"انقطاع الطمث في ربيع العمر"... فشل المبايض المبكر يهدّد صحّة النساء الإنجابية والجنسية

الاثنين 1 فبراير 202104:46 م

في كانون الثاني/ يناير 2011، كانت فاطمة تحتفل بمرور خمسة أشهر على زواجها، وهي تتجاهل الأسئلة المُستمرة من الأهل عن حملها، بعدما اتفقت مع زوجها على تأجيل الإنجاب بسبب الحالة المادية السيئة التي يعيشانها.

بعد انقضاء فترة قصيرة، استقر الزوج في عمل جيد يؤمن لهما مبلغاً مالياً كافياً، فقررا الإنجاب والتوقف عن وسائل منع الحمل.

لم تتخيل في أشد أحلامها قسوة أنها ستصل لـ"سن انقطاع الطمث" في الـ23 من عمرها.

في الشهر الأول من عدم تناول حبوب منع الحمل، جاءت الدورة الشهرية للمرة الأولى بعد غياب. ثم انقطعت في الشهر التالي، فظنت فاطمة أن الجسم لم يستطع بعد التخلص من حبوب منع الحمل، أو بسبب التوتر الذي يسببه ضغط الأهل، أو أنها أصبحت حبلى أخيراً، ولكنها لم تتخيل في أشد أحلامها قسوة أنها ستصل لـ"سن انقطاع الطمث" في الـ23 من عمرها.

تقول فاطمة (30 عاماً)، لا تعمل وتسكن في القاهرة، لرصيف22: "كنت أعاني بشكل مستمر من تقلب المزاج، وفي الليل يبدأ جسمي بالتعرق، حتى المهبل كان جافاً جداً، ولا أعرف السبب، ظننت أني حامل ولكن اختبار الحمل المنزلي لم يظهر ذلك، فذهبت لطبيب لأعرف ما بي تحديداً".

في العيادة النسائية بالقاهرة (وبعد إجراء الأشعة المقطعية والتصويرية) طلب الطبيب من فاطمة عدة فحوص وتحاليل، منها فحص للدم، حتى يتأكد من مستوى الهرمونات.

بعد مرور يومين، أخبرها الطبيب بإصابتها بـ"فشل المبايض المبكر"، ولن تحيض مرة أخرى في هذا العمر، ولن تستطيع إنجاب أطفال.

ماهو المرض؟

وفقاً للمكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن فشل المبايض المبكر يُعرف أيضاً بقصور المبايض الأولي، ويحدث عندما يتوقف مبيض السيدات عن العمل في سن أقل من 40 عاماً، وأحياناً كثيرة يتوقف المبيض عن إنتاج هرمون الاستروجين، والبويضات في سن المراهقة، والسيدات المصابات به لا يستطعن الإنجاب إلا في حالات نادرة جداً لأن المهبل توقف عن إنتاج بويضات سليمة.

الحل الوحيد أمامهن هو طلب التبرع بالبويضات من أخريات، ولكن هذا ممنوع قانوناً و(شرعاً) في معظم الدول العربية.

مصطفى خضري، أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب جامعة جنوب الوادي، يقول: "هناك أمران يسرعان من اكتشاف المرض، هما انقطاع أو اضطراب الطمث وصعوبة الحمل، فغالبية السيدات تأتي وتشكو من ذلك".

ويضيف: "هناك أعراض أخرى تتمثل في التعرق الليلي المستمر، والهبات الساخنة (شعور بالدفء، واحمرار الجلد بشكل مفاجئ)، وأيضاً ألم أثناء الجماع، وضعف في الرغبة الجنسية، واضطراب مستمر في النوم، إضافة إلى جفاف في المهبل، والعينين نظراً لنقص الاستروجين".

أسباب فشل المبايض المبكر غير معروفة حتى الآن، بحسب خضري، ولكن مؤخراً يعتقد العلماء أن أسباب المرض مرتبطة بالاضطرابات، والعيوب الجينية، مثل متلازمة كروموزوم أو بالعدوى الفيروسية أو اضطرابات المناعة الذاتية كالغدة الدرقية، أو عمليات جراحية تمت على المهبل، أو تعرض السيدة لعلاج كيميائي أو إشعاعي.

لا يصنف فشل المبايض المبكر كمرض نادر، يقول خضري، لأنه منتشر بشكل كبير، فمن بين كل 1000 سيدة في عمر 15 إلى 29، هناك سيدة مصابة به، وواحدة أيضاً من كل 100 امرأة في عمر 30 و39 عاماً.

لذلك ينصح الخضري السيدات باللجوء إلى "تجميد البويضات"، وحفظها، في حال تعرض المرأة مثلاً لعلاج إشعاعي أو كيميائي أو إصابتها بالسرطان، حتى يتسنّى لها اللجوء إلى أطفال الأنابيب بعد شفائها، وإمكانية إنجاب أطفال.

ملأت الطريق من عيادة الطبيب إلى منزلها دموعاً، وسألت والدتها: "لماذا أصل لانقطاع الطمث وأنا في ربيع عمري؟"

يقول: "معظم السيدات اللواتي يصبن بهذا المرض، يطلَّقن أو لا يتزوجن في حالة إن كنّ عازبات".

ويتذكر قصة سيدة مصرية، جاءت إلى عيادته بصحبة زوجها، لتعرف سبب انقطاع الطمث عندها، وبعدما عرفت إصابتها بفشل المبايض، طلقها زوجها على الفور.

"لم يتردد حتى في إلقاء يمين الطلاق، فالأطفال والإنجاب وعدم قدرتها على ممارسة العلاقة الزوجية أعموا الزوج"، يضيف خضر.

هذا ما حدث أيضاً مع فاطمة، عندما اختار زوجها الطلاق، بعدما أخبرته بإصابتها، قائلاً لها: "الحالة المادية سيئة، لا تسمح لي بالانفاق على علاجك أو السعي للانجاب عن طريق أطفال الأنابيب او الطرق الأخرى بدون أمل".

تقول فاطمة لرصيف22: "لم يتقدم لي أحد منذ طلاقي، فمن سيتزوج امرأة لا تنجب، فاتجهت للعمل لأستطيع أن أنفق على نفسي".

"لا معنى لحياتي"

في السنة الأخيرة من الجامعة، وتحديداً عام 2017، توقفت الدورة الشهرية عن المجيء لفرح، فظنت أن السبب وراء ذلك التوتر الذي تخلفه الامتحانات النهائية ولأنه من العيب لدى بعض الأهل ذهاب بناتهن لطبيب/ة نساء وتوليد قبل الزواج، لم تذهب فرح.

انتهت الامتحانات، ونجحت، ولكن الدورة الشهرية لم تأت بعد، وزفافها بعد شهرين، فاضطرت الأم إلى اصطحاب ابنتها لطبيب نساء وتوليد سراً، وبعد الفحص وإجراء الأشعة والتحاليل أخبرهما الطبيب بإصابة فرح بـ"فشل المبايض المبكر".

فرح، التي لا تحمل من اسمها نصيباً، ملأت الطريق من عيادة الطبيب إلى منزلها دموعاً، وتسأل والدتها: "لماذا أصل لانقطاع الطمث وأنا في ربيع عمري؟".

بعدما هدأت الأمور، حاولت والدتها إقناعها بإخفاء إصابتها بفشل المبايض عن خطيبها، ولكن فرح اختارت المصارحة، حينما علم الرجل ابتعد، وقرر الانفصال عنها، ليتزوج بأخرى.

تقول فرح (26 عاماً) لرصيف22: "شعرت أنني لست أنثى، أقل من الفتيات التي حولي، جميعهن يستطعن الإنجاب، يأتيهن الحيض،  أما أنا فقدري أن أكون كذلك".

حاولت فرح الانتحار أكثر من مرة، "لا أجد لحياتي معنى، لماذا أعيش؟"، تقول فرح، ولكن الطبيب النفسي الذي تذهب إليه ساعدها على الخروج من هذه الحالة، إضافة إلى انخراطها في العمل كمهندسة في إحدى الشركات الخاصة.

الإصابة والاكتئاب

في دراسة نشرت عام 2020، في مجلة HEALTH، لباحثين كويتيين حملت عنوان "الآثار العاطفية لفشل المبايض المبكر"، درست 42 امرأة مصابة بفشل المبايض المبكر، أعمارهن بين الـ 20 و39 عاماً، وتمت مقارنتهن بـ42 سيدة سليمة، تبيّن أن السيدات المصابات خائفات من الطلاق في حالة زواجهن، أو ارتباط الزوج بشابة أخرى لديها القدرة على الإنجاب، والفتيات العازبات أظهرن درجة عالية من القلق حول الارتباط، ومصارحة الشريك بالمرض.

في دراسة أخرى نشرت في أيلول/سبتمبر عام 2018، وحملت عنوان "اضطرابات المزاج عند النساء المصابات بقصور المبايض المبكر" درست 160 امرأة مصابة بالمرض، تبيّن أن 43% منهن مصابات بالاكتئاب، واستنتجت الدراسة أن قصور المبايض المبكر يرتبط بأعراض نقص هرمون الأستروجين، وضيق النفس بسبب الشيخوخة المبكرة، ونهاية الحياة الجنسية.

تشمل هذه الأعراض الاكتئاب، والتوتر النفسي، والقلق، وتقلب المزاج ، وفقدان الرغبة الجنسية، ومشاعر فقدان الأنوثة والجاذبية والشباب، وانخفاض الثقة بالنفس.

وقد يكون الضيق المتعلق بتشخيص فشل المبايض المبكر أكثر إرباكاً عند تشخيصه إبان اصابة السيدة بالسرطان أو بسبب الجراحة والعلاج الكيميائي.

وأوصت الدراسة أنه في مثل هذه الحالة يجب مشورة طبية منسقة لدى أخصائي الغدد الصماء في أمراض النساء والمعالج النفسي، ولكن ابتهال ذات الـ 29 ربيعاً لم تخضع لذلك.

"التخلي عن الزوجة مثل القتل"

عام 2010، تزوجت ابتهال في مدينة تابعة لمحافظة الغربية، وأنجبت طفلتين، ولكن بداية عام 2013، أصيبت بسرطان الثدي، وبعدما قامت باستئصاله وشفيت تماماً، اكتشفت إصابتها بفشل المبايض المبكر.

لم تزرها الدورة الشهرية، رغم تأكيد الطبيب شفاءها بشكل كامل من السرطان.

ولكن إصرار زوجها على إنجاب "الذكر" جعلها تذهب لطبيبة النساء والتوليد، بنفس المدينة، لتساعدها على تنظيم الدورة الشهرية ومن ثم الحمل والإنجاب مرة أخرى.

أثارت أعراض إصابتها بالسرطان سابقاً، وتعرضها لعلاج كيميائي، وانقطاع الطمث، وجفاف المهبل، والآلام التي تسببها العلاقة الزوجية، الشكوك لدى الطبيبة، فطلبت من ابتهال فحوصاً وتحاليل للتحقق من هرمون الاستروجين وهرمون FSH، وهرمون LH.

بعد الاطلاع على الفحوص، تأكدت شكوك الطبيبة حول إصابة ابتهال بـ "فشل المبايض المبكر". كان الأمر صعباً على الزوجة العشرينية، ليس فقط لأنها لن تستطيع الانجاب مجدداً، ولكن أيضاً لأن زوجها تزوج بأخرى بحثاً عن مولود "ذكر"، لم يلتفت لإصابتها بالسرطان أو فشل المبايض.

تقول ابتهال لرصيف22: "كان علىّ الاختيار بين الطلاق والقبول بزوجة أخرى لزوجي لأنني لن أستطيع الإنجاب له مرة أخرى، وإن اخترت الطلاق فلن أستطيع تأمين حياة أفضل لأطفالي".

 جاءت إلى عيادته بصحبة زوجها، لتعرف سبب انقطاع الطمث عندها، وبعدما عرفت إصابتها بفشل المبايض، طلقها زوجها على الفور، يقول الطبيب: "عدم قدرتها على ممارسة الحميمية والإنجاب أعموا الزوج"

يقول د.أحمد علام، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، إن فكرة تقبل عقم الزوجة أو عدم قدرتها على ممارسة العلاقة الزوجية ليس شائعاً حتى الآن، وإن بدا المجتمع متفتحاً.

يضيف علام: "التخلي عن الزوجة في هذه الحالة أشبه بعملية قتل لها، لأنها تعيش في حالة حزن مستمر بسبب موت حلمها في الأمومة، وغالباً ما تشعر بالعزلة، والاستخفاف بالنفس، والذنب على أمر ليس لها يد فيه، ودور الزوج في هذه الحالة هو الدعم، حتى إن أراد الزواج، ينتظر حتى تلتئم جراحها، ويخبرها عن رغبته في ذلك بطريقة تحفظ كرامتها، ولا تشعرها بأي نقص".

يؤكد علام لرصيف22 أن معظم السيدات المصابات لا يحتملن هذا الشعور، وغالباً ما يشعرن بالاستياء والغيرة من السيدات العاديات، حتى أنهن لا يستطعن الوجود في أماكن بها سيدات حوامل أو سيدات لديهن أطفال.

ويلفت إلى أن السيدة في هذه الحالة، تحتاج الدعم أيضاً من عائلة الزوج أو عائلتها، لأن الدعم الاجتماعي يقلل من المعاناة.

ثمة أمل

بعدما تزوجت أميرة (26 عاماً) اكتشفت إصابتها بفشل المبايض المبكر بسبب الآلام التي تسببها العلاقة الحميمية، وتأخر الحمل. تقول لرصيف22: "كنت أزور الطبيبة لتصف لي دواء بسبب الآلام الشديدة التي يخلفها الجماع مع زوجي، ولكن الطبيبة ظلت تسألني كثيراً عن الحمل والطمث. الفحوص جعلتني أتأكد من إصابتي بفشل المبايض".

وتضيف: "زوجي يعاملني جيداً، ولم يؤثر عدم قدرتي على الإنجاب في علاقتنا، بالتأكيد حالتي النفسية سيئة جداً، وأشعر كثيراً أنني لست كافية لزوجي لأن كل القريبات والصديقات أنجبن، وأنا لا أستطيع ذلك".

تُفكر أميرة حالياً مع زوجها في الإنجاب عن طريق أطفال الأنابيب، بعدما أخبرها عدد من الأطباء أن باستطاعتهما تجريب ذلك، والتأكد من مدى قابلية البويضات على التخصيب.

أخصائي النساء والتوليد، مصطفى خضري، يقول لرصيف22: "في بعض الحالات يتم إعطاء السيدة أدوية تعمل على تنشيط ما تبقى من مخزون البويضات للمساعدة في فرص الحمل، أو زراعة البويضات لتحسين فرص الحمل".

ووفقاً لخضري، فإن هذه الطرق غير مناسبة لكل الحالات لأن معظم السيدات يتأخرن في التشخيص، مما يؤخر فرص الحمل والإنجاب. لذلك ينصح السيدات بالمتابعة الدورية عند طبيب النساء والتوليد، ولدى غياب الدورة الشهرية عند السيدة، يجب البحث عن أسبابها لأن غيابها يعني وجود مشاكل كثيرة، منها فشل المبايض المبكر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard