“يا تطلقي يا تحطيه أمام الملجأ“... قصص مجهولي النسب في غزة

الاثنين 2 نوفمبر 202004:30 م

على عتبة أحد بيوت قطاع غزة عُثر على أشرف (اسم مستعار) مُلقىً على الأرض بغطاء مهترئ، قبل حوالى 22 عاماً، ولم يجد من يشفق عليه بعد أن وصل إلى يد الشرطة، وتبناّه الزوجان اللذان وجداه أمام منزلهما لأنهما لا ينجبان.

أشرف، الذي منحه أبوه بالتبني اسم عائلته حتى أصبح الآن طالباً جامعياً لا يريد معرفة عائلته الحقيقية، وحسب قوله: "أمي وأبوي هم أهلي اللي ربوني مش اللي خلفوني". علماً أنّ المحيط الاجتماعي لأشرف يعرف جيداً أنّه مجهول النسب.

يتساءل أشرف: "ليش أهلي رموني؟ هل أنا ابن حرام زي ما الناس بتحكي، ولا أبوي يمكن كان فقير، وما معه يصرف علي، ويعيشني علشان هيك حطني قدام باب بيت ناس، وضعهم منيح وما بيخلفو؟ الله أعلم لكن اللي أنا بعرفو منيح إنه أهلي الحقيقين هم اللي تعبو علي حتى صرت في هذا السنّ".

سلوك فردي 

قصة أشرف جعلتنا نستحضر واقع مجهولي النسب في أزقة شوارع غزة. هل هم أبناء علاقات غير شرعية أم أبناء فقر أم جهل وقلة وعي؟

تقول ألفت المعصوابي، اختصاصية نفسية واجتماعية: "الموضوع ليس ظاهرة، هذا سلوك فردي، سبب تفاقمه ضيق الحال، وسوء الأوضاع الاقتصادية، والعلاقات غير الشرعية بسبب الكبت الجنسي"، مضيفة: "في بعض الحالات يكون الأطفال اللقطاء معروفي النسب وشرعيين، ولكن يكون للعائلة عدد كبير من الأبناء، فيتم وضعهم على باب جامع أو مؤسسة خيرية أو في الشارع بدافع الفقر، وبهدف لفت الانتباه للوضع العائلي المتردي وليس بهدف التخلي عنهم".

"لو ضل يا بتطلقي، يا باحطه أمام ملجأ، انا مش قادر أطعم اللي عندي"

وتشير المعصوابي إلى حالات تزايدت في الآونة الأخيرة، "لعب فيها الأهل الفقراء على وتر السوشال ميديا للفت الانتباه، يقومون برمي الصغير بسبب الفقر، وتنتشر الصورة لتسارع العائلات الكبيرة والمؤسسات إلى تبنيهم وتوفير الرعاية لهم".

تتابع: "يكون بعض هؤلاء الأطفال شرعيين، ولكن لأم مطلقة مثلاً، لا تستطيع الحفاظ على طفلها وسط الإطار الاجتماعي أو يرفض أهلها الإبقاء عليه، وانتقاماً من الأب يلقى في الشارع".

وتنوه المعصوابي كذلك بأن الجهات الرسمية أحياناً تتكتم عن "اللقطاء" بسبب طبيعة البيئة المحافظة، ولأنها تمسّ قضايا الشرف، وتؤدي دائماً إلى مشاكل.

أم مدمرة وابن منعزل

وعن الحالة النفسية للأم التي تتخلى عن طفلها، تقول المعصوابي: "الأم التي تصل لمرحلة ترمي طفلها نوعان، إما تم انتزاع ابنها منها خوفاً من الفضيحة والعار، وإما خيٰرها الأهل بين قتل المولود أو رميه،وفتفضل رميه".

وعن انعكاس الأمر على مجهول النسب عندما يكبر، تشدد المعصوابي على أنّ الأمر ينعكس سلباً على شخصيته، فغالباً ما يصبح منعزلاً، وليس لديه علاقات اجتماعية، وينظر إلى نفسه ولديه إحساس بالنقص دائماً، وعندما يتزوج فإنه يتزوج بشريك من مؤسسة رعاية مجهولي النسب لأنهم عادة يواجهون صعوبات بالاندماج في المجتمع، ويحصلون على فرص قليلة بالتعليم والزواج، بسبب هويتهم المجهولة.

"هددني بالطلاق"

أنجبت سوزان (45 عاماً) تسعة أبناء، وحملت قبل ثلاث سنوات بطفل جديد والخبر نزل على زوجها كالصاعقة، بحسب وصفها. تقول لرصيف22: "أكبر أبنائي كان في الثانوية العامة، وأصغرهم في الصف الثالث، ورغم كل وسائل منع الحمل التي اتبعتها اكتشفت أنني حامل في الشهر الثاني، وأخفيت الأمر عن زوجي لشهر، ولكن قررت أن أصارحه قبل أن يكبر بطني". فقال لها: "لو ضل يا بتطلقي، يا باحطه أمام ملجأ، انا مش قادر أطعم اللي عندي".

لم تنتهِ معاناة سوزان إلا بعد أن شعرت بآلام في بطنها، وعقب زيارة الطبيبة تبين أنها فقدت الجنين بسبب ارتفاع ضغط الدم بعد مشادة كلامية بينها وبين زوجها، تقول: "الحمدلله اللي سقط، وإلا لكان تربى في الملاجئ".

"رميتها فبكيت"

لم يكن أبو أحمد (66 عاماً) بحال أفضل إذ أنجبت له زوجته الأولى أربع بنات، وعندما أنجبت الخامسة تزوج عليها، لينجب ولداً يحمل اسمه، حسب حديثه، قائلاً:" لكن للأسف زوجتي التانية خلفت كمان بنتين، ولما حملت في الثالثة حلفت لو ما طلّه ولد لأرميها".

"طلبتُ من زوجتي ألا تفحص، وتعرف نوع الجنين، لعله يكون ولد، ولكن يوم الولادة انصدمت بأنها بنت، وانصدمت بزوجتي أنها كانت فاحصة وبتعرف ودون وعي مني حملتها، وخرجت من المستشفى، ووضعتها أمام باب جامع قريب من المستشفى ثم نظرت لها، وبكيت، وعدت، وحملتها، واستغفرت الله".

خط أحمر

يعلق أيمن البطنيجي المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية لرصيف22:" في المناطق الشعبية والأحياء الصغيرة لا توجد كاميرات مراقبة في الشوارع، لذلك لم نستطع تسجيل أحد يضع مولوداً في الشارع".

ويضيف: "مثل هؤلاء الأهل دائماً يختارون أماكن مجهولة بجوار جامع، أو منزل، والناس تبلغ الشرطة التي تتحرى من الموضوع، وتبحث عن أهل هذا الطفل، وإذا لم نجد له أهل بعد ثلاثة أيام، نتواصل مع جمعية مبرة الرحمة لتسجيله كشخص مجهول الهوية".

"غالباً ما يصبح مجهول الهوية منعزلاً، وليس لديه علاقات اجتماعية، وينظر إلى نفسه ولديه إحساس بالنقص دائماً، وغالباً عندما يتزوج فإنه يتزوج بشريك من نفس البيئة أو مؤسسة رعاية مجهولي النسب"

ويقول مؤمن بركات، مدير جمعية مبرة الرحمة الخاصة برعاية مجهولي النسب": "حتى اليوم نرعى 200 طفل مجهول النسب، الرحلة تبدأ عندما يتم تسليم الطفل من قبل النائب العام أو جهاز الشرطة إلى الجمعية، بعدها يجري استخراج شهادة ميلاد بمساعدة وزارة الداخلية والمحكمة الشرعية حتى يتمتع الطفل بحقوقه المدنية والاجتماعية في إصدار شهادة ميلاد رسمية كأي مواطن في غزة". ويضيف بركات لرصيف22: "هذا الطفل يتلقى خدمات من الجمعية من مأكل ومشرب ورعاية صحية من نفسية واجتماعية، ويبقى لدينا الى أن يدخل الجامعة أو إلى أن تتوافر شروط التبني على عائلة وتتبناه، أهمها أن تكون أسرة فلسطينية غير منجبة، وتمتلك منزلاً، ونضمن أن الطفل سيكون في مكان آمن، ويحظى بالحب وسط أسرة قادرة على الإنفاق عليه".

في مجتمع محافظ كقطاع غزة، يعتبر الخوض في هذه الموضوعات من المحرمات.

كتبت الصحافية هدى بارود على صفحتها عبر فيسبوك خلال الشهر الماضي: "بالمناسبة في عدد من الأطفال مجهولي النسب موجودين في غزة، حسب كلام أحد أفراد الشرطة، أثناء إعداد تحقيق سابق، أكد انه كل مجهولي النسب في غزة الموجودين في مؤسسة الرعاية بنعرف أهلهم مين، فهم مجهولين النسب بالنسبة للمجتمع والناس فقط".

وطالبت بارود الصحافيين والمجتمع بعدم السكوت عن هذه القصص، كتبت: "اكتبوا عن الموضوع وارفضوه، والعنوا المجتمع المتستر بستار الحياء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard