“سأحضن أبي عندما يموت“... عن علاقة الفتيات بآبائهن في المغرب

الثلاثاء 23 يونيو 202004:15 م

احتفل عدد من المغاربة هذا العام بعيد الأب، مثل بقية العالم، ولكن خصوصية هذا اليوم لدى الكثيرين منهم، هي مزيج من المشاعر المختلطة التي تحكمها سلطة التقاليد، والتي تمنع الإفصاح عن المشاعر بين أفراد الأسرة الواحدة.

في الواقع، يعدّ هذا العيد غريباً لدى عدد كبير من المغاربة، ولو أنهم يتظاهرون بعكس ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يفضل الأبناء مشاركة صور لآبائهم، مرفقة بكلمات رقيقة مليئة بالحب والعاطفة تجاههم، لكن غالباً ما يكون هذا السلوك بعيداً عن أعين الآباء أنفسهم.

"لم أقبّله يوماً"

"لم أقبّل والدي على وجنتيه يوماً... ولم أخبره بأنني أحبه وأشتاق إليه"، بهذه العبارات تحكي نادية، شابة في عقدها الثالث، عن علاقتها بوالدها.

تضيف نادية، جميلة الملامح وأنيقة المظهر، بنبرة هادئة لرصيف22: "سؤالك غريب، عن عيد الأب"، تصمت لبرهة، وتبتسم ابتسامة حذرة: "لم أبح يوماً بشكل علني عن علاقتي بوالدي"، تستطرد مسرعة: " لا شك أحترمه وأحبه جداً، لكن ولا يوم عبرت له عن حبي بشكل مباشر، بمعنى ولا يوم قلت له أحبك".

هناك نوع من الرهبة والقداسة التي تمنع أفراد الأسرة المغربية من تبادل العواطف فيما بينهم"

تقول نادية إن شيئاً ما كان يمنعها من التعبير عن حبها لوالدها، دائماً ما تتردد في التعبير عن اشتياقها له، سواء بقول عبارة "أحبك" أو "اشتقت إليك"، أو حتى أن تقبله على وجنتيه أو تعانقه.

"حاولت أن أعبر عن مشاعر الحب تجاهه أكثر من مرة، لكنني كنت أتردد أو ينتابني خجل شديد، شيء خفي كان يمنعني، بصراحة كنت أخاف من ردّة فعله أو صدّه لي، إذا قلت له اشتقت لك، أو أحبك مثلاً".

تحكي نادية، والتي تعمل موظفة في إحدى المؤسسات الخاصة في قطاع الخدمات في الدار البيضاء، لرصيف22، أن والدها هو الآخر لم يخبرها يوماً بأنه يحبها، أو بادر إلى تقبيلها أو ضمّها بحنان، كتعبير منه عن حبه لابنته الوحيدة.

وبموازاة ذلك، تذكر نادية أن والدها لم يكن عنيفاً معها يوماً، لكنه في المقابل يتظاهر بالصرامة كثيراً، تقول: "قبل عشر سنوات، كنت أحاول دائماً أن أكسر حاجز الخجل، والخوف من والدي، الذي أحبه جداً، لكن كنت متخوفة من رد فعله، لأنه شخص صارم ومحافظ كأغلب الآباء في مجتمعنا، وبالتالي كنت أكبت مشاعري تجاهه".

"أبي سور عالٍ"

أما وفاء، في عقدها الثالث من العمر، فهي الأخرى لا تستطيع التعبير عن حبها لوالدها، تبرر ذلك قائلة: "لم أعتد على ذلك، أنا أحبه لكنني لا أعرف كيف أعبر عن حبي له، فهو شخص عرف كيف يبني سوراً كبيراً بيني وبينه، هذا السور مليء بالاحترام لكنه عال جداً، لدرجة أنني لا أستطيع ضمه بحنان".

تتابع وفاء، وهي ربة بيت، حديثها لرصيف22: "طبيعة علاقة الفتاة إبان مرحلة الطفولة مع أبيها، يمكن أن تحدد معالم شخصيتها معه عندما تصبح ابنة ناضجة".

تشرح وفاء وجهة نظرها، مسترسلة: "أرغب بشدة أن أعانق أبي لكن لا أستطيع، وهو المسؤول عن ذلك، فأنا لا أتذكر يوماً أنه قبّل وجنتي وأنا صغيرة، أو أنه مثلاً بادر إلى ضمّي إليه بحنان"، تستطرد: "لكنه في نفس الوقت لم يكن قاسياً أو عنيفاً، بالعكس كان حنوناً، كان يعبر عن حنانه بطريقته الخاصة".

لا أتذكّر يوماً أن والدي قبّل وجنتي وأنا صغيرة".

تقول وفاء:" صدقاً يبدو أنني سأعانق والدي عند مماته فقط، ستكون تلك اللحظة الأخيرة، ولا ألوم نفسي على ذلك، فهو المسؤول عن هذا، لم يعلمني كيف أعبر عن مشاعري الصادقة اتجاهه".

اتفقت كل من وفاء ونادية أن مرحلة المراهقة من أكثر المراحل التي تحتاج فيها المرأة لأن تكون قريبة من والدها، لأنها تكون نفسياً قد بدأت تتشكل كامرأة، وتريد أن تتعرف على الجنس الآخر بشكل أعمق، ويكون أول من تصادف في حياتها من هذا الجنس هو الأب، ما يجعل علاقة الأب بابنته في تلك الفترة هامة جداً، لأنها تتحكم في مدى توازنها النفسي.

"أبي حذرني من مكر الشباب"

في هذا السياق، تتذكر وفاء حينما بادر والدها إلى أخذها إلى أحد المقاهي الشهيرة في ساحل الدار البيضاء، تحكي أنها كانت في عمر السادسة عشر، أراد والدها تحذيرها من مكر الشباب وضرورة الحفاظ عن نفسها كفتاة.

وتشير وفاء إلى أنها جلست رفقة أبيها في المقهى المذكور، الذي كان ممتلئاً بشباب وبنات، بادر والدها في الحديث أولاً، كانت المرة الأولى والأخيرة التي تخرج فيها وفاء مع أبيها.

طلب منها والدها النظر إلى الشباب الذين كانوا يواعدون البنات داخل المقهى، وشدَّد الأب على أن الشباب لا يترددون في قول نفس الكلام المعسول لجميع الفتيات بدون استثناء، وبالتالي وجب على الفتاة أن تكون ذكية وفطنة لمكرهم.

في بادئ الأمر، بدا حديث الأب غريباً وغير مفهوم بالنسبة لوفاء، التي تفيد لرصيف22 أنها سخرت من كلام والدها في قرارة نفسها، لكنها لم تستطع البوح بما كانت تفكر فيه في ذلك الوقت.

"لم أعتد على ذلك، أنا أحبه لكنني لا أعرف كيف أعبر عن حبي له، فهو شخص عرف كيف يبني سوراً كبيراً بيني وبينه، هذا السور مليء بالاحترام لكنه عال جداً، لدرجة أنني لا أستطيع ضمه بحنان"

وأكدت وفاء على أهمية العلاقة بين الأب وابنته، خاصة في فترة المراهقة، والتي تتشكل فيها شخصيتها وقيمها وأسلوبها، حيث يساعد الأب كثيراً ابنته على اكتشاف الجنس الآخر، تماماً كما حدث لها.

فعلى الرغم من أنها سخرت من حديث والدها عن الشباب، والطريقة التي اختارها والدها ليحذرها منهم، إلا أنها ساهمت في تكوين نظرتها الخاصة عن الشباب.

"رهبة وقداسة"

"الابنة لا تستطيع القول لأبيها كلمة أحبك، لأن ذلك راجع إلى سلطة التقاليد الراسخة منذ القدم"، هكذا يفسر علي الشعباني، الباحث في علم الاجتماع، لرصيف22، عدم إفصاح الفتاة عن مشاعرها لأبيها.

وعن ردود فعل المغاربة حول عيد الأب، يعلق الشعباني قائلاً: "عيد الأب هو عيد حديث، ويعد دخيلاً على المجتمع المغربي، فالأخير ذو ثقافة معينة، مزيج من الثقافة الأمازيغية والعربية والإسلامية، ومن مكونات وروافد مختلفة لم تعرف هذا النوع من المناسبات".

وأضاف الشعباني أن "الإطار العام المنظم للحياة داخل الأسرة المغربية، هو التقدير والقداسة التي تحكم علاقة الآباء والأبناء من الجنسين"، لافتاً الانتباه إلى أنه "بشكل عام الثقافة المغربية لا تتيح الفرصة للتعبير عن العواطف علانية، إذ هناك نوع من الرهبة والقداسة التي تمنع أفراد الأسرة المغربية من تبادل العواطف فيما بينهم".

وذكر الشعباني أن علاقة الأب بابنته قد تؤثر على علاقتها مع الجنس الآخر، قائلاً: "الفتاة تتأثر من طريقة معاملة أبيها لها، أو موقفه من بعض الأفكار، فضلاً عن بعض السلوكيات التي يقوم بها الأب أمامها".

وأشار الشعباني إلى أن الفتاة في الثقافة المغربية تحب والدها عادة، ولكن الثقافة الراسخة لديها هي التي تمنعها من الإفصاح عن مشاعرها تجاهه، وكذلك الآباء، فهم لا يسمحون لأبنائهم بالإفصاح عن مشاعرهم، إذ تجد الأب يتفوه بعبارات مثل: "باركا من هذا المزاح"، ما يدفع الأبناء إلى عدم البوح عن مشاعرهم تجاه الأب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard