"لو أنجبتُ ابناً من صلبي، ما كنت لأحبه أكثر"... عالم الاحتضان بعيون آباء مصريين

الثلاثاء 21 سبتمبر 202104:58 م

أمضيت ساعات طويلة وأنا أبحث في عالم الاحتضان والكفالة، وأكتب عنه. ذلك العالم الذي ظهر مؤخراً على الساحة، وحاز على اهتمام الكثيرين. بلغت موجته أوجها، مع عرض الجزء الثاني من مسلسل "ليه لأ؟"، الذي يحكي قصة يونس، وأمه، واحتضانهما ندى، والتي مست شغاف قلوب آلاف مؤلفة من المتابعين.

قابلت معلومات وحقائق مبهرة، عند دخولي في أكبر مجتمعات الاحتضان المصرية، مثل مؤسستَي "الاحتضان في مصر"، و"يلا كفالة"، ولاحظت في نقاشاتي، وقراءاتي، أن التركيز الأكبر في عرض تجارب الاحتضان، يتمحور حول الأمهات الحاضنات، ومشاعرهن، وتجاربهن.

استوقفتني قلة قصص الآباء الحاضنين، وتجاربهم، وثار فضولي لسماع حكاياتهم، والاقتراب من عالم الاحتضان، ورؤيته بعيونهم، فتحدثت مطولاً مع آباء خاضوا التجربة، وسمعت قصصهم، ومشاعرهم. انبهرت كثيراً بتشابه بعض التفاصيل، والأحاسيس، إلى درجة التطابق، واختلاف بعضها الآخر، طبقاً لخصوصية كل تجربة.

أنصتُّ كثيراً، وغادرت بإجابات جميلة، بعد نقاشاتي مع أربعة آباء: محمود ج.، وإياد الطباع، وعلاء مصطفى، ومحمد العراقي، حول قصصهم، وكيف وصلوا إلى قرارهم النهائي بكفالة طفل/ ة في بيتهم. كيف شعروا في البداية؟ وكيف تغير ذلك في ما بعد؟

دوافع متقاربة، ومشاعر مختلفة

اشترك عدد كبير من الأهل الحاضنين في دافع عدم القدرة على الإنجاب، وتباينوا بين مؤيد فوري لفكرة الاحتضان، ومتخوف سار تدريجياً نحو الاقتناع، بعد بحث وقراءات.

تركز حكايات الاحتضان على الأمهات ومشاعرهن، في حين لا نسمع كثيراً عن الآباء الحاضنين وحكاياتهم، ولا نرى هذا العالم بعيونهم.

يقول محمود، وهو مهندس برمجيات ثلاثيني مقيم في القاهرة: "مكثنا تسع سنوات نحاول الإنجاب. زرنا الكثير من الأطباء، وأجرينا عمليات جراحية، لكن الله لم يرزقنا. وصلنا إلى مرحلة صارت فيها الحياة مملة، وبلا جديد. كنا نحتاج إلى أمل، لتظل الحياة مستمرة. اقترح علينا البعض، أن نزرع، أو أن نقتني حيواناً أليفاً، ولكني ارتأيت أنّ الأولى من ذلك كله، هو الاحتضان. أخذنا القرار، وبدأنا رحلة الإجراءات مع وزارة التضامن الاجتماعي".

وجاءت أسباب الطبيب علاء المقيم في الجيزة مشابهة، إذ أمضى تقريباً المدة نفسها، قبل قرار الاحتضان. يقول لنا الرجل الثلاثيني: "تزوجنا قبل عشر سنوات، ولم نُرزق أطفالاً. من عامين، أو ثلاثة، تابعت زوجتي موضوع الاحتضان، وأخبرتني به. لم أكن مقتنعاً في البداية، إذ كنت متخوفاً من ألا أتمكن من الشعور بعاطفة الأبوة تجاه الطفل، لكن زوجتي أدخلتني في مجموعة ‘الاحتضان في مصر’، وقرأت عن تجارب الناس، فاقتنعت بالموضوع، ورزقنا الله بمهند".

أما إياد (48 عاماً)، فامتدت قصته ضعف الوقت تقريباً، قبل أن يقرر احتضان طفل، لكنه تشارك التخوفات الأولية نفسها مع علاء.

قص عليّ عندما سألته: "كانت زوجتي تفكر منذ زمن في الاحتضان. تزوجنا قبل ثلاث وعشرين سنة، واحتضنّا زيداً بعد تسعة عشر عاماً. كنت قلقاً من ألا أستطيع رؤيته كابن، لكن سبحان الله، بعد أربع سنوات، عرضت زوجتي الفكرة عليّ مرة أخرى. وافقت، وسرنا في الإجراءات".

على صعيد آخر، لم تكن تلك حالة محمد في تجربة الأبوة الأولى، فقد كان أباً لبنتين، من زواج سابق، ولكنه لم يرزق في زواجه الحالي بأطفال، ما دفعه وزوجته رشا نحو الاحتضان، كما أخبرني المهندس المعماري ذو الثمانية وأربعين عاماً.

"أحب الأطفال كثيراً، وأراهم مصدراً للطاقة الإيجابية، وللمحبة في المنزل، وهم يقرّبون الزوجين من بعضهما. عندما تزوجت رشا، عرفنا أنه لا توجد إمكانية للإنجاب. اقترحت عليّ الكفالة، وأُعجبت بفكرة أن نأتي بطفل إلى بيتنا ونربّيه، خاصةً أني أحب اللعب مع الأطفال، وتعليمهم، كما أنهم يمدونني بطاقة لطيفة تجعلني في غاية السعادة".

إياد مع ابنه بالاحتضان زيد

إياد مع ابنه بالاحتضان زيد

محتضَن وبيولوجي: ما الفرق؟

من الأسئلة الشائعة التي تثير فضول كثيرين، الفرق بين الشعور تجاه الابن المحتضَن، ونظيره البيولوجي. سؤال هيمن الإجماع التام على إجاباته، إذ يقول علاء عن ابنه مهند:

"لا أجد أي فرق في الشعور، سواء داخل البيت أو خارجه. أنا وزوجتي نشعر وكأنه ابننا حقيقةً. لو كنت أنجبت ابناً من صلبي، لا أعتقد أني كنت سأحبه، وأتعلق به، أكثر من مهند".

ويؤكد إياد -وهو مقيم بين مصر والسعودية ويعمل في الأخيرة مديراً لمركز سيارات- ذلك بقوله: "إحساسي أنه كالإنجاب الطبيعي بالضبط؛ الأب أب، والأم أم. الأب يحب أن يكون له صديق يأخذه في مشاويره، ويلاعبه، وأشعر في حالتنا أن زيداً هو ابننا الحقيقي. أرضعته زوجتي، وكذلك زوجة أخي، والعائلة كلها تحبه. هو سعيد، ونحن سعداء، والحمد لله".

"لا أجد أي فرق في الشعور، سواء داخل البيت أو خارجه. أنا وزوجتي نشعر وكأنه ابننا حقيقةً. لو كنت أنجبت ابناً من صلبي، لا أعتقد أني كنت سأحبه، وأتعلق به، أكثر من مهند".

ولا يختلف رأي محمود عن رأيَيهما: "عمر هو ابني بالكفالة، وليس ابني البيولوجي، لكنها المشاعر نفسها بالضبط، ويعلم الله كم أحبه، وأعطيه ما في استطاعتي من وقت ومال ومجهود، كله؛ لا أشعر للحظة أنه ليس من صلبي. أجمل ما في التجربة، أني أراه يكبر أمام عينيّ، يوماً بعد يوم. أشاهده يتطور مذ كان يحبو، حتى صار يمشي، والآن يقفز ويجري. أرى تطوره في التكلم، وقدرته على أن يقول أبي وأمي، وينطق الأسماء، ويتعرف على الأشياء".

وذهب محمد إلى أبعد من ذلك، عندما رأى أن مشاعر الأبوة تجاه الطفل المحتضَن، تكون أشد وأحنّ: "لا أرى فرقاً بين الإنجاب الحقيقي والاحتضان. على العكس، الاحتضان يمنح عاطفة جامحة فوق الطبيعي، تجاه الطفل. أظل أتخيل ماذا كان سيجري، لو لم يكن معنا، وبقي في الدار مجهول المصير!".

ويضيف: "عندما أخذنا مصطفى، وعمره كان مجرد أيام، لم أفكر إطلاقاً في أنه مكفول. مجرد طفل حل بيننا، وبدأنا نربّيه، وبالفعل فإن شعوري تجاهه، كالابن بالضبط. أحاول منحه خبرتي في الحياة، وألاعبه بالألعاب نفسها التي أحب، ولم يتغير هذا مع الوقت أبداً، بل على النقيض، كلما كبر مصطفى، كلما ازدادت محبتنا له، وتعلقنا به".

علاء مع ابنه بالاحتضان مهند

علاء مع ابنه بالاحتضان مهند

فائدة مشتركة

وفي سرد جميل تفصيلي، شرح لي محمد نظرته إلى الفائدة المشتركة لتجربة الاحتضان على طرفيها؛ الأسرة والطفل: "أجمل ما في الاحتضان، أنه يمنح غير القادرين على الإنجاب أملاً، ليس لأنهم ينقذون طفلاً من مستقبل مجهول، ويمنحونه عائلة، من أخوال وخالات وأعمام وعمات، فحسب، لكن الاحتضان ينقذ الأسرة نفسها. من يعلم إن كان الزوجان سيكملان معاً من دون وجود أطفال؟ الطفل يقرّب بين الأب والأم، ويدفعهما لبذل ما يملكان كله.

يجب أن يكون الكافل قادراً على منحه محبة وعاطفة صادقتين. إن لم يكن هذا في استطاعته، فالأفضل ألا يتكفل به.

أنت أيضاً تعطي هذا الطفل حياة مختلفةً تماماً عما كان سيراه في الدار. أتأمل مصطفى كل يوم، وأفكر: جميل، وطيب، وذكي، وخلوق، ومتميز في الدراسة، ويتحدث الآن الإنكليزية والعربية. أظل أفكر وأتساءل: أكان ليصير كذلك في الدار؟ الحمد لله أننا أخذناه، ومنحناه ما استطعنا، حباً واهتماماً وحناناً".

ولكن هناك قطعاً بعض التحديات، كما يحكي محمود: "قد يكون التحدي الأكبر عندما يكبر، وأحتاج إلى أن أخبره بقصته. يقترح الناس أن نبدأ بالتمهيد في سن الثالثة، أو الرابعة. سيكون هذا تحدياً له أيضاً.

على الأقل، أتمنى أن يكون سعيداً، ومحباً لنا، لما قمنا به، ولأنه يحيا مع أب وأم يحبّانه، وأن يعيش رافعاً رأسه، من دون أن يشعر بأنه أقل من غيره بأي شكل. أتمنى أن يكبر بلا أذى نفسي، بسبب تجربته. هذا هو التحدي الأكبر بالنسبة إلي".

التأهيل النفسي للأسر المحتضِنة

صادف كثيرون منا، مؤخراً، على مواقع التواصل مقطعاً ليمنى دحروج، مؤسسة "الاحتضان في مصر"، وهي تبكي تأثراً على طفلة أعادها أهلها إلى الدار، بعد ثلاث سنوات من الاحتضان، عندما أصبحت الزوجة حاملاً، فبدأت الطفلة تصرخ وراء أبيها وأمها، غير مدركة ما يدفعهما للتخلي عنها.

أشعل هذا الحادث الأليم حملة "الاحتضان مسؤولية مش تراند"، التي لاقت صدى واسعاً، بسبب تخوفات كانت موجودة بالفعل، بعد التصاعد الكبير لشعبية الاحتضان، وشارك العديد من المشاهير، والصفحات الكبيرة، في التوعية بجدية الاحتضان، والالتزام، والمسؤولية، تجاه الطفل.

يعلّق علاء على هذه النقطة بالقول: "على الوزارة الاهتمام بالجانب النفسي للأسر المحتضِنة. نرى الحالات المأسوية التي تحدث من أسر تأخذ الأطفال، ثم تعيدهم بعد شهور عدة، أو بعد سنة. يجب أن تكون هناك اختبارات نفسية، وتأهيل نفسي، لأن الأمر لا ينعكس سلباً إلا على الطفل نفسه، لذا أتمنى أن تعطي الوزارة هذا الجانب أولويةً عن الورق والروتين الحكومي".

ويبرز محمد نقطة مهمة أيضاً: "الكفالة ثوابها كبير عند الله، لكني أرى أنه لا يجب أن يكون هذا هو الدافع الوحيد لأن يكفل أحدهم طفلاً، لأنه إن اقتصر السبب على الثواب، فهذا ظلم للطفل. يجب أن يكون الكافل قادراً على منحه محبة وعاطفة صادقتين. إن لم يكن هذا في استطاعته، فالأفضل ألا يتكفل به".

عقبات قانونية

جدير بالذكر أن خطوات الاحتضان معقدة، وفيها روتين كبير، وينزعج كثيرون من قائمة الشروط الطويلة التي تضعها وزارة التضامن، للسماح باحتضان طفل، والتي تمتلئ بإجراءات ورقية، وإثباتات من مصالح حكومية، وضامنين، و"فيش وتشبيه"، لفحص الصحيفة الجنائية، وزيارات من الوزارة للمنزل، والعائلة، وغير ذلك الكثير.

"على الأقل، أتمنى أن يكون سعيداً، ومحباً لنا، لما قمنا به، ولأنه يحيا مع أب وأم يحبّانه، وأن يعيش رافعاً رأسه، من دون أن يشعر بأنه أقل من غيره بأي شكل. أتمنى أن يكبر بلا أذى نفسي، بسبب تجربته. هذا هو التحدي الأكبر بالنسبة إلي"

وبعد الاحتضان، تظهر مشكلات أخرى في التعامل مع المصالح، والمؤسسات الحكومية والخاصة، والتي على الرغم من الوعي المنتشر كله، وتغيير الثقافة تجاه الطفل المحتضَن، ما زالت مصمَّمةً على إبراز اختلاف الأطفال المحتضَنين عن نظرائهم البيولوجيين، ووضع عقبات أمام اندماجهم التام في أسرتهم، ومجتمعهم، بلا إحساس بالغربة.

يريد الأب أن يمنح ابنه مميزات اسمه كلها، ويشعر بأنه ظهره وسنده، كأب حقيقي فعلياً، وأمام القانون، فيُصدم بمواقف تخبره بأنه لا تحق له أشياء معينة، لأنه ليس "أباً بيولوجياً"، فيقف عاجزاً مقهوراً، ويعطله الروتين، والرسميات الورقية.

يشرح محمد تجربته في هذا الصدد: "أمضيت أشهراً عدة، وأنا أحاول وضع اسمي الأخير ‘العراقي’، إلى جانب اسم مصطفى، وهناك الكثير من العقبات والمشكلات، والقوانين التي في حاجة إلى تغيير.

حتى في اشتراكات النادي، يجب أن أقدّم طلباً، وأنتظر لأرى إن كان سيوافَق عليه، أم لا، حتى يتبع مصطفى عضويتي. الموضوع أصعب مع الناس، والحكومة، والمصالح، لأنهم لا ينظرون إليه كابن حقيقي".

لا شك أن الصورة النمطية السائدة عن ضعف المشاعر، والعاطفة، عند الآباء، ليست دقيقة، بل نرى أنها بعيدة أشد البعد عما لمسته من دفء وجمال في حكايات الآباء المحتضِنين؛ دفءٌ يزيدنا أملاً في انتشار الوعي عن الاحتضان، وتكسير القيود المجتمعية البالية التي تحيط به. ربما يتحقق الحلم بعودة الأطفال جميعهم إلى أماكنهم الطبيعية التي خُلقوا ليستقبلوا فيها الحب، والحنان، والدعم: البيوت الدافئة، لا الملاجئ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard