. أريد أن أصل إلى هاتفي، لأعرف ماذا يجري، لكني خائفة... وقلقة، وأريد أن أرى، للمرة الأخيرة، سماء بيروت، من شرفة منزلي المطل. لكن فكرة أن الزجاج سيأكل جسدي، أقلقتني أكثر… اختفى الصوت مع الوقت، لكني بقيت مكاني، ألملم نفسي.

هذا الوطن يطعمك القلق، مع خبزك اليومي، يا صفية... ربما، في النهاية، الوطن هو أن يحدث هذا كله، ونرحل يوماً ما

عندما كنت صغيرة جداً، كنت إنسانة قلقة. ربما، وُلد هذا القلق معي، لكني لم أكن أعرف يوماً ما الذي يجول في هذا الرأس. هو قلق مفرط أو anxiety يقطع عني التنفس، ويجلعني أسيرة الفراش، ساعاتٍ طويلة من النهار. هذه الأوطان، لا تعلّمنا معرفة ما الذي يجري في داخلنا، لا بل يذهب عمرنا ونحن نبحث عن أجوبة عما يحدث، لتعود الطبيبة النفسية، في عيادة أصغر من علبة السردين، لتخبرني أن ما حدث، ويحدث، وسيحدث، هو قلق مفرط. هي تحاول أن تعطيني نصائح، لكي أتقبل فكرة ما يجري… كونها لا تعلم (وقد تعلم)، أن هذا الوطن يا صفية، ليس مكتوباً لنا العيش فيه، بأقل الاضطرابات الممكنة... هذا الوطن يطعمك القلق، مع خبزك اليومي، يا صفية... ربما، في النهاية، الوطن هو أن يحدث هذا كله، ونرحل يوماً ما.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard