"راحت بلادك وبلادي"... أغنية بدو النقب الفلسطيني

الاثنين 26 أبريل 202110:00 ص





تحولت موسيقى "الدحية" العربية البدوية في جنوب فلسطين في الأعوام العشر الأخيرة إلى اللون الفني الأكثر شعبية على مستوى الوجود العربي في منطقة فلسطين التاريخية.

أغاني "الدحية" و"الهجيني البدوي" وهو الموال الشعري باللهجة البدوية والمترجم إلى أغنية، من المحتمل سماعها في المطاعم ومقاهي الشباب ومن قاعات الأفراح وفي المناسبات الاجتماعية، ومن سيارات الجيل الشاب في كل مناطق تواجد فلسطينيي 48، وحتى في الفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي

نسمعها في المطاعم ومقاهي الشباب ومن قاعات الأفراح وفي المناسبات الاجتماعية، ومن سيارات الجيل الشاب في كل مناطق تواجد فلسطينيي 48، وحتى في الفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي... أغاني "الدحية" و"الهجيني البدوي"

ورغم عدم فهمهم للكلمات المستخدمة بسبب صعوبة لهجة أهل النقب البدوية الصحراوية، وعدم إجادة معظم من هم ليسوا "نقباويين" لرقصة "الدحية"، إلا أن معظم عرب النقب، في الحديث عن الدحية، يكادوا يجزمون أنهم سمعوها في باقي المناطق الفلسطينية أكثر مما سمعوها في بيتها؛ النقب.

النقب وسيناء وغزة: مثلث الدم والثقافة

لعلّ رابط الدم والامتداد الثقافي المشترك بين بدو النقب وبدو سيناء وبدو غزة، جعل جمهور هذا اللون الموسيقي وحاضنته الثقافية ينطلق من هذا المثلث. وعلى الرغم من أن النسخة المطورة والحالية من الرقصة والأغنية الفولكلورية خرجت من النقب قبل أكثر من عشرة أعوام عبر فرقة سميت بـ"فرقة التراث البدوي"، إلا أن هذا اللون الغنائي تطور اللون واحتوى شرائح واسعة من الشباب البدوي من حاضنته الأساسية. فانضم فنانون شباب إلى تطوير وتصدير موسيقى "الدحية" من كل مناطق التواجد البدوي، لعل أشهرهم تيسير أبو سوير وعبد الله السعايدة ابن مدينة غزة.

ومع اكتساب هذا اللون الموسيقي لشعبيته المهولة في الأعوام الأخيرة في فلسطين والأردن وحتى دول الخليج العربي، انضم مغنون ليسوا من أصول بدوية إلى قائمة الـ "بديعة "؛ وهو الاسم الذي يُطلق على مغني الدحية وفنانيها، وقد يكون أشهرهم أيمن السبعاوي. إلا أن التطور في استخدام الآلات الموسيقية الحديثة ودخول مغنين لا يحملون البعد الثقافي البدوي المشترك، وملائمة طيف كبير من "بديعة الدحية" للأساليب الموسيقية المختلفة التي تجذب الشباب، أثار الخوف لدى عرب النقب من ضياع ما تمثله "الدحية" من تراث اجتماعي ثقافي وقيمي هام للمجتمع العربي الصحراوي في النقب وسيناء وغزة وبادية الأردن.


رفيقة التاريخ الاجتماعي البدوي

تاريخياً، رافقت الدحية عرب النقب في جميع المحطات التاريخية الهامة للمجتمع الصحراوي. ومثلت صمام أمان للحفاظ على الأصالة والتراث إلى جانب مركبات ثقافية أخرى منها لباس النساء البدويات والتطريز والشعر و"الهجيني" والتناقل الشفهي للقصص وحتى تزيين السيوف.

نشأة الرقصة والأغنية لم تحدد، ولكن تناقلت الأجيال العديد من الروايات حول تاريخ نشوء الدحية، والذي قد يكون المزيّة الأكبر التي تختلف فيها الدحية عن الألوان الفنية البدوية الأخرى مثل "الهجيني" و"الشعر البدوي". رافقت "الدحية" عرب النقب في أفراحهم وفي غزواتهم وفي معاركهم مع الإنجليز والترك وفي كل حدث اجتماعي استلزم الاحتفال. ولطالما شارك في الدحية الرجال والنساء الذين لعبوا أدوارهم فيها على حد سواء.

ومن قصص نشأة رقصة "الدحية" أنها رقصة حرب استخدمها عرب النقب في إخافة الانجليز خلال معارك صحراء النقب وسيناء، عبر إثارة الأصوات العالية في مناطق يكون فيها صدى الصوت عالياً، من باب تمثيل كثرة العدد، وبالتالي إرعاب العدو الذي لن يفهم أي عدد سيواجه من البدو. وفي الافراح، تمحور جزء مهم من رقصة الدحية حول "الحاشي"؛ وهي امرأة أو عدة نساء من أهل القبيلة المضيفة ترقص مقابل صف "الدحية" للرجال متوشحة سيفاً تعبر فيه عن عزة وشموخ القبيلة التي تنتمي إليها.


رومانسية الصحراء

الصنف الآخر من الفن الصحراوي الشعبي هو الـ "هجيني". أرّخ له المؤرخ والكاتب صالح الزيادنة من مدينة رهط قائلاً: "هو لون من ألوان الغناء الشعبي القديم الذي كان يردده المسافرون وهم على ظهور إبلهم وهجنهم، يقطعون فيافي الصحراء ومسافاتها البعيدة في قوافل مختلفة. منها ما كَثُر عددها ومنها ما هو دون ذلك. وكان في غناء الهجيني ما يخفف وحشة الطريق وعناء السفر، ويحث الإبل على السير السريع فتمدّ أعناقها وتُتبعها قوائمها الأمامية ثم تُردفها بقوائمها الخلفية، فتمشي وكأنها تعلو وتهبط، وكأنّ المغني يحس بهذا الارتفاع والهبوط فينطلق صوته ليتناغم مع سير الإبل وهي تتهادى في رمال الصحراء. فيعلو صوته تارة وينخفض تارة أخرى مع إيقاع أخفاف الإبل ووقع خطواتها".

"وقد جاء اسم الهجيني من الهجين، وجمعه هجن وهو الجمل الرشيق السريع المشي الذي يُعَدّ من أجل السفر وقطع المسافات البعيدة. ومن لفظة الهجيني اشتقوا فعلاً فقالوا: هَوْجَنَ، يُهَوْجِنُ هَوْجَنَةً؛ أي تغنّى بهذا النوع من الغناء. وقد يشترك في غناء الهجيني شخصان أو أكثر، يردّ الواحد منهم على الآخر بأبياتٍ توحي له أبياتاً مشابهة أو ذات صلة، فيطرب لها الرَّكْبُ المسافر وينسى هموم السفر ووحشة الطريق".

نماذج من شعر الهجيني:

باسْمَع نغِيط القطا يا عيَال

ثِنْتين سَـوَّن هجِينِيّـة

يا بنت لا توردي سَيَّـال

لا عاد ما أنتِ حويطيّة

***

يا طير أنا بسألـك بالله

بالصوت ما شفت لي نـورهْ

يا عينها عيـن الغزيّـل

اللي عن الوكر مقصـورهْ

***

بالمرقبـة شفت أنا خـدّه

برقٍ لمع عُقب عِشْويّـه

ومن حَطّني نايـم بحـدّه

راسي وراسـه خلاويّـه

***

يا بنت يا زينـة المنطوق

يا شَمعة البيـت والعَيْلة

القَرْن الأشقر حرير السوق

والخـدّ يضوي قناديله

***

يا ولد يا راكب الحنتـور

يا اللي يهفّ الهـوا هَفِّي

سَلِّم على الصاحب المذكور

واسْمه مقَيَّـد على كَفَّي

معظم القصائد والمواويل يكون موضوعها الحب وجمال المعشوقة ولوعة الشوق أو كرم الرجال وشهامة أصحاب البيوت ومواقف حماية المظلومين، أو الكرامة وتبجيل الخالق أو جمال الفلاة والسماء... الهجيني والشعر والمويل (من موال)

الهجيني والشعر والمويل (من موال)، الذي يعبر عن حالة عاطفية وشعورية ينقلها مغنيه، يُجسّد العمق الرومانسي لطبيعة المجتمع الصحراوي تاريخياً. فمعظم القصائد والمواويل يكون موضوعها الحب وجمال المعشوقة ولوعة الشوق أو كرم الرجال وشهامة أصحاب البيوت ومواقف حماية المظلومين، أو الكرامة وتبجيل الخالق أو جمال الفلاة والسماء.

أغنية شعبية محرّضة على العنف؟

مع تطور اللون الموسيقي وشهرته بين الشباب، لاقت الدحية البدوية اتهامات عديدة من نُخب وشخصيات من الداخل الفلسطيني، ومنهم المخرجة الفلسطينية سهى عراف التي اعتبرت في مقال لها موسيقى الدحية محرضاً على العنف، واعتبرت الاستماع إليها انسلاخاً عن قيم المجتمع الفلسطيني الأصلية التي تتمثل في صف "الحداية" في قرى شمال فلسطين. ولعلّ ادعاءات مقال عراف ومن يهاجم الدحية بعامّة، ترتبط بشخصية مغني الدحية من بدو النقب والقيم التي يمثلها بأدائه، "دحية السلاح" للفنان معين الأعسم هي مثال على ذلك.

"أحببت "الدحية" منذ صغري، مثلي مثل الكثير من الشبان. هي جزء لا يتجزأ من مجتمعنا وأشعر بأنها تمثلنا

تمثل الدحية لمجتمع النقب جنوب فلسطين، والمركب من أكثر من 300 ألف فلسطيني بدوي الأصل، لوناً موسيقياً يعبر عن سوادهم الأعظم. ولا يرى أهل النقب أن مغنّو الدحية هم مجرد شخصيات سلبية، رغم الخلاف على المضامين التي تحملها بعض الأغاني. ففي حديث لرصيف22، يقول بديع الدحية الفنان أمير أبو عبود؛ وهو طالب يدرس الطب ويؤدي موسيقى الدحية البدوية منذ عدة سنوات: "أحببت "الدحية" منذ صغري، مثلي مثل الكثير من الشبان. هي جزء لا يتجزأ من مجتمعنا وأشعر بأنها تمثلنا. دائماً ما أردت امتهان هذه الموسيقى. لم يتوقع أحد أن تصل "الدحية" إلى هذه الدرجة من الشهرة. فهذه الحالة الفنية الموجودة اليوم لم تبدأ إلا من فرقة فنية واحدة اسمها "فرقة التراث البدوي". كان الآباء يعرفون هذه الموسيقى. لكن لم نتصور أنها قد تتحول إلى حالة فنية بهذه الضخامة".

ويتابع أبو عبود: "المهندس والطبيب والمحامي، جميعهم يستمعون إلى "الدحية"، فهي تعمل على تقريب أبناء مجتمعنا من بعضهم البعض، وعلى المحافظة على بعض القيم الصيلة موجودة؛ فالبديع يشيد بكرم صاحب البيت ووجوه العائلات، ويذكر النقباويون بتاريخهم وببطولات الأجداد، يغني عن الحب والمشاعر الجميلة والعلاقة مع الصحراء. وفي حال وظّف هذا اللون الفني بالشكل الصحيح، فأنه يساعدنا في الحفاظ على الجماعة، في ظلّ كل محاولات فصلنا وإبعادنا المفروضة علينا".

الرقابة السياسية على الفن

في أحيان كثيرة، تحمل موسيقى الدحية رسائل وطنية وسياسية أيضاً. تراقب أسرائيل مضامين موسيقى "الدحية" بشكل جدي، حيث اعتقلت سابقاً فنانين من النقب في أعقاب غنائهم لـ"دحية" تتكلم عن غزة.

"راحت بلادك وبلادي... والحكم في إيد اليهود/ بدوك فالجيش تطوع... عشان تشيل البارودي/ بدوانك صارت تجند بدوانك صارت جنودي/ كيف بقبلها على حاله وبيت أخيه مهدودي"...  "الدحية" تثير قلق السياسيين 

يوجه فنانون من النقب رسائل وطنية لأبناء المجتمع عبر "الدحية"، ففي أغنيته، يخاطب الفنان يوسف الصرايعة شباب النقب ممن تجندوا في الجيش الإسرائيلي، قائلًا: "راحت بلادك وبلادي... والحكم في إيد اليهود/ بدوك فالجيش تطوع... عشان تشيل البارودي/ بدوانك صارت تجند بدوانك صارت جنودي/ كيف بقبلها على حاله وبيت أخيه مهدودي".

تواجه الدحية والفن الصحراوي الأصيل تحديات جمّة، أبرزها الحداثة والرقابة المجتمعية والسياسية، حيث تصف النخب المجتمعية هذه الموسيقى بأنها عنيفة. من جهة أخرى، اختفى الصوت النسائي من الأغنية بعد دخول الحركة الإسلامية إلى المشهد. وسياسياً، يعمل الاستعمار على تكريس نفسه من خلال الإلغاء وطمس الصوت أو التأثير على قيمة الأصالة في الموروث الفني الصحراوي، الذي لطالما تحلى بالعمق وعالج قصص الحب وعزز الروح الوطنية. هكذا، يتغير المجتمع، ينعزل ثقافياً ويتطرف داخلياً ويهبط سقفه الوطني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard