هل "الوطن" عادة أم كمين اخترعه الإنسان لنفسه؟

الاثنين 12 يوليو 202112:18 م

من الطبيعي أن نخرج من عرض مسرحي ليس كما دخلناه. لكن أن نمتلئ بالأسئلة عن انزياحات مفهوم الوطن بعد قراءة مسرحية في سوريا، فهذا غريب نوعاً ما. والأغرب أن يتحول الحوار بين شخصيتين نسائيتين ضمن النص، إلى "مونولوج داخلي جماعي" تتصاعد وتيرته باستمرار، بدافع الألم، الذي راح ضحيته الملايين، بين قتلى، وجرحى، ومعطوبين، ومهجرين، ومشتتين في بقاع العالم.

زخمٌ وجداني تضمنه نص "عبور" لمبدعته السورية آنا عكاش (عُرِضَ في زوايا غاليري بشراكة بين مشروع فرقة مراية، ورادار صوفيا)، استطاع توريط المتابعين بأسئلة الوطن السياسية، والشعرية، والفلسفية، والواقعية، والوجدانية، ودفعهم للبحث عن إجابات، بعد خلخلة اليقينيات السائدة، والتي تم ترسيخها في وعينا، لا سيما نحن جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي من خلال كتب القومية، بشعاراتها الكبرى المرافقة، من رسالتنا "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، إلى أهدافنا "وحدة حرية اشتراكية". لنكتشف في النهاية أنها ليست أكثر من وهم، بدليل أن "مفهوم الوطن بكتاب القومية ما ضل منه بذاكرتي شي"، حسبما جاء على لسان إحدى الشخصيات. ومع التأكيد على أن بناء الوحدة والحرية والاشتراكية لم يبق منه أي طابق، سيما وأن الطبقة الوسطى التي وُضِعَت لها إيديولوجيا مثالية لتحقيق تلك الأهداف، انتهت هي الأخرى. كما أن البلد الذي كان يحتضنها، لم يعد قادراً إلا على تضميد جراحاته، وخذلانه، ومداراة أحزانه المديدة على نفسه، وعلى أبنائه، محاولاً توحيد ذاته أولاً، ولمّ شمل أبنائه ثانياً، خاصةً بعدما عانى ما عاناه من استلاب حدوده، وفرض خرائط سياسية جديدة جعلت تحسُّراتنا على "اللواء السليب"، و"الجولان المحتل"، تتآخى مع حسرات جديدة، مثلما تآخت في السابق مع جرحنا الأعمق عبر خسارتنا فلسطين. هنا تتراكب التراجيديا، وتتعقد أكثر، بالنسبة إلى الفلسطيني-السوري، الذي تشرَّب حبّه لفلسطين من عيون أبويه، وذاكرتيهما المديدة عنها، وتشبَّع من حلم العودة إليها، ثم جاءه النزوح الثاني من مخيم اليرموك، فبات "نازحاً ويُعيد"، ليصبح أقصى حلم لديه، كما جاء على لسان إحدى شخصيات "عبور"، هو شرب فنجان قهوة في بيته في المخيم. تقول: "بـ15 كانون الأول/ ديسمبر 2012 وقّف أبوي عند دوّار البطيخة، وهو عم يتطلّع لآخر مرة ع الجنب التاني من قوس اليرموك. نفس تطليعة ستي أم مروان بيوم بيشبه هاد اليوم من سنة1948 ، وهي عم تودع الضفة التانية من جسر بنات يعقوب"، ليأتيها رد والدها: "ستك أم مروان كانت تقول كل ما قلها رح نرجع: قالولنا هيك وما رجعناش... الأرض يللي بتطلع منها بترجعلهاش. خلقت بالمخيم، وبعرفش فلسطين غير بعيون أمي، وحكيها عنها. ومن وقت ما خلقت تربينا على إنه نآمن إنه رح نرجع. ويللي ضاع منه هاد الإيمان وكان شوي واقعي بيكفروه. هلأ، بهاي اللحظة، نسيت فلسطين كلها، وكبيت ذاكرة أمي وأبوي. وكل مناي بس أشرب فنجان قهوة ببيتي بالمخيم".

بعد أن كان آباؤنا يكتبون سوريا بالألف الممدودة، بما فيها من شموخ، جاء حزب البعث فارضاً كتابتها بالتاء المربوطة

إذاً ما علاقة الوطن بالذاكرة؟ وهل الوطن هو الذاكرة؟ فبعد أن كان آباؤنا يكتبون سوريا بالألف الممدودة، بما فيها من شموخ، جاء حزب البعث فارضاً كتابتها بالتاء المربوطة. وحتى قبل ذاك التحريف اللغوي الجائر، فإن سوريا لم تعد كُبرى، بهلالها الخصيب ونجمته جزيرة قبرص، بل تناقصت مساحتها كثيراً، وضُغطت حدودها شيئاً فشيئاً. وفي كل مرة كان هناك من يتخيل الوطن على أنه الخريطة فحسب، محيلاً معناه من "الشعارات الحزبية" إلى "الجغرافيا السياسية"، ومن الحلم إلى الواقع. حينها ينظر الجميع إلى الحدود على أنها سور الوطن، وما هو خارجها كله، هو وطن آخر لشعب آخر، من دون أن يدركوا أن الحدود هي أسرٌ وتضييق، بينما الوطن حرية. هنا أتذكر ما قاله مظفر النواب بصوته الرخيم: "ورضيتُ يكون نصيبي في الدنيا كنصيب الطير. لكن، سبحانك، حتى الطير لها أوطان، وتعود إليها. وأنا ما زلت أطير. فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر... سجون متلاصقة، سجان يمسك سجاناً". فكيف يمكن أن يصبح الوطن سجناً، والمواطن سجيناً؟ ربما نفهم ذلك من منطق أنه أسير حنين ما، أما أي أسر آخر، فينفي الموضوع من جذوره. لكنها، على ما يبدو، كما قالها ميخائيل نعيمة ذات مرة: "الوطن ليس أكثر من عادة، والبشر عبيد عاداتهم. ولأنهم عبيد عاداتهم تراهم قسّموا الأرض إلى مناطق صغيرة يدعونها أوطانهم". أما مقولة عالم الآثار آندريه بارو إن "لكل إنسان متحضر وطنان: وطنه الأم وسوريا"، فباتت غرائبية في زمن الحرب، وذلك يعود ببساطة إلى أن سوريا لم تعد كما كانت. ومهما ضغط على أرواحنا نشيج الوجدان، لن نغير من تلك الحقيقة شيئاً. ربما نواسي أنفسنا بماضيها مرة، ونحيلها إلى حلم مستقبلي في مرة أخرى. أما الحاضر، فسيظل ملتهباً بأسئلة لا نهاية لها عن مفهوم الوطن، خاصةً بعد التهجير القسري داخل سوريا وخارجها، وتحت ضغط ذاكرة التفجيرات التي لم تهدأ وتيرتها على مدى سنوات طويلة، وراح ضحيتها عشرات الآلاف. لكن "عبور" لم يكتفِ بذلك، بل ربطه، بمهارة، بتفجير ميناء بيروت، وبالقصف الإسرائيلي المتكرر لمناطق مختلفة من سوريا، وفي بعضها من الأجواء اللبنانية، إذ إن الحرائق واحدة، ولا تقل أهمية عنها حرائق محاصيل القمح في الشمال الشرقي السوري، ولا حرائق أشجار الزيتون المعمرة، وأشجار الحمضيات. وكأن كل ذلك يشتعل بفتيل واحد، وينفجر كله في وجه من بقي في بلده، فيصبح شبه حي، أو شبه ميت، لا فرق طالما أنه بات مجرد رقم لا تنطبق عليه أي صفة من صفات المواطنة بمفهومها العام، إلا إذا استثنينا حصته من الموت اليومي، والذلّ الكامل الدسم، ونصيبه الكبير من الأحزان بصيغة المضارع المستمر، فالحرب قادرة على خلخلة أكبر المفاهيم، وعلى رأسها مفهوم الوطن.

أما مقولة عالم الآثار آندريه بارو إن "لكل إنسان متحضر وطنان: وطنه الأم وسوريا"، فباتت غرائبية في زمن الحرب، وذلك يعود ببساطة إلى أن سوريا لم تعد كما كانت

جاء في نص "عبور" على لسان إحدى الشخصيات: "بعد ما بلشت الحرب، وصرت شوف شو عم يصير بالخريطة السورية، بلش مفهوم الوطن يصغر ويصغر لصار قد الشام. دمشق، بمساحتها الجغرافية الصغيرة مع اقتطاع الضواحي يللي تحولت لنقط حامية صعب الواحد يوصللا. دمشق جوا السور. وبرا السور بشوي، بلشت خزّن الصور كلها بذاكرتي عَنّا كيف كانت. أتذكر روايحها وأربطها بأحداث وأمكنة وأشخاص، لحتى ما أنسى. وأقدر أتقبّل التغيرات كلها يللي صارت فيها. وبس سافر أحمل كل هاي الصور والروائح معي بشنتاية، لحتى ما حس حالي غريبة. حتى كوابيس الحرب يللي ما بتنيمني الليل من عشر سنين، ضبيتها معن بالشنتة. بوصل على المكان الجديد وبفتح الشنتاية. فما بيتغير عليّ شي. حتى ريحة صبحها بشمها بشوارع المدينة الجديدة. ولهيك دائماً كنت أرجع. ودائماً كان عندي أمل بأنه كل شي رح يتغير، ورح يكون في سوريا جديدة حبها متل ما كنت حب سوريا القديمة. استنتجت بعدين، ويمكن متأخر كتير، إني خلال هلسنين كلها كنت عم أضحك ع حالي، وما عم أقدر شوف لبعيد أو... ما بدي شوف لوين عم تروح سوريا يللي كنا منحبها. سوريا يللي بذاكرتنا. مو سوريا هلأ. هلأ إذا حدا سألني شو هو الوطن بالنسبة إلي؟ بقله هو المكان يلي بتحس فيه بالأمان، وبإنسانيتك مو أكتر من هيك. لا الشوارع، ولا البيوت، ولا الذكريات، ولا الأشخاص، ولا كل شي حاولوا يعلمونا ياه بكتب القومية، ونسيناه. سوريا ما عادت وطن ولا خريطة. بلشت تغريني فكرة السفر. بس بعد ما غرقت الزوارق كلها بالبحر. بدي حس إنه عندي حرية الخيار. وسوريا بدي ياها تكون خيار مو أمر واقع مفروض علي. بس رغم هاي الفكرة، أحياناً كتير بفكر، إذا إجت هاي اللحظة، لحظة السفر النهائي، رح اقدر يا ترى أنسى شنتايتي بالمطار، وروح بلش من أول وجديد أعمل ذواكر، وخزّن صور وروايح ما إلي معها أي ذكرى بتذكّرني بسوريا؟".

الإجابة عن هذه الأسئلة مؤجلة عند البعض، ومؤرقة. في حين أنها لا تعني غيرهم ممن يعدّون الخروج من سوريا نجاة ما بعدها نجاة، وبين الطرفين تحول كثيرون من السوريين إلى كائنات هلامية، لا هوية لها، ولا انتماء، ولا وطن؛ يعيشون لاجئين ضمن وطنهم بحكم الجوع والفقر والتعتير، وبضع "كراتين معونة" مسروقٌ نصفها، أو لاجئين بجوازات سفر ووثائق موقتة، وباتوا يتأقلمون مع البيوت المستأجرة، والتي تتغير كل ستة أشهر، ومع المخيمات، أو بلدان الإقامة الجديدة، يحاولون الاندماج، أو يمثّلونه. فالحنين والذاكرة لا يتركان المجال للكثيرين ليبدأوا من جديد، في حين أن أولادهم يعيشون حنينهم الخاص، بعيداً عن نوستالجيا الآباء، خاصةً وأن الأبناء نشأوا في تربة مغايرة، وهم غير مضطرين للقتال من أجل أبسط حقوقهم، ولا يعني لهم "البلد الأم"، "ومسقط الرأس"، ولو قشرة بصلة، إذ لا كهرباء، ولا ماء، ولا خدمات، ولا إنترنت سريع. بل مجرد صراعات معيشية جانبية تكبت الأنفاس، وتهدر الوقت والكرامة، لتبقى مداورة مفهوم الوطن صعبة للغاية. لكن ما خَلُص إليه صديقي الشاعر يمكن أن يَصلُح بوصلة نهائية لا تخيب، إذ قال: "فكرة الوطن (طبعاً بعد فكرة "الله")، هي أخطر الكمائن التي اخترعها الإنسان لنفسه، ليُسوِّغ مذاقَ الفاجعة، ويستلطف هواء الإسطبل".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard