“أحرق راتبي الشهري وأتدفأ به”... اللبنانيون يقفون عاجزين على عتبة الشتاء

“أحرق راتبي الشهري وأتدفأ به”... اللبنانيون يقفون عاجزين على عتبة الشتاء

حياة

الثلاثاء 26 أكتوبر 202105:12 م

“سيأتي الشتاء ويأخذ معه كل ما نملك من مال. ربّما من الأفضل أن أحرق راتبي الشهري وأتدفّأ به بدلاً من البحث عن الوسيلة الأفضل والأوفر لتجنّب البرد الذي سيعيش داخل حيطان المنزل ويؤلم أجسادنا”.

بهذه الكلمات تصف ثريا الأحمد (35 عاماً) المقيمة في منطقة مجدليون التي انتقلت إليها من منطقة كفرفالوس، محنتها مع فصل الشتاء. مضيفة: “إذا أردت أن أجمع راتبي الشهري الذي أتلقاه مقابل عملي في محل القماش، وراتب زوجي الذي يعمل في مجال بيع قطع السيارات في الجنوب، لن يتخطّى مجموعهما 200 دولار أمريكي بحسب سعر الصرف اليوم. أحياناً أقل أو أكثر بحسب عمل زوجي. لا أدري كيف سنحمي أنفسنا من البرد؟”

انتقلت ثريا مع زوجها من منطقة كفرفالوس، قضاء جزّين، إلى شرق صيدا بهدف توفير بدل أجرة الطريق، وتسجيل ابنتهما في مدرسة رسمية في المدينة. تشرح: “منذ بدء الانهيار ونحن نتنقل ونبدّل حياتنا بناءً على إيقاعه. لكننا دائماً ما نصل إلى حائط مسدود ونشعر أنه لم يعد بإمكاننا احتمال الأحداث اليومية. الآن مع قدوم الشتاء وعدم توفّر الأدوات اللازمة، سيحل البرد علينا”.

ومثلهما يتخوّف معظم اللبنانيين من حلول الشتاء وكل ما سيحمله من مصاعب مفروضة عليهم في ظل الانهيار الاقتصادي الجارف. في دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) تحت عنوان “الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان: واقع أليم وآفاق مبهَمة”، كشفت أن الفقر أصبح يطال 74 % تقريباً من مجموع سكان البلاد. وأشارت إلى أن نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد تصل إلى 82%، إذا تم أخذ أبعاد أوسع في الاعتبار، مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة بينما كانت تبلغ 42% في العام 2019.

هذه الأرقام ليست على الورق فقط، فهي في الواقع تشرح حال معظم سكان لبنان، وتعكس تفاصيل حياتهم التي تبدّلت. وكل من يتلقّى راتبه بالليرة، إن كان من أبناء الساحل أم من سكان البلدات المرتفعة، سيعاني من عدم قدرته على تأمين الأمان الجسدي لنفسه خلال الشتاء.

“محرومين من النسمة ومن الدفا”

أمام مدخل منطقة الجميزة، يقف العم نبيل أبو الخدود (58 عاماً) وهو سائق سيارة عمومية يقفل الشوارع الرئيسة منذ أيام احتجاجاً على ارتفاع سعر صفيحة البنزين، وعدم قدرته على تأمين قوته اليومي.

عند سؤاله عن تحضيراته لفصل الشتاء، قال لرصيف22: “عم تسأليني عن الشتا؟ نحنا محرومين من النسمة بالصيف ومن الدفا بالشتا. انشالله نعرف شو بدنا نعمل اليوم لنعرف شو بدنا نعمل بعد شهر”. وأضاف بنبرة مليئة بالقهر: “اليوم أقف هنا، أقفل الطرقات احتجاجاً على عدم قدرتي على التنقّل فيها. هذه الطرقات وزواريبها تؤمّن لقمة عيشي. في منزلي، يكفي أن ينظر أحدهم إلى السقف ليفهم كيف سيكون الشتاء القادم، حيث ستنزل المياه على رأسي لعدم قدرتي على طلاء السقف”.

يعيش أبو الخدود مع زوجته في منطقة الشويفات، في منزل مستأجر وغير مؤهّل بحسب قوله لاستقبال الشتاء. يقول: “قبل تفشي وباء كورونا، حين كان عملي لا يزال منتجاً، أردت أنا وزوجتي أن نبتاع مجموعة جديدة من السجاد. كنّا نرمّم السقف كل عام، ونطلي الحيطان. اليوم، صارت هذه الرغبة حلماً مستحيلاً، لأن سعر السجادة الواحدة بات حوالى المئة مليون ليرة، هذا إذا كانت السجادة عادية. لدينا مدفأة تعمل على الغاز وأخرى على الكهرباء. الكهرباء مقطوعة في كل لبنان، والاشتراك الذي نعتمد عليه لا يتعدّى الخمسة أمبير. ولذلك سيتوجّب علينا كل شهر، شراء قوارير الغاز. حالياً، سعر القارورة 300 ألف ليرة. كل ما أجنيه من مال سيصرف بهدف تأمين تدفئة محدودة. وأقول محدودة لأننا سنضطر إلى تسخين المياه على الغاز أيضاً بهدف الاستحمام”.

“يعتمد الناس على جفت الزيتون عبر تحويله إلى حطب، وعلى قطع الأشجار من الأحراش. وكل من يملك بستاناً أو قطعة أرض مزروعة يعتمد على الحطب الذي بإمكانه تحصيله منها”

في جولة على أبرز محال بيع الأدوات الكهربائية في منطقة كورنيش المزرعة، تبيّن أن سعر المدفأة الكهربائية يترواح بين 50 و200 دولار. وسعر المدفأة التي يحتاج تشغيلها إلى اشتراك مولّد كهربائي (موتور) لا يقل عن 10 أمبير في الشهر الواحد تعادل تكلفته حوالى أربعة ملايين ليرة. المدافئ تخدم هؤلاء الذين يعيشون في المدن. أما في القرى فلا يمكن الاعتماد إلا على مدافئ الحطب والمازوت لمحاربة البرد القارس.

العام الماضي، كان سعر صفيحة المازوت (20 لتراً) يراوح بين 14 و17 آلاف ليرة. هذا العام يبلغ حوالى 220 ألفاً. أما الحطب فكان سعر الطن بين 200 و250 ألف ليرة في العام 2019، وبلغ هذا العام نحو أربعة ملايين.

العائلات البقاعية والجبلية، التي كانت تعتمد على تخزين المازوت والحطب قبل حلول أيلول/سبتمبر. حُرمت من هذا الحق هذا العام بسبب الأزمة الاقتصادية. ولجأت إلى وسائل جديدة تضمن عدم تعرّضها للخطر في الشتاء.

الجرود والحرائق

يحكي علي علّوه (24 عاماً)، ابن منطقة الهرمل عن الشتاء، بادئاً بالحرائق التي شهدتها جرود المنطقة بالإضافة إلى جرود الهرمل. يقول إن اتّهامات سياسية عدّة طالت هذه الحرائق التي وُصفت بأنها مفتعلة وتهدف إلى تدمير الغابات بهدف بيع الحطب في ظل الشح الحاصل في المواد الأوليّة وتدني القدرة الشرائية عند الناس. إذ بعد اندلاع النيران في الجرود يتمكّن الناس من أخذ الحطب دون حسيب أو رقيب.

وعن التدابير التي يعتمدها أبناء منطقته قبل الشتاء. يقول: “هذا العام يعتمد الناس على جفت الزيتون عبر تحويله إلى حطب يُستخدم بهدف التدفئة في الصوبيا، وعلى قطع الأشجار من الأحراش. وكل من يملك بستاناً أو قطعة أرض مزروعة يعتمد على الحطب الذي بإمكانه تحصيله منها”.

ويضيف: “العائلات المنتمية للطبقة المتوسّطة هي وحدها القادرة على شراء الحطب، ولذلك الوضع مرعب بالنسبة لأغلب العائلات التي تسعى حالياً إلى إيجاد الحلول في الوقت الذي يجب أن تبدأ باستخدام وسائل التدفئة. هذه العائلات التي تضم أطفالاً يستيقظون في الأيام الدراسية منذ الصباح الباكر حين تكون الحرارة منخفضة، والتي تعد الطعام على المدافئ (الصوبيا) عوضاً عن استخدام الغاز الذي صار سعره قاتلاً، تنتظرها كارثة حقيقية”.

ويرى علّوه أنه في ظل الوضع الحالي الذي تعيشه العائلات الأكثر عوزاً، تبرز المساعدات الحزبية لها في محاولة لاستثمار أصواتها في الانتخابات المقبلة.

المازوت بدلاً من الحطب

في البقاع الغربي، تعيش ليلى فرحات (56 عاماً) مع عائلتها المكوّنة من أولادها الأربعة. تجزم أنها هذا العام لم تشتر حصّتها السنوية من الحطب بسبب سعره المرتفع جداً، وفضّلت أن تنتظر ريثما يتوفّر المازوت. وتؤكد أنهم سيعتمدون على أكثر من مدفأة بهدف طرد البرد من كل المنزل وذلك عبر تقنين كمية المازوت المستخدمة.

يقول ابنها حسين إنه في الوقت الحالي يقصد مكان عمله على دراجته النارية، التي يملأها بالوقود بقيمة 100 ألف في الأسبوع الواحد. الشهر المقبل، حين تبدأ الحرارة بالانخفاض وتفيض المياه في الشوارع ومن بعدها الثلوج، سيتنقّل بسيارته التي ستكلفه خلال اليوم الواحد 100 ألف ليرة.

في ظل الوضع الحالي الذي تعيشه العائلات الأكثر عوزاً، تبرز المساعدات الحزبية لها في محاولة لاستثمار أصواتها في الانتخابات المقبلة

ويضيف: “راتبي الشهري لا يتخطّى المليون ونصف ليرة. لكنّنا نحاول أن نيسّر أمورنا بقدر الإمكان. إخوتي وأنا لا نعرف أسعار الملابس هذا العام، لأننا توقّفنا عن السؤال حين تحوّل المازوت إلى أولويتنا وصار اللباس الشتوي من الكماليات”.

يشرح حسين أنهم سيبتاعون المازوت بدلاً من الحطب لأن الأخير أغلى بكثير. فعلى الرغم من أنه يؤمن نسبة دفء أعلى لكن مصروفه أعلى. أما بالنسبة للمازوت، فيحتاجون تقريباً إلى ستة براميل لموسم الشتاء تبلغ قيمتها حوالى 900 دولار أمريكي أي ما يوازي 18 مليون ليرة بحسب قيمة سعر الصرف الحالي. ويختم: “انشالله ما نضطر نقص الشجرات حتى نتدفّا”.

"لا ملابس لي هذا الشتاء"

في بيروت، حيث البنى التحيتة غير مجهّزة سيكون فصل الشتاء صعباً. منذ بدء انقطاع الكهرباء، العام الماضي، يلجأ معظم البيروتيين إلى التدفئة النابعة من الملابس. هذا العام، لن تتمكنّ د. قليلات (24 عاماً) من استخدام هذه الحيلة.

قليلات التي تعمل في متجر للعطورات في شارع الحمراء، تتلقّى راتبها الشهري بالليرة. الأعوام الماضية جاء الشتاء أثناء فترة الحجر الصحي، لذا لم تضطر إلى شراء ملابس جديدة، واكتفت بتلك التي تملكها، والتي مع الوقت صارت قديمة ومهترئة. تقول لرصيف22: “أخرج من مكان عملي وأتوجّه نحو المتاجر المحلية لأجد أن أقل كنزة يبلغ سعرها 300 ألف ليرة. أما بالنسبة للأحذية الشتوية، ذات النوعية الجيدة فصار سعرها يراوح بين 500 ألف ومليون ليرة. الواقع سيفرض عليّ انتعال حذاء جلدي تتسرّب إلى داخله المياه. لأن سعر الحذاء الجيد يوازي بدل إيجار المنزل وتناول الطعام على مدّة أسبوع كامل”.

وتختم: “الأماكن التي كنت أقصدها سابقاً بهدف التسوّق صارت اليوم لفئة لا أنتمي إليها. لا أطالب بالكثير، أريد فقط أن أظهر بملابس جميلة ومرتّبة خلال فصل الشتاء. لكن حتى هذا الطلب من الصعب تلبيته. والهدف الأساسي اليوم هو تأمين تعليمي وطعامي ومنزل أعيش فيه مع عائلتي. الملابس لم تعد متوفّرة لنا نحن الذين نعمل بهدف أن ننجو من الجوع والحاجة”.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
Website by WhiteBeard